-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
نشرتْ الوعي بين الجزائريين وحاربت البدع والخرافات وسياسة التجهيل

هكذا قاومت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الاستعمار عبر “البصائر”

حسن خليفة / أ. د. مولود عويمر/ أ. عبد الحميد عبدوس/ أ. د/ عبد الرزاق قسوم/ أ.عيسى جرادي/ أ.د. مسعود فلوسي
  • 916
  • 0
هكذا قاومت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الاستعمار عبر “البصائر”
أرشيف

في 27 ديسمبر من عام 1935، صدر أوّل عدد من جريدة “البصائر”، لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهي خيرُ جمعية أخرجت للناس، على حدّ تعبير فضيلة الشيخ محمد الهادي الحسني، أطال الله عمرَه ومتّعه بالصحة والعافية ونفع الأمة بعلمه.
وبمناسبة مرور 90 سنة كاملة على صدور هذه الجريدة العريقة، يسرّ “الشروق” أن تفتح هذا الملفّ بالنظر إلى الدور البارز الذي أدّته صحفُ جمعية العلماء عامة و”البصائر” خاصة، في نشر الوعي بين الجزائريين ومحاربة الجهل والخرافات والبدع التي نشرها الاستعمار بينهم لتجهيلهم، وساعده في ذلك بعض الطرق المنحرفة التي كانت تسمح بالتمسُّح بأعتاب الأضرحة ودعوة الأولياء الصالحين من دون الله.
في هذا العدد، سنتطرّق إلى ظروف إصدار صحف جمعية العلماء في فترات تاريخية متعاقبة خلال العهد الاستعماري الفرنسي، وأهمها “البصائر” التي لا تزال تصدر إلى اليوم، ولله الحمدُ والمنّة، وكيف قاومت كيد الاستعمار ومضايقاته ودسائس أذنابه وتكيّفت معها، لتستمرّ في أداء رسالتها للجزائريين، وتنشر بينهم الوعي والروح الوطنية وقيم الخير والإصلاح والفضيلة والأمل في غد أفضل، وتنشر الإسلام الصحيح وتحارب البدع والخرافات المتفشية بسبب سياسة التجهيل الاستعمارية، ونتناول مراحل صدورها الأربعة قبل الثورة التحريرية وخلالها، وعودة صدورها في التسعينيات من القرن الماضي لفترة قصيرة بسبب الظروف الأمنية العصيبة التي زعزعت استقرار البلاد، قبل أن تعاود الصدور للمرة الرابعة بصفة أسبوعية منتظمة منذ سنوات إلى حدّ الساعة… وسنتطرّق إلى أهمّ كتَّابها منذ مؤسسها الأول الشيخ عبد الحميد ابن باديس والشيخ البشير الإبراهيمي والطيب العقبي وغيرهم إلى عهد الشيوخ عبد الرحمان شيبان وعبد الرزاق قسوم ومحمد الهادي الحسني وطالبي والأساتذة عبد الحميد عبدوس والتهامي مجوري وحسن خليفة والقائمة طويلة…

عالم الصحافة العظيم!
يمكن للمتتبع المدقّق، وهو يقرأ تاريخ المجد، المتعلق بالكلمة الطيبة المسؤولة، أن يستحضر الكثير من الوقائع، وهو يدارس تاريخ حركة الجهاد الثقافي، الذي سطرته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وفي مقدم طليعتها العاملة، الشيخ العلامة الرباني، عبد الحميد بن باديس.. يمكن للمتتبع الحصيف أن يستوعب عمق الفهم لدور “الكلمة” في صناعة النهضة واليقظة واستزراع الوعي، ونشر الخير والفضيلة، لدى هذا الرجل الاستثنائي (ابن باديس)، وعند الخاصة من أعضاء الجمعية المؤسسين الأوائل.
نعم من يقرأ تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية الحديثة، وبالأخص منه تاريخ الحركة الإصلاحية، لابدّ من أن يقف على تلك السلسلة المضيئة من الجهود المنهجية، التي استهدفت صناعة الوعي لدى المسلم الجزائري، بتوفير الوسائل اللازمة، وفي مقدمتها، بل وبالأخص منها، “الصحافة”، دون إغفال الوسائل الأخرى كالمساجد، والنوادي، والمدارس ومختلف المؤسسات الشعبية.. ويكفي للدلالة على ذلك، قول ابن باديس في افتتاحية جريدة “المنتقد” التي صدرت سنة 1925 وكان مسؤول تحريرها، قال وما أعمـق وأروع ما قال:
“..باسم اللّه، ثم باسم الحق والوطن، ندخل عالم الصحافة العظيم، شاعرين بعظمة المسؤولية التي نتحمّلها فيه، مستسهلين كل صعب في سبيل الغاية التي نحن إليها ساعون… وهانحن نعرض على العموم مبادئنا التي عقدنا العزم على السير عليها. نحن قومٌ مسلمون جزائريون، فلأننا مسلمون نعمل على المحافظة على تقاليد ديننا التي تدعو إلى كمال إنساني، ونحرص على الأخوة والسلام بين شعوب البشر”.
واستطرد الإمام يقول: «إن الدين قوة عظيمة، لا يستهان بها، وإن الحكومة التي تتجاهل دين الشعب تسيء في سياسته، وتجلب عليه وعليها الأضرار”..
إن هذا الإدراك العميق والمشعّ لدور الصحافة خاصة، ودور الكلمة عموما، هو ما نظنّ أننا في حاجة إلى التأكيد عليه مرة بعد مرّة، لأن الأصل في أي دعوة إصلاح وتغيير هو توفير واستثمار هذه الوسائل التي تبلّغ “الأفكار” وتنقلها وتوصلها إلى القلوب والعقول والنفوس والأرواح. لهذا الغرض، أحببتُ ـ في شعاع هذا الأسبوع ـ استعراض الجهود العَملية التي قامت بها الجمعية في مبدإ نشأتها، في مجال الصحافة، وعليه وجدتُ من المفيد تقديم هذا العرض الوجيز البسيط للمنابر الصحفية التي تأسست لخدمة الدعوة الإصلاحية. نسوق هذا لشبابنا الطامح الصاعد، لتعميق وعيه بأهمية فهم فلسفة الإعلام والصحافة ودورهما الكبير المهم في مجالي الإصلاح والتغيير. ولنشر إشارات عابرة إلى أهم الصحف التي تأسست في ظلال ابن باديس والجمعية وبرعايته المباشرة:
بدأ ابن باديس الجهد العَملي في مجال الصحافة بإنشاء صحيفة المنتقد التي صدرت بقسنطينة في 2 جويلية 1925، التي أسند إدارتها إلى الشيخ أحمد بوشمال، نشأت كجريدة وكانت بمثابة منبر للدفاع عن العروبة والإسلام في الجزائر، وحاربت سياسة الاندماج الفرنسية التي كانت سائدة في ذلك الوقت، وقد عطلتها الإدارة الاستعمارية بعد صدور 18 عددا منها.
جريدة الشهاب، وهي أيضا أسبوعية صدرت يوم 12 ديسمبر 1925، باسم الشيخ أحمد بوشمال، وكانت مثل المنتقد.. “سياسية تهذيبية انتقادية” شعارها: “الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء”. صدرت الشهاب أسبوعية حتى سنة 1929.
ابتداء من غرة رمضان 1347 ـ الموافق لشهر فيفري 1929ـ تحولت الشهاب إلى مجلة شهرية، وقد يسّر الله للشهاب أسباب الحياة، فامتدت حتى شهر سبتمبر 1939 (لم يطبع من العدد الأخير سوى 4 ورقات). وقد عدّ بعض الدارسين الشهاب (جريدة ومجلة)”، كنزا من الكنوز الثقافية في الجزائر”*.
جريدة “السنة النبوية” وهي لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، صدرت تحت إشراف رئيس الجمعية العلامة ابن باديس، رأس تحريرها الأستاذان الشيخ الطيب العقبي والشيخ محمد السعيد الزاهري، وصاحب الامتياز (مسؤول النشر) الشيخ أحمد بوشمال، تصدر يوم الاثنين من كل أسبوع، صدر العدد الأول منها في 1 مارس 1933، بقسنطينة. شعارها: ولكم في رسول الله أسوة حسنة. من رغب عن سنتي فليس مني. صدر منها 13 عددا وعُطلت بأمر من وزير الداخلية الفرنسي.
جريدة الجحيم صدرت بمدينة قسنطينة، وكانت تُطبع بطريقة سرية، كان عنوانها في نهج بن عاشر رقم 16 بالعاصمة الجزائر، وصاحب امتيازها جوكلاري محمد الشريف، صدر العدد الأول منها يوم 30 مارس 1933، يقوم بتحريرها نخبة من شُبان الزبانية تتنفس يوم الخميس من كل أسبوع، شعارها: العصا لمن عصى. كانت تصدر في أوراق حمراء، صدر منها سبعة أعداد، وعُطلت بأمر من وزير الداخلية الفرنسي. كان من كُتابها الأدباء الشبّان المصلحون الشيخ محمد السعيد الزاهري، والشيخ عبد الرحمن غريب، والأستاذ محمد الأمين العمودي، وغيرهم. وبهذا الثالوث المقتدر وغيره استطاعت الجمعية أن تردّ على ألسنة السفاهة والرداءة ومنها جريدة المعيار البذيئة، بما تستحق من لطم وشتم وصفع وكلام مقذع والظلم بالظلم والبادئ أظلم.
جريدة الشريعة النبوية المحمدية لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أصدرتها الجمعية بإشراف رئيسها الأستاذ عبد الحميد بن باديس، ورأس تحريرها الأستاذان العقبي والزاهري، صاحب الامتياز أحمد بوشمال، شعارها على اليمين: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا} (آية) وعلى اليسار: “من رغب عن سنتي فليس مني” (حديث شريف). كانت تصدر يوم الاثنين من كل أسبوع، صدر العدد الأول منها يوم الاثنين 17 جويلية 1933، صدر منها سبعة أعداد فقط، وعُطلت من طرف الاستدمار الفرنسي.
ـ جريدة {الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى}، لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، أصدرتها الجمعية تحت إشراف رئيسها الأستاذ عبد الحميد بن باديس، ورأس تحريرها الأستاذان الزاهري والعقبي، صاحب الامتياز أحمد بوشمال. في أعلى عنوان الجريدة الآية الكريمة: {قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى}. شعار الجريدة على اليمين: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا} (الآية)، وعلى اليسار حديث نبوي: “من رغب عن سنتي ليس مني”. تصدر يوم الاثنين من كل أسبوع، صدر العدد الأول منها يوم الاثنين 11 سبتمبر 1933، وقد عُطلت بقرار من وزير الداخلية الفرنسي، بعد صدور 17 عددا منها.
جريدة “أبو العجائب”: وهي نشرة فكاهية نقدية تهذيبية، رأس تحريرها محمد العابد الجلالي، مع نخبة من الشباب، وكان مديرها أحمد بوشمال، تصدر كل يوم خميس، بداية صدورها 24 ماي 1934. صدر منها 10 أعداد.
جريدة البصائر وتاريخها مما يحسُن أن يُروى ويؤرخ له بالتوقيت الحضاري المناسب، وقد عاشت أمدا من الدهر، واستمرت في الصدور إلى يوم الناس هذا… بركة من بركات الجمعية. وسنخصص للبصائر كلاما في المستقبل، إن شاء الله- تعالى- تأريخا وتحليلا ونقدا.

