-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل يمكن تطبيق الشريعة الإسلامية؟

هل يمكن تطبيق الشريعة الإسلامية؟

تساؤل يطرحه الكثير من الناس، تحت تأثير خطاب فصل الدين عن الدنيا، فمنهم من يرى أن الشريعة خارج الزمان والمكان ومن ثم لا يمكن تطبيقها، ومنهم من يرى لا بد من تطبيقها، لارتباطها بديننا الذي ندين الله به؛ لأن تطبيق الشريعة تطبيق لأحكام الله التي اوجبها علينا، وإذا لم نطبق هذه الأحكام فنحن آثمون عند الله يوم القيامة.

ولكن المشترك بين الطرفين على ما بينهما من تباعد، هو النظر إلى الشريعة على أنها مجرد “حدود وقصاص”، قتل القاتل وقد يد السارق وجلد الزاني، وهي من الأمور التي نص عليها القرآن…

فالمعلنون عن رفض تطبيق الشريعة، اعتبروا أن هذه الحدود فات زمانها ولم يعد من الممكن تطبيقها، وذلك بخلفية حداثية لا ترى للدين دخلا في ممارسات الحياة، بينما الذين يطالبون بتطبيقها، رغم أن خلفيتهم الإسلامية، فإن تعبيراتهم عن تطبيق الشريعة لا تخرج عن هذه الدائرة من الحدود والقصاص، في حين أن الشريعة أوسع من ذلك بكثير، بحيث لو اهتمت الأمة بغير هذه الدائرة من الأحكام الشرعية، لعم العدل والحريات وشاع التكافل الاجتماعي وقويت شبكة العلاقات الاجتماعية، ابتداء من أحكام الأسرة التي تتجاوز مجرد الحقوق والواجبات الأسرية إلى دائرة أوسع وهي دائرة التعاطف التواد والتراحم (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الروم 21].

وعليه يمكن اعتبار أن النزاع قائم على أمر مجهول بينهم، فهم يتكلمون عن شيء لا يعبر عن حقيقة مضمون تحكيم الشريعة نفسه، ومن ثم فإن التساؤل حمل أمر غير مفهوم بالقدر اللازم، لا سيما والناس يلاحظون هذه التطورات التي يشهدها العالم، في النظم القانونية وحقوق الإنسان وضمان الحريات…، والمجتمعات التي تحترم نفسها خاصة، بفضل احترامها للقانون وتطبيقه على الجميع، لا تسمح لنفسها قبول شيء لم تفهمه، أو تسوق لشيء عير قادرة على التعريف به أو تبريره بما يستحق من الحجج والبراهين.

