“واقع الصحافة العلمية في الجزائر ” … تعقيبات!
في يوم الخميس 20 نوفمبر 2025، نظّمت أكاديمية العلوم والتكنولوجيات، بمقر وزارة الاتصال، نصف يوم دراسي بعنوان “واقع الصحافة في نشر الثقافة العلمية”. وقد حضرنا الجزء الأكبر من هذا النشاط الذي افتتحه السيد وزير الاتصال بمقر وزارته. ويهدف نصف اليوم الدراسي إلى التأكيد على أهمية الصحافة العلمية كقاطرة أساسية لرفع مستوى الوعي العلمي لدى الجمهور العريض، بمختلف فئاته، من تلاميذ وطلبة ومواطنين ومسؤولين.
وقد أكّد وزير الاتصال في كلمته أن الصحافة العلمية أصبحت اليوم ضرورة استراتيجية لمجتمع يسعى إلى التطور الاقتصادي والتكنولوجي. وأشار إلى أنّ الصحافة العلمية هي حلقة الوصل بين الابتكار والمواطن، وبين المخبر والشارع، وأنها تساهم في تفنيد الأخبار الزائفة، وتعزيز الثقة في المؤسسات العلمية، وتطوير الحس النقدي لدى الجمهور. كما صبت الكلمة القصيرة لرئيس الأكاديمية، الأستاذ محمد هشام قارة، في نفس الاتجاه.
تناقض صارخ
كل هذا كان جميلا، لكن ما كان دون هذا الجمال هو اللغة التي ألقيت بها المحاضرات الثلاث خلال هذه الندوة الموجهة للجمهور العريض فضلا عن كون أكثر من نصف ما جاء فيها مضمونا مجترًا نسمع عنه ونقرأ يوميا في مختلف وسائل الاعلام. فاللغة التي تحدث بها هؤلاء المحاضرون الثلاثة في مقرّ الوزارة أمام جمهور الصحفيين وعدد معتبر من المدعوين هي اللغة الفرنسية وليست اللغة العربية التي يكتب ويبث بها جلّ هؤلاء الإعلاميين. ولا أحد يستطيع تبرير هذا الخيار اللغوي للمحاضرين دون أن يقع في تناقض صارخ. فلو كان المضمون يتطلب مثلا مصطلحات خاصة أو كان الجمهور أجنبيا أو كان المحاضرون يجهلون لغة الضاد أو كان الموضوع ليس الغرض منه توجيه النصح والإرشاد للإعلاميين الذين ملؤوا القاعة ليزيد اهتمامهم بالتوعية العلمية عبر ما ينشرون، لتفهمنا جزئيا هذا الخير.
إن غياب الحديث عن اللغة العربية العلمية في مثل هذه الندوات إشكالية تتكرر رغم أهمية النقاشات النظرية، ذلك أن غياب أي حديث عن دور اللغة العربية العلمية في هذا المجال كان أمرا لافتا ومفاجئا لأنه يُعد ثغرة حقيقية لعدة أسباب، منها:
1) العربية هي لغة أغلبية التلاميذ والمواطنين: الغالبية الساحقة من المواطنين، والتلاميذ والطلبة، تلقّوا دراستهم الأساسية بالعربية. وبالتالي، لا يمكن للصحافة العلمية، إذا ظلت محصورة في اللغة الفرنسية، أن تحقق هدفها في التثقيف الواسع.
2) وجود صحافة علمية عالمية قوية بالفرنسية والإنكليزية: الوحيد الذي سمعناه يقول في جملة عابرة أن علينا نشر الثقافة باللغات الثلاث هو رئيس الأكاديمية… وهو مشكور على الإشارة إلى ضرورة نشر هذه الثقافة بالعربية أيضا. غير أنّ الجزائر ليست في حاجة إلى إعادة تدوير ما تزخر به المنصّات والصحف الأجنبية المتقدّمة، ثم عرضه باللغات نفسها.
فالمكسب الحقيقي الذي يمكن أن يقدمه الإعلام الوطني يكمن في تطوير صحافة علمية عربية، تُوجَّه مباشرةً إلى جمهور قادر على فهمها والاستفادة منها.
3) مهما قال هذا وذاك، فاللغة ليست أداة تقنية بل أداة تأثير: التواصل العلمي الحقيقي يكون باللغة التي يشعر بها المواطن أنها جزء من هويته وفهمه اليومي. لا يمكن للمعرفة أن تتحوّل إلى ثقافة إلا إذا نُقلت عبر لغة مألوفة لدى الفرد.