ملاحظة هامة: *جمع الأستاذ سليمان الصيد الكثير مما له صلة بنشاط الجمعية وجهادها في كتابه “نفح الأزهار”، وقد طُبع مرتين على الأقل، يمكن الاستفادة منه في هذا المجال، ومعظم المعلومات في هذا المقال منه.

خلاصة تاريخ صحافة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
لا يمكن لجمعية بحجم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، المنتشرة في ربوع الوطن وفي الخارج، أن تقوم برسالتها على أفضل وجه، دون أن يكون لها جريدة تنقل أخبارها بصدق وتغطي كل نشاطاتها وتعبّر من خلالها عن آرائها الإصلاحية وأفكارها التنويرية ومواقفها المشرفة بكل حرية وشفافية. فالجريدة هي بمثابة لسان حالها والجسر الرابط بينها وبين أعضائها وأنصارها في كل مكان.
ولا يجب على الجمعية في أي حال من الأحوال أن تعتمد فقط على الصحف الأخرى لتحقيق هذه الغايات، وإنما من واجبها أن تؤسس هي أيضا جرائدها لتحافظ على استقلاليتها وتجذّر حضورها في الحياة الدينية والثقافية في البلاد.

الصحف الأولى
لكل هذه الأسباب أولت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين اهتماما بالغا بالصحافة، باعتبارها قطاعا حساسا، يجب تقويته لتنوير المجتمع الجزائري وإيقاظ الوعي ونشر الروح الوطنية عند الجزائريين الذين أنهكهم الاستعمار بكل مخططاته، ولذلك أسست الجمعية أربع جرائد على التوالي:
«السُّنّة»: صدر عددها الأول في 8 ذي الحجة 1351 هـ / 3 أفريل 1933. كانت تصدر يوم الاثنين من كل أسبوع، في 8 صفحات. وهي تطبع بالمطبعة الجزائرية الإسلامية، بقسنطينة. وكان شعارها الآية القرآنية: «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ». [سورة الأحزاب، الآية 21].
وتوقفت هذه الجريدة في نفس العام إذ صدر العدد 13 وهو الأخير في 10 ربيع الأول 1352 هـ / 3 جويلية 1933، أي دام صدورها 3 أشهر بالضبط. وقد صدر قرار تعطيلها من طرف وزير الداخلية في 22 جوان 1933.
«الشريعة»: هي الجريدة الثانية التي أصدرتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في 24 ربيع الأول 1352 هـ/ 17 جويلية 1933، بعد تعطيل جريدتها الأولى «السُّنّة»، وكان شعارها الآية القرآنية: « ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فَاتَّبِعْهَا». [سورة الجاثية، الآية 18].
ولم تعمّر جريدة الشريعة طويلا، ولم يصدر منها إلا 7 أعداد. وصدر العدد الأخير في 7 جمادى الأولى 1352 هـ / 28 أوت 1933. وترأس تحريرها كل من الشيخ الطيب العقبي والشيخ محمد السعيد الزاهري.
«الصراط»: هي الجريدة الثالثة التي أنشأتها جمعية العلماء. ظهر العدد الأول في 21 جمادى الأولى 1352 هـ/ 11 سبتمبر 1933 بمدينة قسنطينة. ترأس تحريرها الشيخان الطيب العقبي ومحمد السعيد الزاهري، وملك امتيازها الأستاذ أحمد بوشمال. وكانت تخرج كل يوم الاثنين في 8 صفحات، وشعارها الآية القرآنية: « قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ». [سورة طه، الآية 135].
لم تعمر جريدة «الصراط» إذ لم يصدر منها إلا 17 عددا، ثم توقفت في 22 رمضان 1352 هـ/ 8 جانفي 1934 لنفس الأسباب التي أشرنا إليها من قبل.
لم تتحمّل سلطة الاحتلال الفرنسية خطاب الصحافة الإصلاحية، لذلك تبادر في كل مرة بمصادرتها بذرائع مختلفة. غير أن الجمعية كانت مصرة على تبليغ رسالتها ونشر الوعي بين الجزائريين وتنويرهم، لذلك كانت تجدد عزيمتها، وتصدر جريدة جديدة بعنوان مختلف مع المحافظة على الخط الافتتاحي والمطالبة بالحقوق المشروعة للجزائريين في الحرية والتعليم والتقدم…

جريدة البصائر: تجربة استثنائية
صدرت «البصائر» في 1 شوال 1354 هـ / 27 ديسمبر 1935، وكان شعارها: «قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ». [سورة الأنعام، الآية 104].
كان مقرها بنادي الترقي بالجزائر العاصمة، وترأس تحريرها الشيخ الطيب العقبي، وكان الشيخ محمد خير الدين صاحب امتيازها. ثم انتقل مقرها إلى مدينة قسنطينة في عام 1938 وتولى رئاسة تحريرها الشيخ مبارك الميلي.
توقفت السلسلة الأولى من جريدة البصائر في 9 رجب 1354 هـ / 25 أوت 1939 بعد أن صدر منها 180 عدد، نظرا إلى موقفها الرافض لتأييد فرنسا ضد ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، ما جعل السلطات الاستعمارية تزج بقيادات جمعية العلماء المسلمين في السجون وتضع ابن باديس تحت الإقامة الجبرية إلى أن التحق بالرفيق الأعلى في 16 أفريل 1940.
واستمر التضييق على نشاط جمعية العلماء المسلمين خاصة بعد مجازر 8 ماي 1945، إذ وجهت اتهامات لقيادات الجمعية بالتحريض على العصيان على النظام الاستعماري والتظاهر من أجل التحرر من سلطته، كما أن وفاة العلامة ابن باديس في 1940 والشيخ مبارك الميلي (1945) الذي كان رئيس تحرير جريدة «البصائر»، أثّرت تأثيرا بالغا على جمعية العلماء المسلمين في هذه الفترة.
لم يطلق سراح قيادات الجمعية إلا في سنة 1946، وعمل رجالها على هيكلتها بعد كل ما تعرضت له من محن. وفي هذا السياق أعادت إصدار جريدة «البصائر» في سلسلتها الثانية في 7 رمضان 1366 هـ/ 25 جويلية 1947. واستطاع رئيس تحريرها الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بمقالاته الافتتاحية وبكتابات فريقه من الكُتاب المقتدرين أمثال الشيخ باعزيز بن عمر، والأستاذ أحمد توفيق المدني، والشيخ أحمد سحنون، والشيخ حمزة بوكوشة، والأستاذ أحمد رضا حوحو… وغيرهم أن يجعلوا من «البصائر» أهم الصحف العربية الصادرة في الجزائر وفي العالم العربي.
استمرت البصائر إلى غاية 25 شعبان 1375هـ، 6 أفريل 1956، وصدر منها 361 عدد. ثم قامت سلطة الاحتلال بتعطيلها بسبب مساندتها للثورة التحريرية واعتقلت عددا من العلماء الجزائريين، وتوقفت الجمعية عن نشاطها إلى غاية الاستقلال.

البصائر في عهد الاستقلال
بعد استعادة الاستقلال في عام 1962، لم يُسمح لجمعية العلماء المسلمين بمواصلة نشاطها إلى غاية سنة 1990، حيث عادت الجمعية إلى نشاطاتها المختلفة وأعمالها الإصلاحية والتربوية، وأصدرت السلسلة الثالثة من جريدة «البصائر».
صدر العدد الأول في 18 ذي القعدة 1412 هـ الموافق لـ21 ماي 1992. وكانت تصدر يوم الخميس من كل أسبوع، في 16 صفحة. وكان رئيس تحريرها الشيخان عبد الرحمن شيبان وعلي مغربي. لكن فعليا كان الشيخ شيبان هو المشرف على الجريدة. وكان مقرها موجودا في قصر حسن بساحة ابن باديس بالجزائر العاصمة. وكان من أبرز كُتابها: الشيخ عبد الرحمان شيبان، الشيخ محمد الصالح رمضان، الشيخ سليمان بشنون، الشيخ محمد الأكحل شرفا، الشيخ عمار مطاطله، محمد الطاهر فضلاء، الشيخ أحمد شقار الثعالبي، الشيخ محمد الحسن فضلاء، الشيخ محمد الطاهر الأطرش، الأستاذ مولود طياب، الدكتور محمد بن سمينه، وغيرهم…
صدر منها 26 عددا. وظهر العدد الأخير في 18 ذي القعدة 1413 هـ الموافق لـ10 ماي 1993، نتيجة للظروف الصعبة التي مرت بها الجزائر، وما عرفته من تدهوّر الوضع الأمني آنذاك.
وفي سنة 2000 استعادت الجمعية نشاطها إلى يومنا هذا، وأصدرت السلسلة الرابعة في 18 صفر 1421 هـ الموافق لـ22 ماي 2000 م. وكانت تصدر يوم الاثنين من كل أسبوع في 16 صفحة. ومقرها شارع مربوش بحسين داي. وتداول على رئاسة تحريرها على التوالي: الدكتور عبد الرزاق قسوم، الدكتور عمار الطالبي، الدكتور مولود عويمر، الشيخ التهامي مجوري، والدكتور عبد المجيد بيرم.
وقد اعتمدت في السنوات الأخيرة على تنويع الأقلام والكُتّاب المساهمين في الجريدة وإضافة أعمدة وأبواب جديدة ملائمة لمتطلبات المرحلة، والتفتح على الكُتاب من غير أبناء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والاستفادة من التقنيات الحديثة بفضل فريقها التقني (مصطفى كروش، إسماعيل سلمان).
ولا تزال السلسلة الرابعة من جريدة «البصائر» التي عمّرت إلى حد الآن قرابة ربع قرن، تصدر إلى اليوم، وقد بلغت عددها 1298 بفضل جهود هيئة التحرير التي كانت تضم دائما -إضافة إلى رؤساء التحرير- أساتذة مقتدرين (محمد الهادي الحسني، عبد الحميد عبدوس) وشبابا مجتهدين (موسى بابا عمي، كمال أبو سنة، عبد القادر قلاتي، ياسين مبروكي، فؤاد مليت، عبد الواحد بوعناني، فاطمة طاهي)، وتوثّق كل نشاطات جمعية العلماء التربوية والثقافية والاجتماعية، وتبرز مواقفها تجاه القضايا الوطنية والدولية.
لقد تميّزت صحف جمعية الأربع بمقالاتها الفكرية المعمّقة وأسلوبها الأدبي العربي المبين، فالجرائد الأولى صدرت في نفس السنة 1933، ثم بقيت الجمعية منذ يناير 1934 من دون جرائد تعبر فيها عن مواقفها وآرائها.
وهكذا اضطرت جمعية العلماء إلى الاعتماد على الصحف الإصلاحية القريبة منها مثل «الشهاب» للشيخ عبد الحميد بن باديس، وجريدة «الإصلاح» للطيب العقبي، و«المرصاد» للشيخ محمد عبابسة، و«النور» و«الأمة» لأبي اليقظان… إلخ. واستمرت على هذه الحال إلى غاية 1935، حيث أسست في هذا التاريخ جريدة «البصائر» التي كان لها الحظ الأوفر في الاستمرارية والانتشار والشهرة في الجزائر وفي الخارج.
ونأمل أن تحظى البصائر الحالية بدراسات وتقويم موضوعي باجتهاد من الباحثين والباحثات والمهتمين بالإعلام والصحافة والتاريخية.

