هكذا ذاب الحزب الشيوعي في جبهة التحرير خلال الثورة
كُتب الكثير عن العلاقة بين جبهة التحرير الوطني، والحركة الوطنية الجزائرية (MNA) التي أسسها الزعيم مصالي الحاج بعد اندلاع الثورة والتي شهدت فصولا دموية، غير أن الكتابات تكاد تكون منعدمة حول العلاقة بين جبهة التحرير والحزب الشيوعي الجزائري، الذي نشأ وترعرع في أحضان الحزب الشيوعي الفرنسي.
“الشروق” توصلت إلى وثيقة لم تنشر من قبل، معلمة بكلمة “سري” عُثر عليها الجيش الفرنسي بحوزة الشهيد العربي بن مهيدي عندما ألقي القبض عليه بالعاصمة، وهي تعرض بالتفصيل إلى حيثيات انخراط الحزب الشيوعي الجزائري في الكفاح المسلح تحت راية جبهة التحرير، التي رفضت بشدة أن ينازعها في الوصاية على الثورة، أيا من التنظيمات السياسية والعسكرية التي كانت تنشط في الساحة الوطنية قبل الثورة وبعد انطلاقها.
وتقول الوثيقة إن مسؤولي المجلس الوطني للثورة وفي أعقاب مؤتمر الصومام في 20 أوت 1956، وضحوا بجلاء شروط انضمام الحركات المناوئة مثل “الحركة الوطنية” و”الحزب الشيوعي” للثورة، وذلك انطلاقا من الاستراتيجية التي وضعها مؤتمر الصومام، والمتمثلة في كون “الجبهة” هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الجزائري، في كفاحه ضد الاحتلال الفرنسي. وتقوم هذه الاستراتيجية على ثلاثة مبادئ، وهي”تدمير النظام الاستعماري، واستعادة السيادة الوطنية للأمة الجزائرية، وإقامة دولة مستقلة، جمهورية ديمقراطية شعبية”.
الحزب الشيوعي الجزائري وإلى غاية ربيع 1956، كان يحارب الاستعمار الفرنسي تحت تسمية “المحاربين من أجل التحرير” (CDL)، بحسب الوثيقة، التي تحدثت عن وجود نقاط تمركز في الشلف والظهرة، مستفيدين (رجال الحزب الشيوعي) من الأسلحة التي هربها أحد الجنود الفرنسيين (هنري مايو) في الرابع من أفريل 1956.
غير أنه وبداية من جوان 1956، بدأ عناصر الحزب الشيوعي يفكرون في الالتحاق بجبهة التحرير كأفراد، بعدما رفضت هذه الأخيرة أي نشاط مسلح منضو تحت راية أخرى غير رايتها ومواز لنشاطها.. فالجبهة وبعد اتصالات مع بعض رموز الحزب الشيوعي، تمكنت من إقناعهم بأن “الجبهة”، هي الفصيل الوحيد الأكثر تمثيلا للجزائريين والقادر على تحقيق الاستقلال عن فرنسا الاستعمارية.
ولكون شرط “الجبهة” مقابل الانضمام إليها لم يكن مطروحا للنقاش، فقد رضخ عناصر الحزب الشيوعي للأمر الواقع، وهو الالتحاق فرادى مع تقديم استقالة موثقة من الحزب. وتستأنس الوثيقة بهذا الخصوص إلى شهادة موثقة ومؤرخة في العاشر من ديسمبر 1956، وهي عبارة عن تقرير عن النشاطات للمدعو “لوسيان” مسؤول مجموعة المحاربين القدماء للمقاتلين من أجل التحرير المحلة.
وجاء في هذه الوثيقة: “في بداية ربيع 1956، كنت (لوسيان) مكلفا بالربط بين “محاربون من أجل التحرير”.. وبعد مرحلة من إعادة التنظيم والتدريب، تم القيام ببعض العمليات الفدائية (الإرهابية كما جاء في الوثيقة)، قرر الحزب الشيوعي الجزائري، حل منظمته العسكرية (محاربون من أجل التحرير)، والذوبان في جبهة التحرير”، ما يعني أن رجال الحزب الشيوعي الجزائري كانوا آخر الملتحقين بالثورة مقارنة بأبناء جمعية العلماء المسلمين، وأنصار أول رئيس للحكومة المؤقتة، فرحات عباس.
ويتضمن الملحق الثاني من الوثيقة، وثيقة أخرى موقعة من قبل “لوسيان”، بتاريخ 27 ديسمبر 1956، تحت عنوان “مجموعة جبهة التحرير بالعاصمة” (المقاتلون من أجل التحرير سابقا)، وفيها يؤكد لعناصره أن قرار الذوبان في جبهة التحرير كان من أجل توحيد الشعب خلف الكفاح ضد الاستعمار، وأن مجموعته لم تعد جزءا من الحزب الشيوعي الجزائري، كما أن العمليات الفدائية التي يقومون بها، تتم باسم جبهة التحرير.