هل نحن ماديون إلى هذه الدرجة؟
قُضاة يريدون أجورا مساوية لأجور النواب والوزراء، وحراس بلديون يريدون زيادات مالية بأثر رجعي، وعمال سونلغاز لن يرضوا بأقل من زيادة مئة بالمئة، وأبناء شهداء يطالبون بتحويل المنحة التعويضية والمنحة التكميلية بعد وفاة أرملة الشهيد إلى كل أبناء الشهيد من دون استثناء، ورجال جمارك لم تُرضهم الزيادات التي بلغت 85 بالمئة.
- جامعيون وأطباء وأئمة ومهندسون وعمال بريد وفلاحون وشباب ما قبل التشغيل وخبازون وحتى الجزارين الذين جعلوا اللحم برتبة اللؤلؤ والمرجان، كلهم وغيرهم يلوون هذه الأيام الذراع الملتوي أصلا للمطالبة بحقوق صاموا عنها عقودا طويلة واستغلوا فترة “البياض” التي تعيشها البلاد منذ بضعة أسابيع ليتحوّل هدف كل من حقق حلم العمل هو تسجيل نقاط مالية في سلاته، في الوقت الذي مازال مئات الآلاف من الشباب من الجامعيين وغيرهم يحلمون بمنصب عمل ولو بنصف مرتب العامل الغاضب الذي يعيش هذه الأيام بين الاحتجاجات والاعتصامات وحتى الإضراب عن الطعام والتهديد بحرق البدن.
-
كلنا متفقون على أن أجر العامل الجزائري لا يكفي للعيش بالخبز والعدس، ومتفقون على أن بعض المهن أشبه بالتسوّل على أبواب الجوامع، ومتفقون على أن الدولة مارست ساديتها على شريحة كبيرة من عمال لا يأكلون حتى يجوعوا وإذا أكلوا لا يشبعون ليس من باب ورع، وإنما مجبرون إخوتنا وليسوا أبطالا، لكن أن تبقى مطالب الملايين من الجزائريين تحمل عنوان المنح والأجور، وتبقى الحكومة تُقدم دلاء الحليب الطازج الذي تمنحه بقرة النفط دون أن تطالب بالواجبات كمقابل لهذه الملايير التي حسّنت أجور الكثيرين ليس ضمن مخطط حكومي وإنما ضمن.. إعطني أو سيبقى القطاع الذي أشتغل فيه مشلولا، فذاك هو اللغز المحيّر.
-
الحكومة وهذا ليس منّا منها مكّنت قطاع التعليم العام الماضي من زيادات مهمة في الأجور ومكّنت وهذا ليس منّا منها الأطباء من زيادات مهمة في الأجور ولا أحد حاسب أو على الأقل سأل عن سبب بقاء المستوى والخدمات التعليمية والطبية في الحضيض بعد كل هذه الإجراءات.
-
كثيرون ظلموا احتجاجات الشباب التي وقعت منذ بضعة أشهر وأخلطوها بالزيت وبالسكر، والعمال الآن يظلمون أنفسهم هذه الأيام بحصر احتجاجاتهم بين المنح والمرتبات، وكأن الجزائري أصبح جهازا هضميا لا يهمه سوى سعر العدس والبطاطا أو جيبا لا يدخله دينار إلا وصاح هل من مزيد؟
-
المشكلة أن كل القطاعات من دون استثناء بما فيها التي تحمل رسائل إنسانية وروحية تحوّل عمالها إلى جهاز هضمي وجيب، وتم تغييب العقل الوحيد الذي بإمكانه أن يحسّن المردودية في بلد مازال دخله من النفط يقارب المئة بالمئة من إنتاجه أي أن ما يقدمه العمال في كل القطاعات تحت إشراف الدولة لا يكاد يزيد عن الخمسة بالمئة وما تمنحه الدولة للعمال هو نتاج مواد أولية حبانا الله بها.
-
التاريخ القديم والحديث يشهد أننا شعب، المادة هي آخر ما يفكر فيه، فقد قاوم الأمير عبد القادر وأعطى النفس والنفيس لأجل أمته دون أن يحوّل الغنائم والهبات التي يحصل عليها لحسابه الخاص، بل كان يوزعها على المعذبين في الأرض، وكان الشيخ ابن باديس يفتح مدارس وكليات فكر ونهضة من ماله الخاص، بل إنه هو الذي كان يدفع لطالبي العلم المال، وكان مالك بن نبي يفتح بيته وليس المدارس المكيّفة ليعصر للناس فكره من دون مقابل، والآن ندفن تاريخنا، ونعيش شعبا ودولة كجهاز هضمي يراقب أسعار المأكولات ومحتويات الحاويات وكحساب جار يتابع زيادات الأجور ومداخيل النفط.. وفقط.