هكذا يحتفل أطفالنا بمناسبة المولد النبوي الشريف
ينتظر الأطفال بفارغ الصبر اقتراب مناسبة المولد النبوي الشريف، لسبب بسيط هو تفجير أكبر عدد من المفرقعات. فالمولد النبوي الشريف عند أطفال الجزائر، هو للمفرقعات ليس إلا… فيلجؤون إلى جميع الحيل من تسول وكذب وحتى سرقة لجمع مبلغ مالي لشراء هذه الألعاب.
ويحذر مختصون ورجال دين من هذه الظاهرة الخطيرة، التي انعكست سلبا على شخصية الأطفال، مُحملين الوالديْن وبعدهما المدرسة، مسؤولية تذبذب شخصية كثير من الأطفال وميلهم إلى العنف والسرقة، فبدل حثهم على تعلم القرآن والتعرف على خصال النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- في ليلة مولده، تقبل العائلات على شراء كميات كبيرة من المفرقعات ومنحها للأولاد لتفجيرها في المنزل أو الشارع، متسببين في أضرار للناس والمحيط وإزعاج للمرضى بالمنازل والمستشفيات، فكم من طفل فقد البصر وكم منزل احترق في هذه المناسبة.
“الشّروق” خرجت إلى الشارع وسألت الأطفال عن طريقة احتفالهم بهذه المناسبة العظيمة، فكانت وِجهتنا الأولى ابتدائية مالك بن نبي ببلدية جسر قسنطينة بالعاصمة، وهناك سألنا التلاميذ الخارجين من المدرسة، عن كيفية احتفالهم بالمناسبة، فأجاب الغالبية بأنهم يتناولون في العشاء “الرشتة بالدجاج”، ثم يخرجون إلى الشارع ليلا ويفجرون المفرقعات إلى غاية ساعات متأخرة من الليل… عصام، تلميذ في السنة 3 ابتدائي، تحسّر لأن والده اشترى عددا قليلا من المفرقعات على غير العادة، كما أنه لن يلعب هذه السنة بمفرقعات “محرز…”، ومثله زميله نبيل الذي ردد على مسامعنا أنه اشترى مفرقعات داعش، ولما سألته إن كان يعرف معنى كلمة داعش، فأجاب: “داعش تقطع الرؤوس في الجزائر..”!!
أثناءها اقتربت منّا والدة أحد التلاميذ، وأكّدت لنا أن ابنها أخبرها باتفاقه مع مجموعة من أصدقائه، على أن يتنافسوا ليلة المولد على إصابة أكبر عدد من الأطفال بالمفرقعات، والفائز من يتسبب بالأذى لأكبر عدد…!! وأكدت الوالدة أنها استغربت سلوك ولدها “المُسالم” معتبره أن اختلاطه ببعض التلاميذ “غير المربين” أثر على سلوكه كثيرا، وأكدت أنها هددت ابنها بمنعه من الخروج إلى الشارع في حال أصرّ على فعلته.
أما أبناء العائلات الفقيرة، فلم يجدوا غير التسول لجني بعض المال لشراء المفرقعات، وهو حال طفلين لا يتعديان الـ 10 من عمرهما، اقتربا منا أثناء وجودنا بمحطة الوقود، وطلبا مبلغ 50 دج لشراء بنزين لدراجة….!! ولما تفطنا إلى حيلتهما- لأن الدراجة لا تسير بالبنزين- اعترف أحدهما بأنهما سيشتريان بالمال مفرقعات المولد. وطفل من عين النعجة أخبرنا بأنه بدأ بجمع المال من عائلته وأقاربه منذ أسبوع، ليشتري أكبر عدد من المفرقعات، خاصة أن أسعارها تتراوح بين 100 دج و2000 دج، وآخر قال إنه تسوّل المال بالشارع، بعدما ادّعي للمواطنين حاجته إلى المال لشراء أدوات مدرسية أو لركوب الحافلة.
ومن جهة أخرى، يتأسف كثير من رجال الدين، لتجاهل كثير من العائلات توجيه أبنائها إلى السلوك الصحيح في الاحتفال، فبدل اصطحابهم إلى المساجد، وشراء كتيبات لهم، تتحدث عن سيرة أفضل خلق الله، وقراءة القرآن، وجعلهم يتنافسون في حفظ خصال النبي الكريم، فقد عودوهم على الاحتفال بالمفرقعات والألعاب النارية، والتبذير وإلحاق الأذى بالغير وإتلاف ممتلكات خاصة وعمومية.
فتوى أجازت الأحتفال بـ “المحارق” تُحدث جدلا واسعا… وأئمة يتبرّؤون :
الإحتفال بالمفرقعات غير جائز لما فيه من ضرر وتبذير للأموال
صنعت فتوى الشيخ شمس الدين الجديدة، التي أجاز فيها استعمال المفرقعات والألعاب النارية، جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي “الفايسبوك” وبين الأئمة، الذين انقسموا بين مؤيد لفكرة المرح واللعب بالمفرقعات، شريطة عدم إلحاق الضرر بالآخرين، ومُناد بحرمتها، على اعتبارها من مظاهر التبذير ولا أصل لها في الدين.
استغرب العديد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي ” الفايسبوك ” فتوى الشيخ شمس الدين، التي تحدّث فيها عن جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف واللعب بالمفرقعات شريطة عدم إيذاء الآخرين، أي دون رشق المواطنين بها، وذهب الشيخ في فتواه التي تناقلها شباب “الفايسبوك” على نطاق واسع، عندما كشف عن تصنيف هذه المفرقعات التي تسمى باللغة العامية “محارق” في الأمم المتحدة على أنها ألعاب وليست أسلحة ولاشيء على مستعملها إن لم يؤذ الآخرين.