الجرائد العربية (البصائر)… شباب متجدد وعطاء متواصل
تحل علينا، يوم السبت 27 ديسمبر 2025، الذكرى التسعون لتأسيس جريدة (البصائر) لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، عميدة الجرائد العربية في الجزائر.

في خريف سنة 1935 زار وفد من قيادة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس وعضوية الشيخ الإبراهيمي والشيخ الطيب العقبي، مدير الشؤون الأهلية الجديد في الجزائر، الفرنسي الدكتور لويس ميو، وطلبوا منه رخصة إصدار جريدة تكون لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

كان المدير السابق للشؤون الأهلية في الجزائر، جان ميرانت، قد بقي في منصبه لمدة 15 سنة كاملة، من سنة 1920 إلى سنة 1935، وعرف بتطرفه في التضييق على مدارس جمعية العلماء، وصحفها. ووصل به التعسف والتجبر في هذا المجال، إلى حد إصدار حكم إعدام استباقي لإعلام الجمعية، من خلال أمر يقضي بتوقيف مسبق لكلّ ما تنوي جمعية العلماء المسلمين إصداره من جرائد في المستقبل، خصوصا بعد ظهور الأثر الإيجابي لصحف الجمعية في الساحة الجزائرية، التي كانت بمثابة سلاح فكري فعال، وأداة ثقافية وطنية لنشر الوعي الديني والوطني في أوساط الجزائريين، مع التصدي للدعاية الاستعمارية الفرنسية وأساليبها الخبيثة في التضليل والتزييف، وقلب الحقائق ونشر سموم الغزو الفكري واللغوي والديني، وكذلك مواجهة البدع والضلالات والأباطيل الدخيلة على العقيدة الدينية وإعادة الاعتبار للحقائق الإسلامية التي تعرضت للتشويه. كما ساهمت جرائد الجمعية في تطوير فن المقالة الصحفية والأدبية، وترقية الإنتاج الأدبي الجزائري، وصقل مواهب الأدباء والشعراء والقصاصين من الشباب المتعلم في الجزائر.
بعد نهاية مهمة جان ميرانت، وحصول قيادة جمعية العلماء المسلمين على رخصة إصدار جريدة البصائر، صدر العدد الأول منها في يوم الجمعة فاتح شوال من عام 1354هـ الموافق لـ27 ديسمبر 1935م، وكانت بذلك العنوان الرابع من سلسلة العنوانين الصحفية التي أصدرتها جمعية العلماء منذ تأسيسها في 5 ماي 1931.

فكانت أشهر جرائد جمعية العلماء وأوسعها انتشارا وأعمقها تأثيرا. وأصبحت بعد صدور أعدادها الأولى صرحا إعلاميا مشعا داخل الجزائر وخارجها، واستبشر بها القراء الجزائريون المسلمون خيرا، وافتكّت منزلة جليلة في نفوسهم، فلم تكن مجرد وسيلة إعلامية تنشر الأخبار وتقدم التحاليل والآراء وجواهر الشعر والحكمة وباقات من اللطائف والطرائف التي تمتِّع النفس، وترقِّي الذوق والوعي، ولكنها كانت إضافة إلى ذلك، مدرسة للوعي الوطني والتنوير الديني، حتى إن الجزائريين كانوا يتبركون بها، ويعتبرون اقتناءها والاشتراك فيها وتوزيعها عملا وطنيا للحفاظ على الشخصية الجزائرية، والمساهمة في تعبيد طريق استعادة السيادة الوطنية ومحاربة المشاريع الاستعمارية، ولا غرابة في ذلك، حيث كانت منبرا لعلماء أجلّاء جمعوا بين غزارة العلم وصدق العمل والإخلاص لقضايا الشعب والوطن أمثال الشيوخ: عبد الحميد بن باديـس، ومحمد البشير الإبراهيمي، وأحمد توفيق المدني، والطيب العقبـي، والمبارك الميلــي، والعربــي التبسي، ومحمد خير الدين، وأبو يعلى الزواوي، ومحمد العيد آل خليفة، وأحمد رضا حوحو، وأحمد سحنون، والربيع بوشامة… وغيرهم من العلماء الأفذاذ والأقلام الموهوبين، وسار على دربهم جيل من الكتاب الشباب من تلاميذ الجمعية كالشيخ با عزيز بن عمر (الفتى الزواوي) والشيخ أحمد حماني، والشيخ عبد الرحمن شيبان، والشيخ حمزة بوكوشة، والشيخ محمد الصالح رمضان، والشيخ محمد الأكحل شرفاء والدكتور إسماعيل العربي (إسماعيل أعراب)، والدكتور أبو القاسم سعد الله… وغيرهم من نخبة العلماء والمثقفين الذين شكلوا زبدة الفكر العربي الإسلامي في الجزائر وفي العالم الإسلامي.
صدرت إلى حد الآن (ديسمبر 2025) أربع سلاسل من جريدة البصائر، فسلسلتها الأولى صدرت من 1935 إلى سبتمبر 1939 (عشية الحرب العالمية الثانية)ـ صدرت في البداية في مدينة الجزائر حتى العدد 83، تحت رئاسة الشيخ الطيب العقبي، ولما انسحب الشيخ العقبي من الهيئة المديرة للجمعية انتقلت الجريدة إلى قسنطينة تحت رئاسة الشيخ مبارك الميلي، الذي أشرف على صدورها من العدد 84 إلى العدد 180.
أما السلسلة الثانية، فتواصل صدورها من جويلية 1947 إلى شهر أفريل 1956، وكانت تصدر من مدينة الجزائر، وكان رئيسها الإمام محمد البشير الإبراهيمي –قبل سفره إلى المشرق– ثم انتقل الإشراف عليها في الجزائر إلى الشيوخ: العربي التبسي، وحمزة بكوشة، وباعزيز بن عمر (الفتى الزواوي)، وأحمد سحنون.
وكانت السلسلة الثالثة أقصر فترات البصائر عمرا حيث صدرت في ظروف الأزمة الأمنية والسياسية التي خيَّمت على الجزائر بعد توقيف المسار الانتخابي، واستمر صدورها من أوت 1992 إلى ماي 1993 وكان يشرف عليها الشيخ أحمد حماني والشيخ عبد الرحمن شيبان، ومن أبرز كتابها الشيخ سليمان بشنون والشيخ علي مغربي، والأستاذ أحمد شقار الثعالبي، والأستاذ مولود طياب.
أما السلسلة الرابعة التي مازالت متواصلة إلى اليوم وصدر منها إلى حد اليوم (27 ديسمبر 2025) 1300عدد، فهي أطول سلاسل البصائر عمرا. صدر عددها الأول في 20 ماي 2000 بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين لرحيل الرئيس الثاني لجمعية العلماء ورئيس تحرير البصائر العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي. وقد أشرف عليها الشيخ عبد الرحمن شيبان من ماي 2000 إلى أوت 2011 تاريخ رحيله إلى دار البقاء، وكان رئيس تحريرها الدكتور عبد الرزاق قسوم، ونائبه الأستاذ محمد الهادي الحسني، وكان مدير التحرير الأستاذ عبد الحميد عبدوس، وسكرتير التحرير الدكتور محمد موسى بابا عمي، والأستاذة وداد طالب، والأستاذ الفلكي إبراهيم عزوز. وتولى الإشراف التقني عليها الأستاذ مصطفى كروش، ثم الأستاذ سلمان إسماعيل، وفي قسم التصحيح، الأستاذ عبد الواحد بوعناني. ثم التحق بهيئة التحرير الدكتور محمد الدراجي، والدكتور عمار طالبي، والدكتور الشيخ السعيد شيبان، والشيخ محمد الأكحل شرفاء، والشيخ عمار مطاطلة، والدكتور عبد المجيد بيرم، والدكتور عبد الحليم قابة، والدكتور مولود عويمر، والدكتور الشيخ يوسف جمعة سلامة، والدكتور عبد القادر فضيل، والأستاذ التهامي مجوري، والدكتور حسن خليفة، والشيخ مصطفى بن عبد الرحمن، والأستاذ حسين لقرع، والأستاذ رشيد وزاني، والأستاذ كمال بوسنة، والأستاذ عبد القادر قلاتي، والشيخ محمد مكركب، والأستاذ زبير طوالبي، والأستاذ نوار جدواني، والأستاذ محمد العلمي السائحي، والشيخ نور الدين رزيق، والأستاذ حسن أكيلال، والأستاذ عبد الكريم ليشاني، والأستاذ كمال حفاصة، والأستاذ نوفل عبدوس، والدكتور موسى عبد اللاوي، والدكتور فؤاد مليت، والأستاذة تاسعديت بلحوت، والأستاذة عفاف عنيبة، والأستاذة عائشة مسلم، والأستاذة حورية بن نابي، والأستاذ قدور قرناش، والأستاذة فاطمة طاهي، والأستاذ محمد الأكحل، والأستاذة آمال السائحي… وغيرهم ممن تعذَّر علينا استحضارُ أسمائهم أو أسمائهن. كما أسهم في إثراء مادتها الصحفية بصفة تطوعية، كوكبة من العلماء والعالمات والأكاديميين والأكاديميات، والإعلاميين والإعلاميات.
تولى رئاسة تحرير السلسلة الرابعة على التوالي: الدكتور عبد الرزاق قسوم، والدكتور عبد المجيد بيرم، والدكتور عبد الحليم قابة. ومازالت البصائر تؤدي رسالتها في الإصلاح والبناء الحضاري باقتدار ووعي، وتواصل رغم الصعوبات المادية وشح المادة الإشهارية وصعوبات التوزيع، حمل المشعل في الدفاع عن قضايا الوطن وثوابت الأمة بأقلام جيل من الإعلاميين والكتاب والمثقفين، الذين يعتبرون خير خلف لخير سلف.

