هواة في كل شيء..
كثر الحديث في الفترة الأخيرة عن فشل الاحتراف في نوادي كرة القدم الجزائرية!! فانطلق البعض يحللون ويناقشون ويستغربون، وينتقدون حال الكرة عندنا، وراح البعض الآخر يصفون المسيرين واللاعبين والمدربين بأنهم هواة في التفكير والممارسة، ولا يمكن الانتقال بهم إلى الاحترافية.. ونسي الجميع أننا نعيش عهد “الهواية” الشاملة والبعد عن الاحتراف والمهنية في كل المجالات، وأن بلدنا وبعض مؤسساتنا تسير بعقلية الهواة، ولم ترتقِ إلى المستوى الاحترافي في التفكير والتخطيط والتسيير رغم ما نزخر به من ثروات طبيعية ومادية، ورصيد حضاري وثقافي وتاريخي، ورغم توفر الرجال الأكفاء في كل المجالات..
عندما تستمع إلى بعض الساسة في السلطة والأحزاب السياسية والجمعيات، تدرك حجم التخلف الفكري والمؤسساتي الذي نتخبط فيه، وتشعر بأننا نلعب في الدرجة السفلى من “دوري” السياسة والدبلوماسية. وعندما تعرّج على المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وانشغالات المهنيين والمثقفين واهتماماتهم وأدائهم وكيف جاؤوا إلى مواقعهم، تدرك أننا بعيدون عن الاحتراف الذي ندعو إليه في الكرة. أما عندما تقترب من مؤسسات وطنية كبرى كالتلفزيون ومؤسسات الخدمات العمومية بما تقدمه من خدمات رديئة يديرها هواة في التسيير والتفكير، فإنك تدرك حجم الكارثة التي حلت بمجتمعنا وبلدنا. وإذا توغلت داخل الجزائر العميقة وغُصتَ في مشاكل أهلها ومتاعبهم، ستدرك كم أخفقنا في بناء مجتمع متوازن يشعر فيه الجميع بالاطمئنان والعدالة وتكافؤ الفرص، مجتمع ووطن استشهد من أجله النساء والرجال وأورثونا الحلم والأمل في بنائه والعيش فيه، ولكن!!..
جزائر الخمسين سنة بعد الاستقلال وهي بهذا الشكل، ليست بحاجة إلى بطولة محترفة في كرة القدم بقدر حاجتها إلى ساسة ومسؤولين ومثقفين محترفين ومحترمين غير منافقين ولا مخادعين.. جزائر اليوم ليست بحاجة إلى الفوز بكأس أمم أفريقيا والتأهل إلى كأس العالم بقدر حاجتها إلى التأسيس لثقافة اجتماعية جديدة ومؤسسات قوية.. إنها بحاجة إلى دولة القانون والمؤسسات، لا دولة الهواة.
الاحتراف الذي يجب أن نسعى للوصول إليه هو احتراف الدولة ورجال الدولة ومؤسسات الدولة لممارسات الدول المتحضرة، واحتراف الأخلاق والتفكير والممارسات اليومية السوية لكل واحد منا في موقعه، لأن الذين يطالبون بالاحتراف الكروي يفعلون ذلك بعقلية هاوية متعصبة وحاقدة وغير متسامحة، وبتفكير أحادي أناني لا يستند إلى نفس مبادئ الاحتراف في الكرة، ومن يحترفون السياسة يعتقدون أن الوطن بدونهم لا يساوي شيئا، ولولاهم لما تحررنا وتعلمنا!
بعد خمسين سنة من الاستقلال، كان يجب أن نصل إلى احتراف شامل لكل مناحي الحياة عندنا، وليس إلى احتراف في كرة القدم فحسب، لأن وطننا لم يَرقَ إلى مستوى قدراتنا وتضحيات أجدادنا.. وطننا يستحق رجالا أفضل منا، وفكرا أحسن من تفكيرنا الهاوي، وشعبنا بدوره يستحق احتراما أكبر وممارسات أفضل من ممارساتنا الهاوية التي ستؤدي بنا إلى الهاوية بالنمط الذي تسير عليه الأمور، لذلك يجب السعي لتطبيق شروط الاحتراف في كل المجالات وليس فقط في كرة القدم؛ من خلال وضع الرجال المناسبين في الأماكن المناسبة، وتقديس الجهد واحترام الرجال لكفاءاتهم وليس لانتماءاتهم الجهوية، وتجاوز الإقصاء والتهميش الذي يعاني منه الكثيرون، وفرض احترام القانون على الجميع، ومن خلال أخلقة الحياة السياسية والاجتماعية، وتوفير إمكانيات العيش الكريم وشروط الانتقال إلى مرحلة أخرى ومستوى آخر في التعامل مع متطلبات العصر التي ترتكز على العلم والتقنية الحديثة والعمل الدؤوب.
إن التاريخ لن يرحمنا إذا واصلنا تسيير وطن من حجم الجزائر بعقلية هاوية؛ نلقي فيها اللوم على الآخرين ونطالب فيها الشعب كل مرة بالقيام بواجباته، دون أن نقدر على القيام بواجباتنا تجاهه وتجاه الوطن، وحرام أن تحل علينا الذكرى الخمسون للاستقلال وبلدنا بكل ما يزخر به من رجال وقدرات وثروات، يتخبط في مشاكل هامشية، ويبتعد عن المعايير العالمية، ويعاني فشل القائمين عليه في احتراف التسيير!