هذه الفتوى قسمت آراء الأئمة بين مؤيد ومعارض لها، حيث وصف إمام مسجد فرجيوة بولاية ميلة، الشيخ نسيم بوعافية، الفتوى بـ” البعيدة عن الواقع.. فإذا كان الغرض من الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، هو التعبد لله وجعل المفرقعات من مظاهر الاحتفال، فهذا غير جائز، ولم يفعله النبي “صلى الله عليه وسلم”، الذي بين لنا أمور ديننا، ومن أحدث بدعة في الدين فعليه وزرها، أما إذا كانت عادة من العادات- يواصل الشيخ بوعافية- فالأصل فيها الجواز ما لم ترتبط بها أشياء محرمة، فيكون مولده عليه السلام فرصة لتذاكر سيرة النبي وإحياء ذكراه والاقتداء به وبسنته الشريفة، وهو أمر مطلوب في المولد النبوي وسائر الأيام، أما الاحتفال بالمفرقعات والشموع فـ- يضيف الشيخ بوعافية- غير جائز لما فيه من تبذير الأموال.
أما إمام مسجد الفتح بالشراقة، الشيخ محمد أمين ناصري، فأكد عدم جواز الاحتفال بالمولد النبوي أو غيره من المناسبات بالمفرقعات، لما فيها من أذية لمن يلعب بها وللمحيطين به، وهي إهدار للمال لقول النبي الكريم: “إن الله ينهاكم عن قيل وقال وكثرة السؤال، وإضاعة الأموال”، فمن شروط البيع أن يكون المبيع طاهرا منتفعا به، كما أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، يقول: يتم بشروط، منها تذكير الناس”، وقد خصص الأئمة خطبة الجمعة لتوضيح طقوس الاحتفال وفق السيرة الشريفة .
وبالمقابل، اعتبر الإمام الشيخ جمال آيت عيسى، أن الألعاب النارية ليست محرمة فهي تدخل في باب التحريم إذا ألحقت ضررا بالغير أو إذا تجاوزت حدود المعقول ومالت نحو الإسراف والتبذير، فالأولى من اقتنائها بمبالغ ضخمة، التصدق بأموالها للعائلات المحتاجة وهو يندرج ضمن فقه الأولويات واحتسابها صدقة. وأردف المتحدث أن إظهار فرحة المولد النبوي الشريف أمر مطلوب، فعم الرسول أبو لهب وهو من أشد الكفار، قد نزلت فيه سورة يخفف عنه المولى عز وجل العذاب كل يوم اثنين، لأنه أظهر الفرحة بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، فالفرحة مطلوبة بجميع الأشكال والأصناف وعدم إلحاق الضرر بالغير مع تفادي الإسراف والتبذير.
تفادوا وضع الطماطم والقهوة ومعجون الأسنان.. مختصون ينصحون :
هكذا نتفادى حروق المفرقعات…
حذرت رئيسة الجمعية الوطنية للتوعية والوقاية ضد الحروق، المختصة في الجراحة الترميمية والتجميلية، من العواقب الوخيمة التي قد تتركها الجروح والحروق الناجمة عن المفرقعات والألعاب النارية، التي تتغير وتتطور من سنة إلى أخرى بتغير مكوناتها، ما ينجر عنه أعراض ثانوية قد تؤدي في بعض الحالات إلى ظهور سرطان الجلد على المدى البعيد، للجهل بالمكونات المستخدمة في تصنيع مثل هذه المواد.
وقالت الدكتورة في تصريح لـ”الشروق”، على هامش اليوم التحسيسي المنظم من طرف الحماية المدنية بالموازاة مع الاحتفالات بمناسبة المولد النبوي الشريف، إن آخر الدراسات حول أخطار المفرقعات ومخلفاتها، تؤكد الآثار العميقة التي تتركها على الجلد، نظرا إلى جهلنا التام للمكونات التي تستخدم في صناعة مثل هذه الألعاب النارية التي تحولت إلى حربية كقذائف ومتفجرات..
وبخصوص التعامل مع الحريق في حالة انفجار مفرقعة أو نحوها على جلد أحد أعضاء الجسد، فتقول المتحدثة إنه من غير الصحيح اللجوء مباشرة الى التراب أو معجون الأسنان، أو الطماطم، أو القهوة، مثلما هو متعارف عليه عند أغلب العائلات، مضيفة أن التشخيص مطلوب في هذه الحالة، على ألا يتردد الذي تعرض للحرق في أن يضع يده مباشرة تحت ماء الحنفيات، وهي ما تسمى بالوقاية الثنائية للتقليل من الوجع وعمق الحريق، داعية إلى اعتماد هذه الإرشادات في حالة التعرض للحروق الناجمة عن التكهرب.
وتشير المتحدثة إلى أنه في حالة طول مدة طلب الإسعافات لأكثر من 15 دقيقة، يمكن للمكونات أن تتغلغل بالجلد، وذلك لا يتطلب– حسبها- البقاء مدة مطولة تحت الماء لأن الماء في الأول والأخير يعتبر هو الحياة في حد ذاته كما ذكر في القرآن، داعية في الوقت نفسه إلى تجنب وضع الطماطم، القهوة، معجون الأسنان أو حتى التراب والعدس لأن ذلك قد يضر أكثر مما ينفع.