“البصائر” وتحرير الضمائر


بدأت صحيفتنا معركة تحرير الوطن، بالتّصدّي للاستعمار بوصفه أكبر الكبائر، ولعملائه بوصفهم الفلك الدّائر.
فحرّرت العقول من الصغائر، وطهّرت القلوب من النظائر، وأيقظت من اللاوعي الضمائر.
تلك هي جريدة البصائر، هذا المنبر الإعلامي النبراس، الذي ضرب الرقم القياس، ومثل خير صحيفة أخرجت للناس.
لقد واكبت “البصائر” مسيرة جمعية العلماء في مشوارها القويم، فكانت قلمها المصحّح للمفاهيم، والمبلَّغ بأمانة للتعاليم، والداحض لمكائد الاستعمار وأذنابه بالحجة والمنطق السليم.
كبرت البصائر، وما هرمت، واستبسلت وما استسلمت، وعلّت وما ضعفت، فقد واكبت كل المراحل والحقب، فكانت الرمز المحتذى، والكنز المُقتدى.
واليوم، إذ تقارب ذكراها التسعين، فإن من حق البصائر علينا، أن نُنصفها، وأن نُدقق وصفها، وأن نُخلد في الصالحات عرفها، ونمجد صفها وإلفها.
هي-إذن- مدرسة إعلاميّة فكرية، قل مثيلها، وسواء من حيث الالتزام، أم فن صياغة أدب الكلام، أم صلابة الأقلام، فإن البصائر، قد غدت مضرب الأمثال، في الإعلام، والأفهام.
تخرّج من مدرسة البصائر، علماء جهابذة أفذاذ، برزوا في فن الذود عن حياض الأوطان، وتفرّدوا في الشجاعة والنجاعة في خط السبل لإزالة الأوهام وفك الألغام.
ففي كل منحى من مناحي المقالة السياسية ملتقى بكُتّاب البصائر، وفي كل فج من فجاج الشعر، موعد مع الكلمة المقفّاة الموزونة، مما يذكّرنا بعلماء بجاية وفطاحل مازونة.
فهل نبغ في أي مجال إعلامي فن للمقالة شبيه بسجع الكهان، ذلك اللون البديع من البيان والتبيان، الذي يضرب بعمق في عالم السياسة، ويصُوغ البيان اللغوي، في قالب البراعة والكياسة؟
إنها عيون البصائر والبصيرة، التي بلغ صداها، أعماق الخليج، والجزيرة، فأدخلت الحبور، وأثلجت الصدور، وخلدت المعاني بأقل الكلمات والسطور.
سبحانك اللهم، أخرجت للعربية في عبقريتها لآلئ من الجواهر الثمينة، فغدت مقالاتها، وقصائدها، وافتتاحياتها، مضرب الأمثال في الجهاد بالكلمة والقلم، فعلى الرغم من شح الموارد، وضعف المساعد، إلا أن البصائر ما فتئت تتعفف فلم تنثن ولم تتوقف، بل زادها ذلك إقداما في طريق الولاء للوطن والأمة، دون ملل، أو تأفف.
ومن شاء دليلا على ذلك، فليعد إلى فرسان الكلمة، الذين امتطوا جواد البصائر، فقدموا نماذج للكُتّاب، والأدباء، والإعلاميين الملتزمين بقضايا الوطن والأمّة.
إن أغصان هذه الدّوحة الخصيبة، أكثر من أن يحصيهم مقال أو يحيط بها تمثال، ذلك أن كل واحد منهم يمثل لونا أدبيا أو إعلاميا، أو تاريخيا قلّ مثيله.
فالإبراهيمي، وأحمد توفيق المدني، وباعزيز بن عمر، ومبارك الميلي، وأحمد سحنون، ومحمد العيد آل خليفة، في الأولين على سبيل المثال، وعبد الرحمن شيبان، والأكحل شرفاء، وعمار طالبي، وعبد الحميد عبدوس، ومحمد الهادي الحسني، والسعدي بزيان، وكاتب هذه السطور، وحسن خليفة، على سبيل المثال، في الآخرين، كل واحد من الأولين والآخرين، له بصمته في فن الكتابة.
فلو أنّ كُتَّاباً من هذه المستوى، برزوا في مجتمع غير مجتمعنا، ولو أن صحيفة نشأت في غير مجالنا، لخُلدت بتمثال من ذهب، ولكُتبت أسماء كتّابها، بأغلى ما يخلّد به الأبطال، ولكن يؤسفنا أن نقول، بأن البصائر، بعد كل هذه العقود من الأداء والعطاء، لا تزال تفتقر إلى المقر اللائق، وإلى أقل ما يمكن من الإشهار الرائق.
وليت قومي يعلمون، ما تعرّضت، ولا تزال تتعرض له البصائر، من ضيق المكان، وغرابة العنوان، والضائقة المالية للإنسان، فهل هو التناسي أم النسيان؟
وبعيدا عن الاستجداء، فإننا نبعث بهذا النداء، إلى الوطنيين من ذوي السخاء، ونقول لهم عار عليكم أن تكون البصائر، ومن خلالها أم الجمعيات جمعية العلماء، في هذه الضائقة المالية، والأموال تقدم بميزان “الباسكولة” في بعض الجهات؟
أفسحرٌ هذا، أم أنتم لا تبصرون؟
إنه ليعز علينا، والله، أن نحرك الموسى في الجرح، فنزيد الجرح إيلاما.
وصرت إذا أصابتني سهام تكسّرت النِّصال على النِّصال
وختاما، فحسب البصائر شرفا أنها مثلت مدرسة نموذجية في الإعلام، لم يحدث لها مثيل في عالمنا العربي.
وحسب جمعية العلماء شرفا، أن كوّنت أجيالا محصّنين بالوعي، مؤمنين بالسّعي، هم من حملوا الرّسالة، وأدوا الأمانة، وتحمّلوا العبء الثقيل في ملحمة تحرير الوطن.
ويكفي جمعية العلماء شرفا، أنها أنتجت للعربية سلسلة من الصحف، أبرزها البصائر، التي يعود إليها الفضل، بعد الله، في تحرير الضمائر، وتوعية الذمم، والمشاعر.
ازرع جميلا ولو في غير موضعه فلن يضيع جميل أينما زرعا.

البصائر.. وإعلام البصيرة
الإعلام أخطر سلاح ابتكره الإنسان على الإطلاق.. فلا ينازعه في خطره صاروخ عابر للقارات أو غواصة تتسلل في عتمة الأعماق أو دبابة تسحق الأرض.. سلاح لا يخلف نارا أو دخانا أو أشلاء.. ولا ينفجر ليحدث صوتا يرعب الأسماع.. لكنه السلاح الأشد فتكا بلا منازع.
كلمة واحدة.. مسموعة أو مكتوبة.. قد تحدث من الضرر ما لا تحدثه آلاف القنابل.. كما قد تضخ من الحياة في الموات ما لا تقوى عليه آلاف المخابر والمصحات.. فمن يستهدف العقل والإرادة والضمير.. ليس كمن يصوب على الجسد فيرديه قتيلا.
حين تقتل إنسانا.. فأنت تحيده بمفرده.. وعندما تتحكم في عقله أو ضميره أو إرادته.. فأنت تسيطر بسببه على الآلاف وربما الملايين من أتباعه.. فكل هؤلاء الذين يأتمون به.. ينتهون أسرى بين يديه.. فأن تملك الإنسان وتتصرف فيه وتديره على مبتغاك منه.. أجدى من قتله.. وهذا ما أدركه صناع الإعلام المتمرسون.
في خط الصراع الذي طبع هجمة الاستعمار الفرنسي على الجزائريين.. تتجلى تلك المعارك التي لا يشار إليها إلا لماما.. ولا ينتبه إلى وهجها سوى القليل.. معارك الكلمة والقلم والبيان.. فالاستعمار لم يقاتل بالنار فقط.. بل وظف الكلمة لتكون سلاحه الناعم.. واستقدم تلك الأرتال (من المؤرخين وعلماء النفس والإنسان والآثار والكتاب والقساوسة والصحفيين.. ومن على شاكلتهم) لترافق سلاحه الخشن.. فهذا يحتل الأرض وذاك يستولي على العقل.. وبكليهما تكتمل السيطرة على الإنسان.
ولأن المناسبة حديث عن جريدة “البصائر” التاريخية.. فكم أحيت تلك الصفحات الثماني من عقول جفت وضمائر ماتت وإرادات كلّت.. تلك كانت مقدمة لازمة لإعادة ترتيب أوراق المواجهة.. فأن تقاتل بجيش يفتقد العقيدة أو الخطة أو الرؤية.. وأن تقاتل بمن لا يملك رصيدا من الوعي الوطني.. ولا يميز بين الاحتلال والقدر فيظنهما شيئا واحدا.. فذلك يعني خسارة محتومة.. وتقديري أن من كتبوا بيان أول نوفمبر.. ليسوا شيئا هينا.. إنهم نتاج مدرسة بذرت الوعي.. وعنوان الآية القرآنية التي كانت تتوشح بها جريدة البصائر: (قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْۖ فَمَنَ اَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِۦۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَاۖ وَمَآ أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٖۖ – 105 الأنعام).
لقد واجهت صحافة المقاومة “الباديسية” واقعا تترس خلف خمسة أسوار عالية وسميكة.. تديُّن لا صلة له بالدين تشيعه وتديره بعض الطرق الصوفية المتواطئة مع الاستعمار.. وانحطاط إلى حد الخبل في الوعي الشعبي بسبب سياسة التجهيل والتحقير.. وضمور الحس الجهادي بعد فشل المقاومات المسلحة.. وطبقة سياسية مندمجة.. سلمت بالأمر الواقع ووضعت أوراقها في جيب المستعمر.. وسلطة استعمارية خبيثة تقف على أهبة الاستعداد لطمس أي محاولة لاقتحام هذه الأسوار.
اليوم.. ونحن نقف على مسافة زمنية طويلة نسبيا من تلك الملحمة “الإعلامية”.. التي جسدتها جريدة البصائر وأخواتها.. يمكن أن نشير إلى ما يصنع الفرق بين الماضي والحاضر- دون تعميم طبعا-.. بين من كتبوا بالأمس ومن كتبوا ويكتبون اليوم.. فشتان بين من كتبوا لتحرير أمة من الجهل واستخلاص وطن من الهيمنة الاستعمارية.. تلك كانت رسالة غاية في القداسة.. ومن يكتب اليوم مسترخصا الدافع نفسه.. وربما كتب تحت الطلب -وأي طلب-.. بين من كتب وهو قائم في قلب المأساة يصارع بورقة وقلم على سمع وبصر المستعمر المتحفز.. ومن يكتب مستريحا إلى مكتب فخم وفنجان قهوة يداعب أعصابه.. بين من كابد واقعا مريرا تضافر على إرساخه الفقر والمرض والجهل ومن يتمدد على سرير الدعة واليسر.. بين من حمل الشعور بالمسؤولية تجاه شعب يباد ثقافيا فانبرى إلى تحدي هذه الإبادة.. ومن تشغله حكايات النجوم والأبطال وقيل وقال.. بين من احترقوا ليضيئوا الطريق بين يدي شعب كان يجب أن ينهض من جديد.. متجاوز العجز والفشل والتثبيط.. ومن لا يجدون غضاضة في الدعوة إلى إعادة النظر في الثوابت والبديهيات- وإن بدوا قلة.
تقديري أن تحديات اليوم.. وأعني الثقافية منها بصفة خاصة.. تفرض على متصدري الكلمة في زمن الإعلام الرقمي.. أن يستوعبوا الدرس القديم ويكيفوه بما يستجيب لطبيعة هذه التحديات.. فليس مطلوبا أن تمتلك الكثير من الأشياء والإمكانات المادية.. بقدر ما يطلب منك أن تمتلك زخما كثيفا من الوعي والإرادة.. وتلك خلاصة ما تنتهي إليه كل حركة من أجل الإنسان.
أقول: شتان بين من ينير البصائر.. فيعبد الطريق ويضيء مساره ويرسم شارات الاهتداء.. ومن يسعى في طمس هذه البصائر.. فيحرفها ويزيد تخبطها.. وربما انتهى بها إلى حتفها.
فما بين الاثنين من الاختلاف.. ما يرقى ليكون تضادا في الخط والسيرة والهدف… لا فروقا في الأسلوب والشكل.

