-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل أصبح مفروضا على أمريكا أن تتحول إلى صين جديدة؟

حمدي يحظيه
  • 386
  • 0
هل أصبح مفروضا على أمريكا أن تتحول إلى صين جديدة؟

الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني من جهة وإيران من جهة أخرى، يمكن اعتبارها أول صدام حقيقي بين نموذجين مختلفين يروم كل منهما بسط نفوذه على العالم: النموذج الصيني والنموذج الأمريكي.

الصدام الذي نتحدث عنه لا يعني بالضرورة حدوث المواجهة المسلحة بالصواريخ والمُسيرات بين الدولتين بقدر ما يعني ما سينتج عن تلك الحرب، وأهمية السيطرة على المنطقة الحساسة التي حدثت فيها-الخليج-في تغيير موازين القوة.

تلك الحرب يمكن أن تُحْدث ” تسوناميًا” قويا في النظام الدولي الحالي، وفي العلاقات الدولية البينيّة برمتها، وفي مكانة الولايات المتحدة المستقبلية في العالم. لقد كشفت هذه الحرب أن القوة العسكرية القصوى لا يمكن الاعتماد عليها وحدها، ولا يمكن أن تحقق نصرا استراتيجيا ساحقا. فرغم القوة العسكرية القصوى التي لجأت إليها الولايات المتحدة الأمريكية إلا أن إيران واجهتها بقوة أخرى أقوى ألمَا هي قوة الجغرافيا والاقتصاد والايدولوجيا والتكنولوجيا والتدخل الصيني غير المباشر.

منطقة الخليج التي وقعت فيها الحرب هي أهم منطقة في العالم حاليا ومنذ زمن، هي منطقة فَمْ الجرح التي إذا تم مسّها يصرخ العالم كله ألمًا وجوعا وتضخما؛ هي مركز التنافس الدولي لما فيها من ثروات غازية وبترولية، وما تنتجه من أموال وما يحدث فيها من استثمارات، ومن يبسط نفوذه العسكري والاقتصادي عليها هو الذي يسيطر على العالم. لقد انفردت الولايات المتحدة الأمريكية بهذه المنطقة، وسبقت الجميع للاستثمار فيها وزرع قواعدها في أراضيها خاصة ما بين سنوات 1953م إلى 1978م حين كانت إيران صديقة للولايات المتحدة الأمريكية.  لولا منطقة الخليج وأرباحها ما أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية القوة الاقتصادية الأولى. بعد هذه الحرب التي وقعت في المنطقة الخطيرة المذكورة- وبما أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تحقق النصر المرجو- فهذا يمكن أن يضعف نفوذها فيها وبالتالي تفقد الريادة العالمية لصالح الصين.

الآن ستزداد أهمية وخطورة منطقة الخليج. من جهة، ستصبح إيران، المدعومة صينًا بقوة وحماس، أكثر جرأة على المنافسة، وقد تطالب، في مرحلة لاحقة، بسحب القواعد الأمريكية من جوارها، وستحاول التمدد وملء الفراغ، و من جهة أخرى ستحاول الولايات المتحدة أن تتشبث بالبقاء الخليج، وأن تظل واقفة هناك لكنه وقوف غير واثق مثل الوقوف على رمال متحركة أو في سبخة.

الآن، أصبح مفروضا على الولايات المتحدة الأمريكية أن تلتفت إلى الخلف، وتنظر بتأمل إلى مرآة التاريخ والواقع والحاضر والحقيقة. لقد جربت الحرب في فيتنام، العراق، أفغانستان، الصومال وأخيرا إيران وخرجت من هذه الحروب مجروحة أو-بلغة أخرى- مهزومة.

إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد خاضت الكثير من الحروب والحملات من أجل فرض هيمنتها في العالم وخسرت، فإنه حان الوقت لتُغير استراتيجيتها وتقلد الصين بحيث تعيد ترتيب أولويات قوتها،  وتسحب القوة العسكرية إلى المركز الثاني وتفسح المجال للقوة الاقتصادية الناعمة المغرية لتتصدر المشهد.  لا مفر للولايات المتحدة، حاليا، من النظر إلى منظومة عوامل النجاح التي ساعدت غريمتها الصين.

فهذه الدولة التي خرجت من رحم العالم الثالث،  والتي لم تطلق طلقة واحدة، ولم يموت لها جندي في حرب، ولم تجلب عداوات شعوب الأرض، ولم يحس أحد بغزوها للعالم، انتشرت في العالم بطريقة ناعمة عن طريق الاقتصاد والسلم انتشار بقعة الزيت على سطح ماء البحر، وراحت تتوسع وتتمدد بصمت مريب وتسلك طُرق الحرير والتوابل بدل سلك طريق الطائرات والقنابل والصواريخ والبوارج الحربية حتى أصبحت على اعتاب الصدارة.  الآن، بعد الحرب ضد إيران، وصلت الولايات المتحدة الأمريكية إلى قناعة وهي أن الخسارة أصبحت واقعا ملموسا، وأنها حتى تبقى على المسرح الدولي مفروض عليها أن تُقلد الصين أو تتراجع، قريبا، إلى المركز الثاني.

فإذا لم تغير الولايات المتحدة الأمريكية سياستها بسرعة قصوى، وتغير أسلوبها من عنيف إلى لطيف ومن متعجرف إلى متواضع قد تخسر المعركة الكبرى لصالح الصين وحلفائها مثل روسيا، البرازيل، وجنوب افريقيا وإيران ودول أخرى وازنة منتشرة في العالم. إذن، أمام الولايات المتحدة الأمريكية- كي تحافظ على مصالحها في منطقة الخليج وفي العالم-، طريقين، أسهلهما شائك: الأولى، التصالح مع إيران والتطبيع معها من موقف ندية، وترك لها هامش تمدُّد، وتتغاضى عن برنامجها النووي، ولا تتدخل في شئونها الداخلية، وتسمح لها بمصالح كبيرة في المنطقة، أو تقلد نهج الصين.

اتباع نهج الصين وتقليدها أسهل بكثير من اتباع طريق التطبيع والتعاون مع إيران. حتى تسلك الولايات المتحدة الأمريكية درب الصين لا تحتاج للشيء الكثير ما عدا السرعة، ودراسة فلسفة الصين الاقتصادية والسياسية أولا، وتقليدها على أرض الواقع ثانيا. بمعنى، أن تكف واشنطن عن سياسة العنجهية والتدخل والإملاءات، وتنظر إلى العالم بمنظار مختلف، وتعيد قاذفات القنابل والطائرات إلى المرآب وبالمقابل تُشهر سلاح الدولار، وسلاح كسب الثقة وعقد الصفقات مع الدول والشعوب البعيدة والمهمشة.

سياسة تحوّل الولايات المتحدة إلى صين جديدة تحتاج إلى السباق مع الزمن فقط، وتبدأ- إذا أرادت أن تحافظ على التوازن- اليوم قبل الغد. فالغريمة الصين ستستغل هي الأخرى فرصة تردد الولايات المتحدة الأمريكية وعدم يقينها وتدفع بجنودها على خريطة الشطرنج العالمية. إذن، نحن أمام تحوّل كبير في العالم قد يجعل الجميع يعرف ” الوان” بدل “الدولار”، ويبعث ابنائه يتعلمون الصينية بدل الإنجليزية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!