وأخيرا اكتشفوا فجور فرنسا!
المتابع للتّصريحات القوية الصّادرة عن المسؤولين وبعض قادة الأحزاب الموالية للسلطة يعتقد أن القطيعة مع فرنسا باتت واقعا، وأن الرّسميين في الجزائر لن يغفروا ما ارتكبته فرنسا سواء عبر إعلامها الذي استثمر في أوراق بنما وأدرج صورة الرّئيس بوتفليقة برغم أن اسمه لم يرد في هذه الوثائق، أو عبر تصرّفات مسؤوليها وعلى رأسهم الوزير الأوّل مانويل فالس وتغريدته الشّهيرة بصورة الرّئيس بوتفليقة.
لكنّ التّجربة تقول إنّها مجرد سحابة عابرة، وأنّ كلّ الذين هاجموا فرنسا بعد أن أظهرت فجورها الإعلامي والدّبلوماسي، سرعان ما يعودون إلى سابق عهدهم، وسرعان ما تعود حبال الود بين الطرفين، بل إنّ البعض آثر الصّمت والبعد عن الأضواء ـ في هذه الظروف المؤقتة ـ لأنه يعلم علم اليقين أنّ العلاقة مع فرنسا لا يمكن أن تتزعزع طالما أنّ التبعية اللّغوية والثقافية وحتى السياسية موجودة منذ الاستقلال.
إذا كان الغضب الرّسمي من فرنسا صادقا، فلماذا لا يترجم إلى إجراءات عملية للحد من النفوذ الفرنسي في الجزائر، بل إن العكس هو الذي يحدث هذه الأيام خصوصا في قطاع التربية الذي استورد خبراء فرنسيين يقومون بإعادة فرنسة المناهج التربوية، فضلا على إجراءات أخرى تتم في الخفاء على مستوى وزارة التّربية الوطنية يتمّ من خلالها تعزيز اللّغة الفرنسية على حساب العربية والإنجليزية، أو من خلال تهميش الإطارات المعربة واستبدالهم بإطارات مفرنسة.
ورغم النّفي المتواصل لوزيرة التربية الوطنية لإشراف الفرنسيين على ما تسميه بالجيل الثاني من الإصلاحات، إلا أن المعطيات تتكشف يوما بعد الآخر وآخرها ما كشفت عنه الشروق من وثائق تؤكّد تدخل الفرنسيين في المناهج التربوية من خلال التشجيع على اللغة الفرنسية ومحاولة تهميش اللّغة العربية بالحثّ على اللّغة الأم التي هي اللغة العامية.
وما يحدث في قطاع التربية يحدث في قطاعات أخرى وبأشكال مختلفة، حيث أن الاتفاقات مع الطرف الفرنسي تجد دائما من يسهر على تنفيذها ومتابعتها، بينما يتم إهمال الاتفاقات مع الدول الأخرى سواء في قطاع التربية أو في القطاعات الأخرى، ومن أراد أن يتأكد فليسأل عن مصير الاتفاقات المبرمة في إطار الشراكة النموذجية مع السودان المعلن عنها قبل ستة أشهر.
سيبقى هذا النهج مستمرا وما نسمعه من تصريحات منتقدة لفرنسا وأخرى تطالب بقطع العلاقات معها ما هي إلا مزايدات ظرفية، لأن أصحابها ليسوا صادقين إنما يقومون بعملية تنفيس لإفراغ شحنة الغضب النّاجمة عن التّجاوزات الفرنسية ليس إلا…