هذه قصة بثينة التي اختفى الورم من بطنها بعد تغسيلها؟!
ثلاث سنوات قاسية مضت على التقرير الطبي الأسود الذي كشف إصابتها بالسرطان، وسنة مثقلة بالأحزان مرت على رحليها من الدنيا، ولكن عزاء أهلها وأحبتها أنها كانت فتاة صالحة، وكل من حضر جنازتها قال إنها لم تولد لتبقى في دنيا أفسدها البشر بحقدهم وقلوبهم المتقلبة.
بثينة فتاة في ربيع العمر، قطف الموت زهرتها بعد معاناة شديدة مع ورم سرطاني، وطيلة السنتين التي عانت فيهما من المرض، لم تفقد أملها في الحياة، ولم تنحن أمام التقارير الطبية التي أكدت جميعها انتشار السرطان في بعض أعضاء جسدها الهزيل، ولكنها ظلت متمسكة بحبل الله إلى أن غادرت الحياة قبل يومين من النصف الأول من رمضان المنصرم، وتركت خلفها عشرات الأحبة الذين لا يذكرونها إلا ويذكروا معها البراءة والقلب الطيب الذي لم يحقد يوما على أحد.
كان اليوم الأخير من شعبان من سنة 2013 موعدا مع الصدمة، حينما قال الطبيب لوالديها إن ابنتهما تعاني من ورم سرطاني وعليهما أن يسارعا بها إلى مركز مكافحة السرطان بالبليدة لبدء جلسات العلاج الكيميائي قبل انتشار الورم في كامل الأعضاء..
لم تكن بثينة قد علمت بالحقيقة، وأمضت شهر رمضان تساعد والدتها في المطبخ، دون أن تبدو عليها أعراض المرض، بينما كان أهلها يتقلبون على جمر الأحزان، بعد أن صارحهم الطبيب بخطورة المرض الذي تعاني منه..
وفي الوقت الذي كانت تستعد للتسجيل في الجامعة بعد نيلها شهادة البكالوريا، صارحها والدها بالحقيقة الصادمة حتى تستعد للعلاج الكيميائي، فبكت بكاء مريرا، وأصيبت بالوسواس لدرجة أنها عندما انفجر أحد المصابيح في الثريا نهضت مسرعة من مكانها وهي تقول “لقد جاءني” وتقصد به ملك الموت، ولكنها سرعان ما استجمعت شجاعتها وقررت أن تواجه المرض، سيما وأنها كانت لا تزال بصحة جيدة ولا تشتكي من أعراض خطيرة، ولكن عائلتها كانت في سباق مع الزمن لبدء العلاج، غير أن مستشفى قسنطينة الذي خضعت فيه لعملية أخذ خزعة لم يتمكن من التعرف على نوع الورم لوصف العلاج الكميائي المناسب..
ومضى أكثر من شهر والمستشفى يتعامل مع الخزعة كما لو أنه يتعامل مع كائن سقط من الفضاء الخارجي في حين أن مثل هذا التحليل لا يستغرق 36 ساعة على أقصى تقدير، وبدأت أعراض المرض في الظهور، وبدأ الجسم يفقد طاقته وحيويته، وصارت بثينة لا تغادر الفراش إلا للمستشفى أو مخابر التحليل، وهناك كانت تسمع من التلميحات وترى من النظرات المريبة ما يؤجج خوفها ويكسر عزيمتها، بل هناك من الأطباء والممرضين من واجهها بحقيقة مرضها، ولم تجد إحدى الطبيبات أي حرج وهي تقول لها بثقة زائدة: “كل التقارير الطبية التي أمامي تقول أنك مصابة بالسرطان، فلم الحاجة إلى إعادة التحاليل؟”، وكأن السرطان نزلة برد، أو أنفلونزا موسمية يصارح به المريض بكل فجاجة ودون مراعاة لمشاعره..
ورغم الكلام القاتل الذي كانت تسمعه من هنا وهناك، إلا أن بثينة كانت تستعيد الأمل في الحياة بسرعة، ولم تكن تترك قراءة سورة البقرة كاملة، وبعض السور الطوال كل يوم إلا عندما يزداد ألمها، وهي على هذا الحال، لم تنس صديقتها الفقيرة، حيث تطلب من والدها أن يشتري لها ما يدخل السرور إلى قلبها.
تدهورت الحالة الصحية للفتاة المريضة، ولم تعد تقوى على الجلوس أو الحركة خاصة بعد إصابتها بتقرحات جلدية بسبب مكوثها الطويل في الفراش، ولم تعد قادرة على الأكل والشرب، وصارت تدخل في إغماءات عميقة حتى يعتقد أهلها أنها ماتت، وقبل أيام من وفاتها قالت لأمها أنها سمعت في منامها أنشودة “فرشي التراب”، وشعرت الأم بانقباض شديد، سيما وأن حالة ابنتها ازدادت سوء..
وفي الليلة التي سبقت وفاتها طلبت من أفراد عائلتها أن يجتمعوا حولها لأنها شعرت بدنو أجلها، وقبل أن ينقضي اليوم التالي كانت بثينة قد فارقت الحياة، واستراحت من الألم، والغريب أن الورم الذي كانت تعاني منه على مستوى البطن اختفى بعد تغسيلها، بعدها بأشهر قليلة رأتها قريبتها في المنام وهي تطير بجناحين وتقول لها “أنا لست ميتة”، بينما رأتها صديقتها وهي تقول:”أنا أضحك عندما أراهم يبكون علي”، نرجو من الله أن تكون هذه الفتاة الطيبة التي عانت من المرض كثيرا أن تنال الجنة وذلك هو الفوز العظيم.