وأنا أمام هذين المذهبين أقول وبكل صدق وطمأنينة: نعم يمكن تطبيق الشريعة الإسلامية، ولكن قبل أن يسلم معي الناس بهذه الإجابة المتسرعة، ينبغي أن يفهموا ما هي الشريعة الإسلامية؟ ومن يطبقها؟ وكيف يطبقها؟
إن أشهر وأخطر الأخطاء المتعلقة بتطبيق الشريعة التي تقع فيها الأمة، حصر تحكيم الشريعة في إقامة الحدود والقصاص، وكأن الشريعة التي أمرنا بتحكيمها، لم تات بشيء غير إقامة الحدود، حتى أن الكثير منا يرى أن إقامة حكم الله منحصر في إقامة الحدود.
والحقيقة أن إقامة الشريعة ليست منحصرة في الحدود، وإنما هي شاملة لكل ما يتعلق بالإنسان وحركته في الوجود؛ لأن الإنسان بالمنظور الشرعي هو مسؤول أمام الله على كل ما يقوم به في حياته، بحيث أن نفسه لا يجوز له أن يفعل بها ما يشاء، أما الحدود والقصاص فهي جزء بسيط من المنظومة القانونية فيما يعرف بالقسم الجنائي أو قانون العقوبات، والحياة ليس فيها العقوبات فحسب، ولذلك كان إلى جانب هذا القسم، أحكام شرعية كثيرة متعلقة بجزئيات الحياة، مثل أحكام الأسرة والاقتصاد والسياسة والتربية وغير ذلك من العلاقات الإنسانية الأخرى في جميع مستوياتها، والأحكام في مجموعها ذات طابع قانوني من جهة وذات طابع دياني من جهة أخرى.
أما الجانب القانوني ففيه الحق العام والحق الخاص، أي حق المجتمع وحقوق الأفراد التي يمسها الأمر من قريب أو بعيد، أما الحكم الدياني ففيه حق الله من عبادات وما تعلق بالأمور الغيبية التي جاء بها الوحي، وحقوق العباد المتعلقة باحترام الحقود والحقوق والواجبات وما يتصل بها من مصالح ومفاسد، هدفها تحقيق ما يصبو إليه الإنسان من ضمان للحريات والعدل بين الناس وغير ذلك مما يدخل في تنظيم الحياة.
وما يتميز به تحكيم الشريعة، هي أنها ذات بعد ديني تعبدي، أي أنها أحكام حريصة على تحقيق مصالح الناس وعدم ضياعها، وفي نفس الوقت تراعي الحلال والحرام، وفق ما حدده الله في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، في كل ما يريده الله ولا يريده؛ لأن تعريف الحكم الشرعي هو “خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء وتخييرا”، أي أمرا ونهيا وتخييرا.
إن الشريعة إذن هي مجموع احكام الله في كل ما يتعلق بحياة الإنسان، عبادة ومعاملة وتنظيرا وتشريعا وتنفيذا وسلطة، حدودا وقصاصا وغيرها.
قال الله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء 65]، وذلك لأنهم مؤمنون بالله وبالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يليق بهم أن يتحاكموا لغير النبي محمد وهو بينهم، وإلا اعتبروا غير مؤمنين به، ومن ثم فإن كل من آمن بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم، لا يحق له التحاكم لغيرهما، وذلك ليس فيما يتشاجرون حوله ويختلفون فيه فحسب، وإنما يتحاكمون إليهما في كل شيء.
فالحكم الشرعي الذي نحن مطالبون بمراعاته والعودة إليه في كل صغيرة وكبيرة، هو الاستجابة لخطاب الله الموجه إلينا في القرآن الكريم وما صح من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وما يستنبط منهما من إجتهادات المجتهدين من علماء الأمة؛ لأن الخطاب في العموم يكون كليا، بينما التفاصيل تدخل في وظيفة العلماء، مثل القوانين التي تضعهات الدول، التي تحتاج إلى فهم لتطبيقها وهي مهمة القضاة، ولذلك يعتبر الحكم القضائي وتنفيذه قانونا.
وتطبيق الشريعة يكون في ثلاثة محاور: أحكام ديانية، أحكام قضائية، والعبادات.
المحور الأول: الأحكام الديانية، كثيرا ما نقف على كلام للفقهاء يقولون فيه هذا الحكم ديانة، والأحكام الديانية متعلقة بدين كل مكلف في المجتمع المسلم، فالمسلم يحاكم إلى الدين الإسلامي، والنصراني يحاكم إلى الدين النصراني، واليهودي يحاكم إلى الدين اليهودي. فتطبيق الشريعة في الدولة الإسلامية، يحاكم غير المسلمين لدينهم ولا يحاكمون لشريعة الإسلام.
المحور الثاني: الأحكام القضائية، وهي مجموع الأحكام المتعلقة بتنظيم المجتمع وهي في أصلها مبنية على منظومة قانونية توافقية قائمة على الحقوق والواجبات، ومن ثم هي منظومة قانونية يخضع لها جميع مواطني الدولة الإسلامية، مهما اختلفت مشاربهم وعقائدهم وعاداتهم…، وهذا الجانب من الأحكام قوانين مصدرها الدستور ورزمة القوانين النابعة منه.
المحور الثالث: العبادات، من صلاة وصوم وحج وزكاة، وهي كل ما شرعه الله من مناسك…، وعبادات غير المسلمين أيضا مضمونة…
ورغم أن العبادات مسؤولية فردية، فإن السلطة هنا مسؤولة على تيسير ممارسة الناس لعباداتهم، ولو خالفوا دين المجتمع الذي يعيشون فيه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!