“البصائر”، بصائر للقلوب والتاريخ
الحديث عن الصحافة في الجزائر وتاريخها وقت الاحتلال الغاشم هو حديث عن جانب من تاريخ الجزائر المعاصر في زواياه الكلية والجزئية، في قضاياه العامة والخاصة في حقائقه الناصعة وفي أزقة الفتور والخذلان والنذالة فيه وووو إلخ. فالصحافة سجل عام والكل يجد ما يبحث فيه وما عليه إلا أن يقرر دخول فوهة التاريخ المكتوب بسلاح طالب العلم وهدف طالب الحقيقة.
وصحافة علماء الجزائر يقينا ليست كصحافة غيرهم، فهي صحافة العقل الجزائري، والمخ الجزائري الذي لم يتلوث بالتأثر والتأثير الاحتلالي لا في تكوينه ولا في لغته ولا في منطلقاته ولا في قضاياه واهتماماته وأهدافه، ولا في روحه. وهذه بعض ما لاذ به البعض ظنا منهم في السهولة وطلبا للنجاح وهدفا للنجاة وحبا للحبوة والحظوة، لكن تاهوا في النهاية عن: من هم وماذا يفعلون فعلا وواقعا.. وكان دخولهم ذلك التاريخ من باب سيكولوجية الإنسان المقهور الذي تتعطل فيه حواس الاستقبال وتتبلد فيه مكامن الإرادة الأصيلة، فتراه يتلبس صوت وسوط الجلاد في غدوه ورواحه، في حركاته وسكونه، في أقواله وأفعاله، فلا يصبح يرى إلا ما يراه جلاده ولا يقول إلا ما يقوله، سواء درى أم لم يدر وعلم أم لم يعلم في متلازمة مرضية دائمة ومستمرة، تسير معهم إلى نهايتهم بها.
والصحافة في زمن الاحتلال الظالم وما أدراك ما الصحافة في ذلك الزمن الذي يلخص الظلام البشري في انتهاك البشر وحياة البشر.
والداخل إلى تاريخ الصحافة الجزائرية في ذلك الزمن سيعيش يقينا حالة الاستقطاب تلك في أوضح معانيها، ولذلك لا يمكن إطلاق مسمى “صحافة” بمفهومها المعاصر على صحافة علماء الجزائر إلا بحياء كبير.
جرائد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين “المنتقد” و”الشهاب” و”السنة المحمدية” و”الصراط السوي” و”البصائر” و(Le jeune Musulman)، لا يمكن مقارنتها بأي جريدة ولا بكل الجرائد التي عرفتها الجزائر في اللغة العربية، أو الفرنسية، طيلة نصف قرن من الزمن تقريبا، من أكثر من جانب وسبب.
فالصحف بحسب “الإبراهيمي”، في لسان العرف، كالصحائف في لسان الدين، منها صحائف الأبرار وصحائف الفجار، ولذلك كان حظ صحافة العلماء الابتلاء والتعطيل والتعويق “والصحف عنده تُستشهد في ميدان المعركة كما يُستشهد الأبطال في الحروب، وفرسان الكلام والأقلام عنده، كفرسان النزال والعراك في كثير من الخصائص ، ووظيفة الصحافة تماثل في المحصلة وظيفة السيف والرمح، فإذا كانت وظيفة السيف والرمح هي الإنكاء في العدو، والإنكاء في العدو هو الغاية التي تنتهي إليها شجاعة الشجاع، فكذلك حملة الألسنة والأقلام، فلتأتهم المصائب من كل صوب، ولتنزل عليهم الضرورات من كل سماء، وليخرجوا من كل شيء إلا من شيئين: القلم واللسان… ولذلك، فإن بيع القلم واللسان أقبح من بيع الجندي سلاحه”.
وصحف الجمعية كما يقول “الإبراهيمي” في عناوينها هي “أسماء ألهم القرآن استعمالها، وفصلت القرائح الملتهبة والأقلام المسددة إجمالها، وصدق واقع العيان فألها ، وهي الألسنة التي تفيض بالحكمة الإلهية المستمدة من كلام الله وكلام رسوله، التي ترمي بالشرر على المبطلين والمعطلين، التي كلما أغمد الظلم لسانا منها سل الحق لسانا لا ينثلم ولا ينبو…”
وكانت صحف العلماء في مواقفها وخطها الفكري والسياسي تمثل كلها معنى وهدف الجهاد بالكلمة واللسان، وقوة الجهاد بالكلمة في وقت كان يحرم فيه الكلام ويقطع فيه اللسان، في مقابل من خان وظل وباع لسانه وقلمه وصوته، بل وتماهى في مستعمره فأصبح لا يرى في جبته إلا هو، رافعا لسان اللوثة والعمى بالتماهي فيه وبه لغة وهدفا ووسيلة.
ولصحف وسياسة الجمعية منقبة بكر في الكبرياء والعزة وشرود في الحفاظ والإباء.
وقد صادر الاحتلال جرائد الجمعية جريدة بعد جريدة، بقرارات رسمية لمنع صوتها ولغتها ولهجتها القوية في مجابهة سياسات الاحتلال في مختلف المجالات، وبقيت جمعية العلماء دون جريدة رسمية من جانفي 1934 تاريخ تعطيل “الصراط السوي” إلى غاية 27 ديسمبر 1935، وهو تاريخ صدور أول عدد من الجريدة الجديدة للجمعية جريدة “البصائر” الذي جاء نتيجة مساعي رجال الجمعية الحثيثة والمتواصلة لدى دائرة الاحتلال، التي حققت لهم هذا المطلب في جريدة تكون لسان حال الجمعية في فترة حكم فيها السيد “ميو” “Miou” الذي كان عميدا لكلية العلوم الكبرى بالجزائر.
وكانت “البصائر” هي شعار الجريدة الجديدة المستوحى من الآية الشريفة: (لقد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ) ، وإمعانا في مراوغة العدو المشوش في فهمه ومفهومه للدين والسياسة وأتباعه المنبهرين بلسانه وحضارته، فقد أكدت البصائر على أنها جريدة دينية -كما هي الجمعية التي تصدرها- مديرها ورئيس تحريرها الشيخ الطيب العقبي، وصاحب الامتياز فيها الشيخ محمد خير الدين، رحمهم الله جميعا.
والشعار واضح إلى من كان يتوجه إليه في أهمية والحسم في تحديد اتجاه البوصلة ومن ثم تحديد وسائل بلوغ الهدف الذي قرر العلماء بلوغه مهما كانت التضحيات.
وقد ظهرت جريدة “البصائر” في البداية لتكون أسبوعية في جمعة كل أسبوع أولا ثم لتصبح في إثنين كل أسبوع، في ثماني صفحات، في الجزائر العاصمة أولا ثم تنتقل إلى مدينة قسنطينة في 29 أكتوبر 1937 تحت إشراف وإدارة جديدة آلت إلى الشيخ محمد مبارك الميلي رحمه الله.
و”البصائر” بصائران، فقد صدرت البصائر الأولى في أول شوال 1354 ه الموافق لـ27 ديسمبر 1935 واستمرت حتى 25 أوت 1939 عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية ، وقد قام العلماء بتعطيل دورها بقرارهم وإرادتهم لأسباب وضحها الإبراهيمي لما قال: “فعطّلناها باختيارنا، لأننا لا نستطيع أن نقول ما نريد، ولا نرضى أن نقول ما يُراد منا، فلما انتهت الحرب وما استتبعها من نفي واعتقال أعدنا إصدارها”.
وبيّنت افتتاحية “البصائر” الثانية في عددها الأول أسباب احتجاب “البصائر” الأولى طيلة فترة الحرب، قالت: “جريدة البصائر هي إحدى الألسنة الأربعة الصامتة لجمعية العلماء، تلك الألسنة التي كانت.. كلما أغمد الظلم لسانا منها سل الحق لسانا لا يثلم ولا ينبو، وتلك هي السنة والشريعة والصراط والبصائر، أسماء ألهم القرآن استعمالها، وفصلت القرائح والأقلام المسدّدة إجمالها.
وكان تعطيل البصائر لأوائل هذه الحرب مثلا شرودا في الحفاظ والإباء، ومنقبة بكرا في الكبرياء والعزة، ذلك لما… لوّح لها أن تجري على ما يراد منها، لا على ما تريد..خار الله للقائمين عليها في ذلك التعطيل، كما خار لهم من قبل في تقرير السكوت، ولعمري إن التعطيل، لخير من نشر الأباطيل.
ولقد كانت الجمعية تعلم أن القوة التي تستطيع الإسكات لا تستطيع الإنطاق، ولئن سكت العاقل مختارا، في وقت يحسن فيه السكوت، خير من أن ينطق مختارا في وقت لا يسن فيه الكلام…
وتضيف: إن بيع القلم واللسان أقبح من بيع الجندي سلاحه، وإن جمعية العلماء حين قررت السكوت حافظت على هذين ولم تتسامح في تسخيرهما لأحد، على أنها ما سكتت عن درس ديني أو علمي ولا عن نصيحة رشيدة ولا عن موعظة حسنة، وإنما قررت السكوت عما يقال لها فيه: قولي.
وقد صدر 180 عدد من البصائر الأولى ، وكان العدد الأخير منها مؤرخا في 25 أوت 1939، وصدرت البصائر الثانية في 25 جويلية 1947 وكانت أطول عمرا من الأولى، حيث استمرت عشر سنوات (1947- 1956) وتوقفت مع بدايات ثورة التحرير المباركة عندما طلبت منها جبهة التحرير الوطني ومن كل المنظمات والأحزاب والحركات الوطنية أن تتوقف وتوحد صوتها معها، فكان ذلك.
واستقبل الشباب والشعب الجزائري البصائر الأولى مثل الثانية، وخاصة أنصار الجمعية، في كل القطر الجزائري بالاستبشار والسرور المتزايد، وسجلت البصائر الأولى ذلك الوقع الحسن في عددها الثاني بكل ارتياح، حيث أسهمت بصدورها في تهدئة الأفكار وطمأنة الرأي العام الجزائري، الذي كان محل قلق شديد في إدارة حكومة الاحتلال وتابعته بترقب واضح، حتى إن دوائرها وعناوين جرائدها اصطلحت على وصفه بـ”القلق الجزائري”. وقامت إزاءه بتغييرات سريعة في جهاز دائرة الشؤون الأهلية بالذات، حيث وضعت على رأسه السيد “ميو”، الذي كان وراء السماح للجمعية بإصدار “جريدة البصائر” بعد منعها بقرار رسمي سابق يمنعها من إصدار أي جريدة لمدة عامين تقريبا.
وجاء في مقال بعنوان “جريدة العلماء” قوله: مرحبا بـ”البصائر” تزيل الغشاوة عن الأبصار وتنير البصائر بنور العلم الصحيح والدين القويم ونشر الفضيلة الإسلامية فتجدد التحلي بها وتحيي ما غرسه الإسلام في النفوس أولا من عقائد ظاهرة وعزائم قوية وأخلاق إسلامية وآداب نبوية، ظلت في الكتب بعد القرون الأولى وأبت إلا أن تنتقل من صفحاتها إلى صفحات القلوب…
إن سرورنا اليوم بعودة هذه الجريدة التي تعرف ما تقول، وتكتب ما ينفع ويسرّ، ويبعث الأمة على السعي في سبيل العلم والحياة وتخدم العلم وتحث على طلبه وتسهل الطرق إليه…
وفي عودة “البصائر” الثانية، قال الشيخ الإبراهيمي -رحمه الله- في مقال افتتاحها: إن “البصائر” في حقيقتها فكرة استولت على العقول فكانت عقيدة مشدودة العقد ببرهان القرآن، ثم فاضت على أسلات الألسنة فكانت كلاما مشرق الجوانب بنور الحكمة، ثم جاءت على ألسنة الأقلام فكانت كتابة في صحيفة، والذي تعطل من “البصائر”، إنما هو المظهر الأخير..
فسلوها، أي “البصائر” كيف تركت جمعية العلماء وكيف وجدتها؟ وسلوها حين فتحت عينيها على الوجود الثاني، ماذا عرفت وماذا أنكرت من الناس والأحوال؟ فانتظروا فستجلي لكم الحقائق كما هي، وستفضح المخبآت التي كثر فيها لغط اللاغطين، وستكشف الدعاوي الزائفة التي تجري بها ألسنة المضللين…
ويبدو واضحا أن “البصائر” قد عمدت إلى خطة ذكية مزدوجة ظاهرها مسالمة إدارة الاحتلال وإظهار الثقة بها حتى تضمن عدم التعطيل بقرار قد ينزل عليها في أي لحظة، وعدم إثارة الرأي العام في وقت كانت أحوج ما تكون إليه في إتمام الوعي بكشف حقيقة الموالين للاحتلال ومواجهة الموظفين الرسميين ومشايخ الطرق والأحزاب السياسية التي تتلاعب بمقومات الأمة الجزائرية بالإنكار والانفلات منها مرة والتحقير والتشكيك والمساومة بها طورا، ولذلك ستمرّ “البصائر” إلى المصارحة والمقارعة في كشف الحقائق وكل الدعاوى الزائفة التي جرت بها وتجري بها ألسنة وموظفي الاحتلال في مواقفهم وكتاباتهم، وكانت صفحات “البصائر” بصائر للتاريخ وسجلاته التي لا تتوقف.
ولذلك، فالشيخ الإبراهيمي لما يتحدث عن جريدة “البصائر” يصفها بالشمس التي تغلغلت في الأمة وعقول أفرادها محدثة الاستفاقة وإرادة الحركة لزلزلة ما كانت تظن فرنسا أنه قبر منسي إلى الأبد.. وقد خابت وخاب حلمها.
وجريدة “البصائر” كانت جريدة الجزائر التي كانت محل التوقير من أهل السياسة والعلم والقلم في العالم قاطبة، وفي الدول العربية خاصة، كانت قبل الرصاص هي رصاص العلماء في صدور المعتدين وعقولهم، تهدم أحلامهم وغطرستهم بكلمات ليست كالكلمات بل كراجمات بالحق والحقائق على جدران الباطل، فإذا هو زاهق، حتى النصر وما بعده.

