هل دفعت آسيا جبار ثمن معارضتها لقرار بومدين بتعريب العلوم الإنسانية؟
ظلت آسيا جبار مغيّبة من الفضاء الثقافي والفكري في الجزائر طوال حياتها، حيث كانت مساعي استقدامها إلى الجزائر في كل مرة تبوء بالفشل، كما بقيت أعمالها بعيدة عن الترجمة إلى العربية لغة البلد الذي ظلت طوال حياتها أيضا تكتب عنه بحب إلى أن قررت الجزائر إعادة ربط حبل الود مع ابنتها بعد رحيلها ببعث جائزة كبيرة باسمها وتكريمها في أكثر من مناسبة. فقد سبق وأن أعلنت الوزيرة السابقة خليدة تومي عن استعداد الوزارة لترجمة أعمال آسيا جبار على هامش احتفال الجزائر بعاصمة الثقافة العربية عام 2007 قبل أن يسقط المشروع في الصمت وتعيد الوزيرة لعبيدي التصريح بصفة رسمية عن تكفل وزارة الثقافة بترجمة أعمال ابنة شرشال، وهو الوعد الذي ورثه الوزير الحالي في حال كان التزام مؤسسة وليس قرارا شخصيا من لعبيدي.
آسيا جبار التي كما لو أنها كانت تعلم بقرب قدوم أجلها فقالت كل شيء في آخر كتبها “لا مكان لي في بيت أبي” – البيت أيضا قد يعني الوطن- فتحدثت عن الجزائر كما رأتها دائما أعادت الجزائر اكتشافها بعد موتها فتهاطلت على اسمها التكريمات وصار فجأة كل الكتاب والمثقفين وأساتذة الجامعة أصدقاء لآسيا جبار ويعرفونها ويتحدثون بإسهاب عن كتبها وصارت كل ندوة حدثا ثقافيا يرفع إلى آسيا جبار وكأن اسمها صار “ماركة” تجارية كفيلة بجلب الجمهور .
آخر حدث سيكرم آسيا جبار هو المعرض الدولي للكتاب الذي استحدث جائزة تحمل اسمها، تتوج أحسن الأعمال بالعربية والفرنسية في حين تبقى نسبة كبيرة من الجزائريين لا تعرف آسيا جبار خاصة الجيل الجديد لأن أعمالها تبقى حتى الآن بالفرنسية ولم يتم ترجمتها إلى العربية باستثناء تجربة يتيمة قامت بها منشورات “سيديا” لآخر كتبها “لا مكان لي في بيت أبي” رغم الأحداث والتظاهرات الثقافية الكبرى التي عرفتها الجزائر والتي تمت على إثرها ترجمة عدد كبير من أعمال الأدباء.
غياب آسيا جبار عن الترجمة إلى العربية يعود حسب كتاب ومثقفين إلى عدة أسباب أهمها ارتفاع تكاليف وحقوق الترجمة التي لا تستطيع الدور الخاصة تحمّلها كما يعود أيضا غياب جبار عن لغة بلدها الأصلي إلى مواقفها من بعض قرارات المسؤولين في بداية الاستقلال.
يقول الحبيب السايح في هذا الإطار إن إبعاد آسيا جبار عن فضاء الترجمة يعود في بعض جوانبه إلى خلافاتها مع نظام بومدين الذي قرر في سبعينيات القرن الماضي تعريب العلوم الإنسانية بالجامعة وهو التوجه الذي رفضته آسيا جبار وغادرت الجزائر على إثره إلى فرنسا، وكانت أيضا قبل هذا قد تعرّضت لمضايقات في وزارة الثقافة والتلفزيون الجزائري ولم تتفق مع مسؤولي الثقافة آنذاك في بعض أعمالها السينمائية، وهي المواقف التي صنّفت بعدها جبار في خانة المغضوب عليهم في الجزائر، ويضيف الحبيب السايح للشروق أن غياب آسيا جبار عن واجهة الترجمة في الجزائر يعود أيضا لكونها كانت محجوبة من قبل أسماء ثقيلة من الرجال من جيلها مثل كاتب ياسين وديب وبوجدرة الذي سبق أن صرح أكثر من مرة أن أدب آسيا جبار متواضع ولا تستحق كل تلك الهالة التي تحظى بها وهو نفس الهجوم الذي سبق وأن تعرضت له آسيا جبار من قبل مصطفى الأشرف الذي وصف جبار بالكاتبة البرجوزاية. ويضاف إلى هذه الأسباب أن الترجمة عملية مكلفة جدا ويتطلب شراء حقوقها أموالا طائلة والحصول عليها ليست دائما مهمة سهلة يقول السايح الذي كانت له تجربة سابقة في ترجمة رواية آسيا جبار الشهيرة “بعيدا عن المدينة المنورة” لكن التجربة التي لم يكتب لها النجاح بعد تعثر دار النشر في التوصل إلى اتفاق بشأن حقوق الترجمة. لهذا يعتبر الحبيب السايح أن ترجمة أدب آسيا جبار يتجاوز دور النشر ليكون مشروعا تشرف عليه وزارة الثقافة بطريقة جادة.
أمين الزاوي لا يعتقد أن غياب آسيا جبار عن الترجمة في الجزائر عائد إلى مواقفها من بعض القضايا في الجزائر لأنها كانت موظفة رسمية في الجامعة والتلفزيون والمركز الثقافي الجزائري بفرنسا لكن يعود هذا الغياب حسب الزاوي لكون القارئ الجزائري له حساسية وحاجز نفسي من الأدب المكتوب بالفرنسية عامة ومن أدب آسيا جبار خاصة بعد دخولها للأكاديمية الفرنسية. فبدل أن يكون هذا الدخول دافعا لاستعادة آسيا جبار في لغة بلدها كان على العكس من ذلك حاجزا إضافيا لإبعادها وإقصائها من الفضاء الجزائري ومهاجمتها من قبل تيار وطبقة معينة في الجزائر التي رأت في دخول جبار أكاديمية الخالدين خيانة للوطن. فآسيا جبار هي كاتبة محافظة وكاتبة عائلة فرغم انتقادها مثلا لوالدها في كتابها الأخير، لكنه يبقى عتابا في ظل العائلة والإطار الاجتماعي المتفق عليه. أمين الزاوي يعتبر غياب آسيا جبار عن لغة بلدها مرحلة سيتجاوزها حتما الجيل القادم.
نفس القناعة تقاسمتها زهور أونيسي مع أمين الزاوي حيث أكدت صاحبة “يوميات مدرسة حرة” أن غياب أو تغييب آسيا جبار عن الفضاء الجزائري في لغة بلدها يعود لكون منظومة الترجمة في الجزائر مريضة وتحتاج لقرار شجاع من قبل وزارة الثقافة لإعادة هيكلتها وتنظيمها. ترجمة أدب آسيا جبار يحتاج لمشروع جادة ومتكامل تقول إنعام بيوض أن معهد الترجمة الذي تشرف عليه سبق وأن قدم مشروعا لوزارة الثقافة في عهد الوزيرة تومي وما تزال الموافقة منتظرة من قبل الهيئة الوصية الأولى على الثقافة في الجزائر، وتعتبر بيوض أن عدم ترجمة آسيا جبار هو تقصير كبير من قبل المثقفين والهيئات في الجزائر، وقد حان الوقت لتدارك هذا التقصير تقول بيوض لأننا أمام قامة أدبية عالمية رشحت لنوبل أكثر من مرة.