4) لا يمكن فصل أي مشروع لتطوير الصحافة العلمية عن قضية اللغة. فالمجتمعات المتقدمة صاغت علومها بلغاتها، ثم ترجمتها للعالم. أما نحن، فلا نزال نتعامل مع اللغة العربية وكأنها غير قادرة على حمل المعرفة العلمية، رغم أن تاريخها مليء بالمصطلحات والإبداعات التي قامت عليها النهضة العلمية القديمة. إن توطين المعرفة يعني تحويلها إلى جزء من الثقافة العامة للمواطن، وهذا لن يتحقق إلا إذا كانت الصحافة العلمية عربية اللغة وواضحة الأسلوب، مع الحفاظ على التفاعل الإيجابي مع لغات العالم.
كنا، ولا زلنا نأمل…
لا ندري بماذا أوصت الندوة عند اختتامها. لكن ذلك لا يمنعنا من الإشارة إلى نقاط نراها مهمة في هذا المسار الذي يسعى إلى تزويد المواطن، مهما كان مستواه، بقسط من الثقافة العلمية تفيده في حياته العلمية وفي غربلة الأخبار العلمية التي تصله عبر مختلف القنوات ووسائل التواصل الاجتماعي:
أ) إدراج مقاييس تعليمية تتناول الصحافة العلمية في كليات الإعلام والاتصال، والجامعات ذات الطابع العلمي والتقني، والمدارس العليا للأساتذة، والمدارس الكبرى للعلوم والهندسة.
ب) إنشاء تخصص أكاديمي في تعميم الثقافة العلمية يجعل المتخرج من هذا التخصص يتقن: تبسيط المفاهيم العلمية المعقدة، التعامل مع المصادر العلمية الرصينة، فهم المصطلحات والتجارب والمعطيات، احترام أخلاقيات الاتصال العلمي، ممارسة الكتابة العلمية باللغة العربية.
ج) إذا كان نصف اليوم الدراسي خطوة في الاتجاه الصحيح، فإنه يحتاج إلى أن يُستكمل بخطط أوسع وأعمق، تشمل: 1) إنشاء منصات ومجلات عربية للصحافة العلمية؛ 2) دعم الترجمة العلمية بشكل مستمر؛ 3) تكوين صحفيين متخصصين في العلوم؛ 4) تشجيع الباحثين على كتابة مقالات مبسطة؛ 5) إدماج الثقافة العلمية في المدارس؛ 6) الشراكة بين الجامعات ووسائل الإعلام والمؤسسات العلمية ضرورية لبناء جسر حقيقي بين المعرفة والجمهور.
لقد أبرز نصف اليوم الدراسي الذي أشرفت عليه أكاديمية العلوم حاجة المجتمع الملحّة إلى إعلام علمي قوي، لكنه في الوقت نفسه أظهر ضرورة العمل أكثر على جانب اللغة وعلى تكوين الكفاءات بها. فالمعرفة لا تصبح قوة إلا إذا وصلت إلى الناس بلغتهم؛ والعلم لا يصير ثقافة إلا إذا تمت ترجمته إلى لغة المجتمع؛ وبناء صحافة علمية وطنية يبدأ دائما من اختيار اللغة التي يفهمها الجميع، وتكوين الأشخاص القادرين على تبسيط المعرفة، وتوفير فضاءات إعلامية مسؤولة. وبذلك فقط يمكن للصحافة العلمية أن تتحول من مبادرة ظرفية إلى مشروع ثقافي وطني شامل، يخدم التلاميذ والطلبة والمواطنين، ويرفع مستوى الوعي العلمي في المجتمع.
كنا، ولازلنا، نأمل أن يعلن السيد وزير الاتصال مثلا عن إطلاق مسابقة وطنية لأفضل مقال علمي بالعربية، أو عن دعم مالي للصحف التي تفتح صفحة علمية أسبوعية، أو عن شراكة مع مجلات علمية عالمية لترجمة موادها إلى العربية، أو عن برنامج تكويني للصحفيين في كتابة العلم بالعربية مع متخصصين في الترجمة العلمية.
نأمل أن تكون النشاطات القادمة أكثر جرأة وأكثر واقعية، وأن نرى قريبا مجلة علمية تعميمية باللغة العربية تصدرها الأكاديمية لتكون مثلا يقتدى به الاعلام الوطني.