“هرمجدون” تلمودي بخراب الشام
لا أحد يعلم يقينا تحت أي راية كاذبة قتل هذا الأسبوع المئات من أطفال سورية ونسائها وشيوخها في الغوطة الشرقية وادلب وعفرين، بعد أن أعلِن رسميا وفي احتفال جماعي عن نهاية “داعش”، ودخول بقية الفصائل المقاتلة في مسارات أستانة وسوتشي وجنيف، وتفكك مسار الحرب المذهبية السنية الشيعية.
قبل شهور قليلة كان المعسكرُ الروسي الإيراني وحلفاء النظام السوري يحتفلون في وقت مبكر بهزيمة الفريق الخصم، بعد حسم المواجهة في حلب والرقة، وتفكيك “داعش” كما بدأ الحديث عن مشاريع إعادة الإعمار وتقسيم ريع حرب قذرة بالوكالة، يقال إن كلفتها قد تزيد عن نصف مليون ضحية، وأكثر من ستة ملايين مهجَّر ونازح.
الأطراف المحتفلة على استعجال بالنصر تكون قد تغافلت عن السمة التي تميِّز المعسكر الغربي الأنغلوسكسوني الذي عُرف عبر تاريخه الإجرامي الطويل بالاستماتة حين يغرس مخالبه في لحم الفريسة، خاصة وأنه في تدخله الإجرامي في سورية كان يقاتل عن بُعد من السماء دون كلفة، وله على الأرض من يدفع الدم بالوكالة من عرب وأكراد ومرتزقة بلاك ووتر، وكانت أهدافه المرئية: تحويل سورية إلى أفغانستان جديدة لروسيا، وتوريط إيران وحزب الله في حرب صنع لها إعلام الماينستريم يافطة “الحرب المذهبية”.
الاحتفالُ الوحيد الذي شاركت فيه جميع القوى المعتدية على الشعب السوري كان بمناسبة تطهير آخر جيوب “داعش”، والذي كان ثمنه: هدم خمس حواضر كبيرة في العراق سورية بحجة إلحاق الهزيمة بـهذا التنظيم الإرهابي الذي علمنا له أكثر من أب وأم وعمة وخالة، قبل أن يتبخر بنفس السرعة التي نفخ بها، ليُسوَّق كغطاء لحرب أخرى لم يكن أحدٌ من الأطراف يريد أن تخرج إلى العلن، كما خرجت هذه الأيام، مع إعلان تشكيل قوات موالية دائمة للولايات المتحدة من الأكراد، وتدخل عسكري تركي واسع في عفرين، وسقوط أول قتلى روس تحت ضربات جوية أمريكية، وحصول أول احتكاك معلن بين الكيان الصهيوني والقوات الإيرانية في سورية.
الأحداث التصعيدية الأخيرة تُنسب كلها للدول الخمس المعنية منذ البداية بالحرب القذرة في سورية: الولايات المتحدة، وروسيا، وإيران، وتركيا، والكيان الصهيوني، بعد إنهاء دور دول الخليج وتبخر “داعش”، وقد وضعت الآن أمام مسؤولياتها من غير غطاء، وهي بين خيارين: فإما التوافق واقتسام الكعكة بالتراضي، أو الانتقال السريع نحو مواجهة قد تبدأ بين دول الإقليم: إيران، وتركيا، والكيان الصهيوني، قبل أن تتدحرج إلى مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة وروسيا.
ولأن هذا السيناريو في شقه الأول هو قابلٌ للتفعيل بين عشية وضحاها، فإن تركيا وإيران سارعتا إلى إبراء الذمة، وترضية الخصم الإقليمي المحتمل، بمبادرة تركيا رسميا إلى دعوة الجيش السوري لدخول عفرين وانتزاع السيادة من الأكراد، ومبادرة إيران عبر نائب وزير الخارجية عباس عراقجي إلى طمأنة قادة الكيان الصهيوني بالقول في تصريح لـ”بي بي سي”: “إن وجود إيران في سوريا لا يهدف إلى خلق جبهة جديدة ضد إسرائيل”.
لقد انتهت إذن كذبة الحرب على الإرهاب كغطاء لإبادة الشعب السوري، كما تفككت أسطورة الصراع المذهبي، وتكشفت لنا وجوه القتلة أكلاتُ الجيف، وهم في الطريق إلى جولة ثانية من حرب مستدامة بالوكالة، أو إشعال فتيل “هرمغدون” بالأصالة قد تتخذ من خرائب الشام ساحة لاختبار بروفة تلمودية قبل موعد النسخة التوراتية.