جريدة البصائر في الدراسات الجامعية الجزائرية
حظيت جريدة البصائر، في سلسلتها الأولى، (1935-1939)، وفي سلسلتها الثانية، (1947-1956)، باعتبارها لسان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، باهتمام معتبر من قبل الباحثين والدارسين الجامعيين الجزائريين، في ما أعدوه من أطرحات لنيل الدكتوراه أو رسائل للحصول على الماجستير أو مقالات للمجلات العلمية، وحتى مذكرات تخرج على مستوى الماستر، إذ تصدوا لدراسة مضامين الجريدة، وإبراز القضايا التي اهتمت بها، ورصد التوجهات التي اتخذتها في هذه القضايا، وكذا أنواع الكتابة التي وظفها كتابها.

أطروحات الدكتوراه
فعلى مستوى الدكتوراه، وقفتُ على تسع أطروحات؛ ثلاث منها نوقشت في جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة، واثنتان في جامعة سيدي بلعباس، واثنتان في جامعة الجزائر، وواحدة على مستوى جامعة باتنة، وواحدة في جامعة ورقلة، وعناوينها كما يلي:

1- إصلاح المجتمع الجزائري في الصحافة العربية الإصلاحية الجزائرية: دراسة تحليلية لجريدتي البصائر والبلاغ الجزائري، إعداد: نسرين بوغرة، دكتوراه، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية – قسنطينة، قسم أصول الدين: 2025، 290ص.
2- التشكيل الجمالي في الشعر الجزائري الحديث من خلال جريدة البصائر (1935-1956)، إعداد: فضيلة بوجلخة، دكتوراه، جامعة باتنة1، 2019، 310ص.
3- القضايا الوطنية من خلال صحف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين- البصائر نموذجا، إعداد: سومية بوسعيد، دكتوراه، جامعة سيدي بلعباس، كلية العلوم الإنسانية، 2016، 596ص.
4- القضايا الوطنية والعربية من خلال جريدة البصائر (1935-1956)، إعداد: محمد بوسلامة، دكتوراه، جامعة سيدي بلعباس، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 2018، 275 ص.
5- القضية المراكشية من خلال الصحافة العربية في الجزائر- النجاح والبصائر والمنار أنموذجا (1947-1956م)، إعداد: علجية مقيدش، دكتوراه، جامعة الجزائر2، قسم التاريخ، 2018، 459ص.
6- المدونة الشعرية في جريدة البصائر الجزائرية (1935م-1939م) و(1947م-1956م): دراسة تحليلية فنية، إعداد: سمير جريدي، دكتوراه، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة، 2018، 448ص.
7- النصوص النقدية في صحافة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين: البصائر عينة، إعداد: سليم رهيوي، دكتوراه، جامعة ورقلة، كلية الآداب واللغات، 2019، 188ص.
8- الهوية الجزائرية في منظور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من خلال جريدة البصائر: دراسة تحليلية، إعداد: عادل شويب، دكتوراه، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية – قسنطينة، نوفمبر 2025، 301ص.
9- درْسُ التفسير من خلال مجلة البصائر (1936م-1952م): عرض وتحليل، إعداد: إسماعيل نزاي، دكتوراه، جامعة الجزائر1، كلية العلوم الإسلامية، 2023، 400ص.

رسائل الماجستير:
أما في ما يتعلق برسائل الماجستير، فقد بلغ عددها عشر رسائل؛ نوقشت خمس منها في المؤسسات الجامعية بالجزائر العاصمة، وواحدة في جامعة وهران، وواحدة في جامعة باتنة، وواحدة في جامعة أدرار، واثنتان في جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة، وهي:
1- أشكال التعبير الأدبي في جريدة البصائر الثانية، إعداد: الجيلالي زحاف، ماجستير، جامعة وهران، 2006، 187ص.
2- البعد المقاصدي في فتاوي أعلام جمعية العلماء المسلمين الجزائريين: دراسة من خلال جريدة البصائر (1935-1956)، إعداد: بوبكر صديقي، ماجستير، جامعة باتنة، كلية العلوم الإسلامية، 2011، 252ص.
3- القضايا العربية من خلال جريدة البصائر (1947-1956)، إعداد: أبوبكر الصديق حميدي، ماجستير، المدرسة العليا للأساتذة ببوزريعة، 2004، 195ص.
4- القضية التونسية في الخمسينيات من خلال جريدة البصائر (1950-1956)، إعداد: امحمد صدوقي، ماجستير، جامعة الجزائر2، 2012، 214ص.
5- النشاط الصحفي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين: دراسة تحليلية لعينة من صحيفة البصائر (1935-1939)، إعداد: نور الدين فليغة، ماجستير، جامعة الأمير عبد القادر – قسنطينة، 2002، 253ص.
6- جريدة البصائر الجزائرية الثانية وموقفها من قضايا معاصرة (1947- 1956م)، إعداد: عبد الكريم بلبالي، ماجستير، جامعة أدرار، قسم التاريخ، 2012، 233ص.
7- جريدة البصائر ودورها الإصلاحي: السلسلة الثانية (1947-1956)، إعداد: غنية جمال، ماجستير، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية – قسنطينة، 2004، 214ص.
8- دور جريدة “البصائر” في التعليم العربي الحر لدى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (1947 – 1956م )، إعداد: سعيد علي بهناس، ماجستير، جامعة الجزائر، كلية العلوم السياسية والإعلام، 2007، 223ص.
9- ملامح المجتمع الجزائري من خلال جريدة البصائر لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين: 1935 – 1956، إعداد: عبد الكريم بسبيس، ماجستير، جامعة الجزائر، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 2004، 205ص.
10- موقف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من الثورة التحريرية من خلال جريدة البصائر (1954-1956م): دراسة وصفية تحليلية، إعداد: شريف عبد الغفور، ماجستير، جامعة الجزائر3، 2012، 265ص.

مقالات المجلات العلمية
وأما ما نشر في المجلات العلمية الصادرة عن المؤسسات الجامعية الجزائرية، فقد بلغ ما وقفتُ عليه منها في البوابة الجزائرية للمجلات العلمية أزيد من أربعين بحثا ومقالا، نشرت ما بين 2010 و2025، ومعنى ذلك أنه قد تكون هناك بحوث أخرى نشرت قبل ذلك لم تدرج ضمن البوابة لحد الآن. وقد اخترت منها العناوين التالية:
1- الاتجاه الاستشراقي في التفسير من خلال جريدة البصائر الإصلاحية الجزائرية (من العدد: 01 إلى 50) عرض وتحليل، نزاي اسماعيل، مجلة المفكر، جامعة الجزائر2، المجلد6، العدد1، جوان 2022، الصفحات: 388-405.
2- التعليم العربي الحر ضمن اهتمامات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بتلمسان على ضوء جريدة البصائر (1935-1956)، بوحسون إيمان، بن داود أحمد، مجلة الفكر المتوسطي، جامعة تلمسان، المجلد11، العدد2، ديسمبر 2022، الصفحات: 352-373.
3- الحركة الوطنية التونسية في الصحافة الوطنية الجزائرية – جريدة البصائر (1947-1956) أنموذجا، حشلاف سامية، تاونزة مخفوظ، مجلة البحوث التاريخية، جامعة المسيلة، المجلد8، العدد1، جوان 2024، الصفحات: 525-538.
4- الخطاب التوعوي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين من 1935 إلى 1954: قراءة من خلال جريدة البصائر، بوحلوفة محمد الأمين، مجلة الأكاديمية للدراسات الاجتماعية والإنسانية، جامعة الشلف، المجلد9، العدد2، جويلية 2017، الصفحات: 92-97.
5- العمل الوحدوي المغاربي في أدبيات التيار الإصلاحي الجزائري ما بين 1936 و1956 (البصائر نموذجا)، مدربل مصطفى الأمين، مجاود محمد، مجلة عصور الجديدة، جامعة وهران1، المجلد12، العدد3، نوفمبر 2022، الصفحات: 309-320.
6- القضية الدينية في اهتمامات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من خلال جريدة البصائر الثانية: قضية فصل الدين عن الدولة أنموذجا (1947-1951)، عبد الله موساوي، سلسلة الأنوار، جامعة وهران2، المجلد8، العدد2، ديسمبر 2018، الصفحات: 304-326.

