هكذا تحوّل “التليغرام” إلى أكاديميات “إلكترونية” لتعلم اللغات وتحصيل العلوم!
“التعلّم عن بعد” هدف سطرته “صفية” وهي سيدة في العقد الخامس من عمرها، ووضعته نصب عينيها، عازمة على تحقيقه مهما كانت الظروف، تحدت سنّها وضعف تعليمها فقررت التوجه لتعلم القرآن، واختارت التعليم الإلكتروني بعد ما لم يسعفها الحظ من أجل الالتحاق بالمدرسة القرآنية، تقول صفية أنّها كانت يائسة تماما من تحقيق حلم طالما راودها، خاصة مع رفض زوجها الخروج من المنزل إلا للضرورة القصوى إلى أن جاءتها فكرة التعلم عبر “تليغرام”، والاشتراك بقنوات مجانية أطلقها متطوعون عبر ذات المنصة لتعليم القرآن وعلومه…
على غرار صفية، الآلاف من الأشخاص ومن مختلف الشرائح ممن أرادوا تحصيل مختلف العلوم عبر المواقع الالكترونية، من بينها تعلم اللغات الأجنبية ومهارات التسويق الإلكتروني، لمن لم يتسنى لهم ذلك بالمدراس ومراكز التكوين والدورات التعليمية، فكان التعليم الإلكتروني ملاذا لهم، وجدوا فيه ضالتهم المنشودة واستغلوا فترة الفراغ لاكتساب هذه المهارات عبر غرف الدردشة على “تليغرام” وقنواته العلمية، التي كانت حضنا مبسوطا لمن أراد اكتساب العلم والمعرفة، خاصة فيما يتعلق بالعلم الشرعي وغيرها من العلوم الإسلامية، إلى جانب اللغات الأجنبية كالإيطالية والألمانية والتركية وخاصة الانجليزية، التي توجه لتعلُّمها الكثيرون بعد إدراج تدريسها في الطور الابتدائي، واكتساب مهارات جديدة تكون تحصيلا إضافيا لهم خلال الموسم الدراسي بالنسبة للتلاميذ والطلبة وحتى الموظفين لتطوير مهاراتهم العلمية والعملية عبر هذه التطبيقات والمواقع.
تحدى الإعاقة لتعلم أبجديات اللغة الإيطالية عبر “تليغرام”!
يكشف منير وهو شاب في بداية العقد الثالث من عمره خلال حديثه لـ”الشروق” عن تجربته في تعلم اللغة الإيطالية وإتقانها بشكل جيد، قائلا بأن رغبته تولدت عقب تعرفه على أصدقاء “افتراضيين” من إيطاليا، هؤلاء وجد فيهم الأُنس الذي يكسر روتين يومه، فهو مقعد منذ أزيد من سبع سنوات بعد حادث مرور تعرض له أدى إلى إصابته بكسر على مستوى العمود الفقري، ويضيف بأن القنوات العلمية على “تليغرام” والخاصة بتعلّم اللغات ساعدته كثيرا على تعلم أبجديات ومبادئ في اللغة الإيطالية ليتواصل بها صوتيا مع أصدقائه بعد ما كان حديثه معهم مقتصرا على محادثات كتابية، الأمر الذي جعله يتطلّع إلى تعلّم لغات ومعارف أخرى تنسيه عجزه، واستحسن منير فكرة مثل هذه التطبيقات، معتبرا أن “تليغرام” ليس مجرد موقع للتواصل بين الأفراد، بل تعداه إلى كونه منصة تعليمية ثرية ومتنوعة لاسيما أنه يتوفر على ميزة تسجيل الدروس الصوتية وحفظها بالتطبيق على شكل “أوديو” أو تحميلها على الهاتف لمن أراد ذلك .
“مقرأة الجزائر”.. مدرسة إلكترونية فرصة لتعلم القرآن عن بعد
وتحدثت الشابة “أنفال” هي الأخرى لـ”الشروق” عن استغلالها فترة فراغها بالعمل من أجل التنقل بين “مقرأة الجزائر الإلكترونية” التي أطلقتها وزارة الشؤون الدينية والأوقاف قبل أكثر من ثلاث سنوات بعد غلق المساجد والمدارس إثر تفشي جائحة كورونا، على تطبيق “زووم” وما بين قنوات الحفظ على منصة “تليغرام”، وقالت أنفال بأن ارتباطاتها في العمل صعّبت من مهمة التحاقها بالمدارس القرآنية، إذ تعمل في مختبر للتحاليل الطبية بالجزائر العاصمة بدوام يوم بيوم من الثامنة صباحا إلى الخامسة مساءً، وهو الأمر الذي منعها من مزاولة دراستها بشكل منتظم فلجأت هي الأخرى إلى التعليم الإلكتروني واختارت الفترة الصباحية بعد صلاة الفجر لتعرض على أستاذتها ما حفظته كل يوم، وأردفت أنفال وإن كان التعليم عن بعد لا يغني عن المدارسة بين يدي الأستاذ، إلّا أنها تعتبره بديلا مناسبا في حال تعذر التنقل وحضور الدروس.
التعّلم عبر المنصات الالكترونية فرصة للإبحار في مجال الرقمنة
وفي السياق، صرحت أستاذة لغة فرنسية بالطور الثانوي، لـ”الشروق” أن التعليم الإلكتروني والدراسة عن بعد لا يغنيان طبعا عن التعليم الحضوري فيما يخص كل المواد التعليمية، لكن فيما يخص تعلم اللغات فهو أمر جد إيجابي ومثمر، فباعتبار أن تعلم اللغات يلزمه التطبيق أكثر من النظري ومع الأخذ بعين الاعتبار طبيعة أغلب الأشخاص التي تتمثل في الخجل وعدم القدرة على المناقشة وجها لوجه خوفا من الخطأ، فإنّ التعليم الإلكتروني منح للمتعلمين الشجاعة وراء الشاشة، خاصة وأنه لا يعرف المتحدثين ولا يشعر بالارتباك، وأردفت انطلاقا من واسع خبرتها وتجربتها مع هذا النوع من التعلم، أنه ساعدها كثيرا أثناء دراستها، خاصة وأن المشاركة في مثل هذه النقاشات لا تشترط فئة عمرية محددة، بل تتعداها إلى جميع الأعمار والمستويات، وهو الأمر الذي يُكسب المتلقي الخبرة في مجالات شتى وليس اللغة المراد تعلمها فقط.
من جهة أخرى، كشفت الأستاذة “فاطمة” من خلال تجربتها في التعليم والتعلم الإلكتروني أن النّساء الماكثات بالبيوت، كان لهن النصيب الأكبر من مزاولة التعليم عبر تلك المنصات والتطبيقات، وأن أغلبهن يخضعن لقرارات صارمة بمنعهن من الخروج يوميا من طرف أزواجهن إلى جانب انشغالهن الدائم في تربية أولادهن، فوجدن الحل البديل.
وختمت محدثتنا كلامها قائلة: “إن التعليم عن بعد بصفة عامة قد فتح المجال أمام الكثيرين من اجل الإطلاع أكثر على العالم الافتراضي والإبحار الرقمي واكتشاف أحدث التقنيات التكنولوجية”.