7- القضية الِّليبية في اهتمامات جريدة البصائر الجزائريَّة (1947م – 1956م)، سعدية بن حامد، مجلة معارف، جامعة البويرة، المجلد10، العدد18، جوان 2015، الصفحات: 223-240.
8- المظهر الإصلاحي للنشاطات الاحتفالية عند جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من خلال جريدة البصائر 1935- 1956: دراسة تاريخية أنثروبولوجية، جمال مالكي، بن جلول هزرشي، مجلة أنثروبولوجية الأديان، جامعة تلمسان، المجلد18، العدد1، جانفي 2022، الصفحات: 652-670.
9- النشاطات المسرحية عند جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في المقاومة الثقافية على ضوء جريدة البصائر (1935- 1956)، مالكي جمال، بوحسون إيمان، مجلة دراسات فنية، جامعة تلمسان، المجلد9، العدد1، فيفري 2024، الصفحات: 109-122.
10- إسهامات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الحفاظ على الهوية الوطنية من خلال جريدتي الشهاب والبصائر (1931-1954)، هاشم كوثر، محمد السعيد عقيب، مجلة العلوم الإنسانية، المركز الجامعي تندوف، العدد3، ديسمبر 2017، الصفحات: 161-181.
11- اهتمامات جريدة البصائر بقضايا الجزائريين الزيتونيين، حنيفي هلايلي، مجلة الحوار المتوسطي، جامعة سيدي بلعباس، المجلد8، العدد1، مارس 2017، الصفحات: 193-212.
12- اهتمامات جريدة البصائر في سلسلتيها الأولى والثانية من خلال صفحتها الأولى، شويب عادل، مجلة المعيار، جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة، المجلد27، العدد2، جانفي 2023، الصفحات: 193-211.
13- جريد البصائر والثورة الجزائرية 1954- 1956، لونيسي إبراهيم، مجلة الواحات للبحوث والدراسات، جامعة غرداية، المجلد7، العدد2، ديسمبر 2014، الصفحات: 367-373.
14- جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والإصلاح القضائي من خلال جريدة البصائر (1935-1956)، تاونزة محفوظ، مجلة الونشريس للدراسات التاريخية، جامعة خميس مليانة، المجلد2، العدد2، جويلية 2023، الصفحات: 117-131.
15- جهود جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الدفاع عن اللغة العربية في الجزائر من خلال جريدة البصائر، دركوش أحمد، مجلة تطوير العلوم الاجتماعية، جامعة الجلفة، المجلد14، العدد2، أفريل 2022، الصفحات: 99-112.
16- دور الصحافة المكتوبة الجزائرية في تنمية الوعي السياسي والثقافي للمجتمع الجزائري في الفترة الاستعمارية: دراسة تحليلية لمضمون جريدة البصائر من 1949 إلى غاية 1954، بحري خولة، مجلة العلوم الاجتماعية، جامعة الأغواط، المجلد15، العدد1، أفريل 2021، الصفحات: 62-74.
17- دور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في تنظيم وتوحيد جهود الحركة الإصلاحية: تحليل مضمون لعينة من صحيفة البصائر (1935-1936)، مريم لعماري، مجلة معارف، جامعة البويرة، المجلد11، العدد21، جوان 2016، الصفحات: 162-212.
18- صحافة التيارين الإصلاحي والتقليدي: البصائر والبلاغ الجزائري نموذجا، الشيخ بوشيخي، مجلة عصور، جامعة وهران1، المجلد9، العدد1، جوان 2010، الصفحات: 49-66.
19- صحافة جمعية العلماء المسلمين وقضايا التحرّر في آسيا: جريدة البصائر أنموذجا (1947م-1956م)، بن ترار عبد القادر، مجلة متون، جامعة سعيدة، المجلد14، العدد3، سبتمبر 2021، الصفحات: 217-231.
20- قانون شوتان 08 مارس 1938 وموقف جمعية العلماء المسلمين منه: دراسة تحليلية لجريدة البصائر، قارة وسيلة، بوقرين عيسى، مجلة العبر للدراسات التاريخية والأثرية في شمال إفريقيا، جامعة تيارت، المجلد7، العدد1، جانفي 2024، الصفحات: 227-243.
21- قضية التعليم العربي الحر في اهتمامات كُتّاب جريدة البصائر الثانية 1947-1954: الأسس، الواقع، التحديات، موساوي عبد الله، مجلة المعارف للبحوث والدراسات التاريخية، جامعة الوادي، المجلد7، العدد2، أكتوبر 2021، الصفحات: 345-368.
22- مضامين صحيفة البصائر وسبل الاستفادة منها في الوقت الراهن: دراسة وصفية تحليلية (السنة الثامنة، الأعداد 317-361) 1955-1956م، طلحة الياس، مجلة الباحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة الوادي، المجلد12، العدد1، جانفي 2021، الصفحات: 120-142.
23- مكانة التاريخ في المشروع الإصلاحي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين من خلال جريدة البصائر (1935- 1956)، جمال مالكي، بن جلول هزرشي، مجلة عصور الجديدة، جامعة وهران1، المجلد11، العدد1، مارس 2021، الصفحات: 523-539.
24- مواجهة التّنصير في الجزائر من خلال جريدة البصائر الإصلاحية، سعد طه، مجلة قضايا تاريخية، المدرسة العليا للأساتذة بوزريعة، المجلد4، العدد2، ديسمبر 2019، الصفحات: 52-64.
25- موقف جريدة البصائر من النظام العسكري في الجنوب الجزائري (1935- 1939م)، ميموني عمر، لونيسي إبراهيم، مجلة البحوث التاريخية، جامعة المسيلة، المجلد7، العدد1، جوان 2023، الصفحات: 797-828.
26- نشاط الحركة الإصلاحية في الجزائر من خلال الصحافة الوطنية إبان الثورة الجزائرية: جريدة البصائر أنموذجا، زلماط إلياس، مجلة العبر للدراسات التاريخية والأثرية في شمال إفريقيا، جامعة تيارت، المجلد5، العدد1، جانفي 2022، الصفحات: 513-529.
27- نشاط جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالحضنة من خلال البصائر من1919م إلى 1954م: التربية والتعليم أنموذجان، عبد الكامل جويبة، خضرة هجرسي، مجلة مدارات تاريخية، المركز المعرفي للدراسات والبحوث، المجلد1، العدد1، مارس 2019، الصفحات: 10-28.

مذكرات الماستر ومقالات الجرائد
إلى جانب الجهود التي بذلها الأساتذة وطلاب الدراسات العليا في الماجستير والدكتوراه، في دراسة جريدة البصائر وإسهاماتها، لم يتأخر العديد من طلبة التدرج على مستوى الماستر في الجامعات الجزائرية عن المشاركة في هذه الجهود، حيث أعدوا مذكرات تخرج أبرزوا من خلالها دور جريدة البصائر في الحركة الإصلاحية وفي ثورة نوفمبر المباركة. وقد بلغ عدد ما أحصيته مبدئيا من هذه المذكرات أزيد من أربعين مذكرة، وهي متفاوتة في جودتها واستقصائها لجوانب الموضوعات التي تناولتها بالدراسة، ولا يمكن إيراد عناوينها كلها أو حتى بعضها هنا لضيق مساحة هذه المقالة عن استيعابها.

كما أن هناك الكثير من المقالات التي نشرت في الجرائد الوطنية حول جريدة البصائر، وجلها نشر في أعداد السلسة الحالية من جريدة البصائر، وخصصت في عدة مناسبات ملفات لإحياء ذكرى تأسيس البصائر، ويمكن الوقوف على هذه المقالات بالبحث في موقع الجريدة، وفي غيره من مواقع الجرائد الجزائرية.

“البصائر”، بصائر للقلوب والتاريخ
الحديث عن الصحافة في الجزائر وتاريخها وقت الاحتلال الغاشم هو حديث عن جانب من تاريخ الجزائر المعاصر في زواياه الكلية والجزئية، في قضاياه العامة والخاصة في حقائقه الناصعة وفي أزقة الفتور والخذلان والنذالة فيه وووو الخ فالصحافة سجل عام والكل يجد مايبحث فيه وماعليه الا ان يقرر دخول فوهة التاريخ المكتوب بسلاح طالب العلم وهدف طالب الحقيقة
وصحافة علماء الجزائر يقينا ليست كصحافة غيرهم، فهي صحافة العقل الجزائري ، والمخ الجزائري الذي لم يتلوث بالتاثر والتاثير الاحتلالي لا في تكوينه ولا في لغته ولا في منطلقاته ولا في قضاياه واهتماماته واهدافه ولا في روحه وهذه بعض ما لاذ بها البعض ظنا منهم في السهولة وطلبا للنجاح وهدفا للنجاة وحبا للحبوة والحظوة لكن تاهوا في النهاية عن من هم وماذا يفعلون فعلا وواقعا ،،،وكان دخولهم ذلك التاريخ من باب سيكولوجية الانسان المقهور الذي تتعطل فيه حواس الاستقبال وتتبلد فيه مكامن الإرادة الأصيلة فتراه يتلبس صوت وسوط الجلاد في غدوه ورواحه في حركاته وسكونه ،في اقواله وافعاله فلا يصبح يرى الا ما يراه جلاده ولا يقول الا مايقوله سواء درى أم لم يدر وعلم لم لم يعلم في متلازمة مرضية دائمة ومستمره تسير معهم الى نهايتهم بها
والصحافة في زمن الاحتلال الظالم وما ادراك ما الصحافة في ذلك الزمن الذي يلخص الظلام البشري في انتهاك البشر وحياة البشر
والداخل الى تاريخ الصحافة الجزائرية في ذلك الزمن سيعيش يقينا حالة الاستقطاب تلك في أوضح معانيها ،ولذلك لا يمكن إطلاق مسمى “صحافة “بمفهومها المعاصر على صحافة علماء الجزائر إلا بحياء كبير
جرائد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين “المنتقد “و”الشهاب” و”السنة المحمدية “و”الصراط السوي” و”البصائر “و(Le jeune Musulam)، لايمكن مقارنتها بأي جريدة ولا بكل الجرائد التي عرفتها الجزائر في اللغة العربية او الفرنسية طيلة نصف قرن من الزمن تقريبا من أكثر من جانب وسبب
فالصحف حسب “الإبراهيمي ” في لسان العرف كالصحائف في لسان الدين، منها صحائف الأبرار وصحائف الفجار، ولذلك كان حظ صحافة العلماء الابتلاء والتعطيل والتعويق ” والصحف عنده تستشهد في ميدان المعركة كما يستشهد الأبطال في الحروب، وفرسان الكلام والأقلام عنده، كفرسان النزال والعراك في كثير من الخصائص ، ووظيفة الصحافة تماثل في المحصلة وظيفة السيف والرمح ، فإذا كانت وظيفة السيف والرمح هي الإنكاء في العدو، والإنكاء في العدو هو الغاية التي تنتهي إليها شجاعة الشجاع فكذلك حملة الألسنة والأقلام، فلتأتهم المصائب من كل صوب، ولتنزل عليهم الضرورات من كل سماء، وليخرجوا من كل شيء إلا من شيئن : القلم واللسان …ولذلك فإن بيع القلم واللسان أقبح من بيع الجندي لسلاحه ”
وصحف الجمعية كما يقول” الإبراهيمي” في عناوينها هي” أسماء ألهم القرآن استعمالها، وفصلت القرائح الملتهبة والأقلام المسددة إجمالها، وصدق واقع العيان فألها، وهي الألسنة التي تفيض بالحكمة الإلاهية المستمدة من كلام الله وكلام رسوله، والتي ترمي بالشرر على المبطلين والمعطلين، التي كلما أغمد الظلم لسانا منها سل الحق لسانا لا ينثلم ولا ينبو ،،،،
وكانت صحف العلماء في مواقفها وخطها الفكري والسياسي تمثل كلها معنى وهدف الجهاد بالكلمة واللسان، وقوة الجهاد بالكلمة في وقت كان يحرم فيه الكلام ويقطع فيه اللسان ، في مقابل من خان وظل وباع لسانه وقلمه وصوته، بل وتماهى في مستعمره فأصبح لا يرى في جبته إلا هو، رافعا لسان اللوثة والعمى بالتماهي فيه وبه لغة وهدفا ووسيلة
ولصحف وسياسة الجمعية منقبة بكرا في الكبرياء والعزة وشرودا في الحفاظ والإباء
وقد صادر الاحتلال جرائد الجمعية جريدة بعد جريدة بقرارات رسمية لتمنع صوتها ولغتها ولهجتها القوية في مجابهة سياسات الاحتلال في مختلف المجالات ،و بقيت جمعية العلماء دون جريدة رسمية من جانفي 1934 تاريخ تعطيل “الصراط السوي “إلى غاية 27 ديسمبر 1935 وهو تاريخ صدور أول أول عدد من الجريدة الجديدة للجمعية جريدة “البصائر ” الذي جاء نتيجة مساعي رجال الجمعية الحثيثة والمتواصلة لدى دائرة الاحتلال والتي حققت لهم هذا المطلب في جريدة تكون لسان حال الجمعية في فترة حكم فيها السيد “ميو “”Miou ” الذي كان عميدا لكلية العلوم الكبرى بالجزائر
وكانت “البصائر” هي شعار الجريدة الجديدة المستوحى من الآية الشريفة (لقد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ) ، وإمعانا في مراوغة العدو المشوش في فهمه ومفهومه للدين والسياسة وأتباعه المنبهرين بلساه وحضارته، فقد أكدت البصائر على أنها جريدة دينية -كما الجمعية التي تصدرها -، مديرها ورئيس تحريرها الشيخ الطيب العقبي، وصاحب الامتياز فيها الشيخ محمد خير الدين -رحمهم الله جميعا – والشعار واضح إلى من كان يتوجه إليه في أهمية والحسم في تحديد اتجاه البوصلة ومن ثم تحديد وسائل بلوغ الهدف الذي قرر العلماء بلوغه مهما كانت التضحيات
وقد ظهرت جريدة “البصائر” في البداية لتكون أسبوعية في جمعة كل أسبوع أولا ثم لتصبح في إثنين كل أسبوع، في ثماني صفحات، في الجزائر العاصمة أولا ثم تنتقل إلى مدينة قسنطينة في 29 أكتوبر 1937 تحت إشراف وإدارة جديدة آلت إلى الشيخ محمد مبارك الميلي رحمه الله و”البصائر” بصائران، فقد صدرت الصائر الأول في أول شوال 1354 ه الموافق ل 27 ديسمبر 1935 واستمرت حتى 25 أوت 1939 عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية ، وقد قام العلماء بتعطيل دورها بقرارهم وإرادتهم لأسبباب وضحها الابراهيمي لما قال :”فعطلناها باختيارنا، لأننا لا نستطيع أن نقول ما نريد، ولا نرضى أن نقول ما يراد منا، فلما أنتهت الحرب وما استتبعته من نفي واعتقال أعدنا إصدارها” وبينت افتتاحية “البصائر “الثانية في عددها الأول أسباب احتجاب “البصائر ” الأول طيلة فترة الحرب، قالت : ” جريدة البصائر هي إحدى الألسنة الأربعة الصامتة لجمعية العلماء، تلك الألسنة التي كانت .. كلما أغمد الظلم لسانا منها سل الحق لسانا لا يثلم ولا ينبو، وتلك هي السنة والشريعة والصراط والبصائر، أسماء ألهم القرآن استعمالها، وفصلت القرائح والأقلام المسدّدة إجمالها
وكان تعطيل البصائر لأوائل هذه الحرب مثلا شرودا في الحفا ظ والإباء، ومنقبة بكرا في الكبرياء والعزة، ذلك لما … لوّح لها أن تجري على ما يراد منها، لا على ما تريد ..خار الله للقائمين عليها في ذلك التعطيل، كما خار لهم من قبل في تقرير السكوت، ولعمري أن التعطيل، لخير من نشر الأباطيل
ولقد كانت الجمعية تعلم أن القوة التي تستطيع الإسكات لا تستطيع الإنطاق، ولئن سكت العاقل مختارا، في وقت يحسن فيه السكوت، خير من أن ينطق مختارا في وقت لا يسن فيه الكلام …
وتضيف : إن بيع القلم واللسان أقبح من بيع الجندي لسلاحه، وأن جمعية العلماء حين قررت السكوت حافظت على هذين ولم تتسامح في تسخيرهما لأحد، على أنها ما سكتت عن درس ديني أو علمي ولا عن نصيحة رشيدة ولا عن موعظة حسنة وإنما قررت السكوت عن ما يقال لها فيه : قولي
وقد صدر 180 عددا من البصائر الأولى ، وكان العدد الأخير منها مؤرخا في 25 أوت 1939، وصدرت البصائر الثانية في 25 جويلية 1947 وكانت أطول عمرا من الأولى، حيث استمرت عشر سنوات (1947 – 1956)وتوقفت مع بدايات ثورة التحرير المباركة عندما طلبت منها جبهة التحرير الوطني ومن كل المنظمات والأحزاب والحركات الوطنية ان تتوقف وتوحيد صوتها معها فكان ذلك
واستقبل الشباب والشعب الجزائري البصائر الأولى كما الثانية وخاصة أنصار الجمعية في كل القطر الجزائري بالاستبشار والسرور المتزايد، وسجلت البصائر الأولى ذلك الوقع الحسن في عددها الثاني بكل ارتياح، حيث ساهمت بصدورها في تهدئة الأفكار وطمأنة الرأي العام الجزائري والذي كان محل قلق شديد في إدارة حكومة الاحتلال وتابعته بترقب واضح حتى ان دوائرها وعناوين جرائدها اصطلحت على وصفه ب “القلق الجزائري” وقامت إزاءه بتغييرات سريعة في جهاز دائرة الشؤون الأهلية بالذات حيث وضعت على رأسه السيد “ميو” الذي كان وراء السماح للجمعية بإصدار “جريدة البصائر ” بعد منعها بقرار رسمي سابق يمنعها من إصدار أي جريدة لمدة عامين تقريبا
و جاء في مقال بعنوان ” جريدة العلماء “قوله : مرحبا ب”البصائر “تزيل الغشاوة عن الأبصار وتنير البصائر بنور العلم الصحيح والدين القويم ونشر الفضيلة الإسلامية فتجدد التحلي بها وتحيي ما غرسه الإسلام في النفوس أولا من عقائد ظاهرة وعزائم قوية وأخلاق إسلامية وآداب نبوية ، ظلت في الكتب بعد القرون الأولى وأبت إلا تنتقل من صفحاتها إلى صفحات القلوب ،،،،،إن سرورنا اليوم بعودة هذه الجريدة التي تعرف ماتقول، وتكتب ماينفع ويسرّ، ويبعث الأمة على السعي في سبيل العلم والحياة وتخدم العلم والحث على طلبه وتسهيل الطرق إليه …
وفي عودة “البصائر “الثانية قال الشيخ الإبراهيمي -رحمه الله – في مقال افتتاحها : إن “البصائر” في حقيقتها فكرة استولت على العقول فكانت عقيدة مشدودة العقد ببرهان القرآن، ثم فاضت على أسلات الألسنة فكانت كلاما مشرق الجوانب بنور الحكمة، ثم جاءت على ألسنة الأقلام فكانت كتابة في صحيفة، والذي تعطل من “البصائر” إنما هو المظهر الأخير ،،،،،، فسلوها أي “البصائر” كيف تركت جمعية العلماء وكيف وجدتها ؟وسلوها حين فتحت عينيها عن الوجود الثاني، ماذا عرفت وماذا أنكرت من الناس والأحوال ؟، فانتظروا فستجلي لكم الحقائق كما هي، وستفضح المخبآت التي كثر فيها لغط اللاغطين، وستكشف الدعاوي الزائفة التي تجري بها ألسنة المظللين …
ويبدو واضحا ان “البصائر” قد عمدت الى خطة ذكية مزدوجة ظاهرها مسالمة إدارة الاحتلال وإظهار الثقة بها حتى تضمن عدم التعطيل بقرار قد ينزل عليها في أي لحظة ،وعدم إثارة الرأي العام في وقت كانت أحوج ماتكون إليه في إتمام الوعي بكشف حقيقة الموالين للاحتلال ومواجهة الموظفين الرسميين ومشايخ الطرق والأحزاب السياسية التي تتلاعب بمقومات الأمة الجزائرية بالإنكار والانفلات منها مرة والتحقير والتشكيك والمساومة بها طورا ولذلك ستمر “البصائر” الى المصارحة والمقارعة في كشف الحقائق وكل الدعاوى الزائفة التي جرت بها وتجري بها ألسنة وموظفوالاحتلال في مواقفهم وكتاباتهم، وكانت صفحات “البصائر” بصائرللتاريخ وسجلاته التي لا تتوقف
ولذلك فالشيخ الابراهيمي لما يتحدث عن جريدة “البصائر” يصفها بالشمس التي تغلغلت في الأمة وعقول أفرادها محدثة الاستفاقة وإرادة الحركة لزلزلة ما كانت تظن فرنسا أنه قبر منسي إلى الأبد،،،، وقد خابت وخاب حلمها
و جريدة “البصائر” كانت جريدة الجزائر التي كانت محل التوقير من اهل السياسة والعلم والقلم في العالم قاطبة وفي الدول العربية خاصة، كانت قبل الرصاص هي رصاص العلماء في صدور المعتدين وعقولهم تهدم احلامهم وغطرستهم بكلمات ليست كالكلمات بل كراجمات بالحق والحقائق على جدران الباطل فإذا هو زاهق حتى النصر ومابعده
قد من من الجزائريين لم أو يعرف او يسمع عن جريدة “البصائر” -التاريخية -جريدة علماء الجزائر طيلة عشرين عاما حتى قيام الثورة المباركة، وجريدة الجزائر التي كانت محل التوقير من اهل السياسة والعلم والقلم في العالم قاطبة وفي الدول العربية خاصة، كانت قبل الرصاص هي رصاص العلماء في صدور المعتدين وعقولهم تهدم احلامهم وغطرستهم بكلمات ليست كالكلمات بل راجمات بالحق والحقائق على جدران الباطل فإذا هو زاهق حتى النصر ومابعد النصر…..

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!