وتستمر الحياة ..
الظروف الاستثنائية التي نعيشها اليوم إثر مرض الرئيس وغيابه الطويل عن الأنظار، وتضارب الأخبار بشأن حالته الصحية لا تختلف تماما عن تلك الظروف العصيبة التي عاشتها الجزائر المستقلة على مدى خمسين عاما، وتجاوزناها بفضل الله ثم الرجال والتزام الشعب منذ الأيام الأولى للاستقلال التي شهدت صراعا مريرا على السلطة بين الإخوة الفرقاء انتهى بما سمي بالتصحيح الثوري الذي أطاح بالرئيس الراحل أحمد بن بلة سنة 1965، وتقبله الشعب بكل التزام واحترام رغم تعلقه برئيسه آنذاك!! وبعد أكثر من عقد من الزمن حلت بنا محنة وفاة الرئيس الراحل هواري بومدين سنة 1979 وتجاوزها الشعب أيضا بصبر وثبات والتزام رغم قيمة الرجل ومحبة شعبه له، ورغم الغموض الذي اكتنف حالته الصحية آنذاك، وهو في عز شبابه، ثم جاءت بعدها محنة الصراع الخفي على خلافة بومدين والذي انتهى بانتخاب الراحل الشاذلي بن جديد رئيسا في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة أدت إلى اندلاع أحداث أكتوبر 1988، ثم استقالته سنة 1992.
التبعات والمتاعب والتداعيات تفاقمت على بلد فتي وشعب صبور حلت به محنة أكبر باغتيال المرحوم محمد بوضياف أمام أنظاره وعلى المباشر في عشرية سوداء لم يُرَ لها مثيل في تاريخ البشرية، ومع ذلك خرج الشعب الجريح سنة 1995 لينتخب ليامين زروال رئيسا لم يكمل عهدته، وانسحب سنة 99 بحجة فسح المجال للتداول على السلطة وهي سابقة لا تحدث سوى نادرا في الدول النامية!! .
تحديات ومحن الجزائر والجزائريين سياسيا وأمنيا واقتصاديا واجتماعيا لم تتوقف على مدى خمسين عاما، واستمرت منذ بداية الألفية بأوجه ودرجات مختلفة لو عرفتها بلدان أخرى من الدول النامية لانهارت مؤسساتها وتحطم شعبها وذهب ريحها .. لكن الدولة بقيت قائمة والشعب صامدا والحياة مستمرة بحلوها ومرها وكأن شيئا لم يكن رغم التداعيات والآثار السلبية التي خلفتها كل المحن وخاصة محنة مرض الرئيس بوتفليقة وغيابه عن الأنظار لأكثر من شهر، مما فسح المجال لظهور بوادر نفاق سياسي وخبث اجتماعي في التعاطي مع الأمر ينذر بفساد أخلاقي عند بعض صناع الرأي وتراجع للقيم والمبادئ عند البعض الآخر من الفاعلين.
النفاق والخبث والفساد كان له وقعه على معنويات الناس، وانعكاساته السلبية على بعض المؤسسات، وزاده تعقيدا نقص المعلومات وغياب الشفافية والمصداقية وكثرة الإشاعات بشأن مرض الرئيس وطول غيابه الذي يعتبره البعض محنة لا يصل حجمها إلى مستوى المحن والآلام السابقة التي عشناها منذ الاستقلال، ويمكن تجاوزها مع الوقت والحفاظ على توازن المجتمع واستقراره..
البعض الآخر يعتقد بأن ظهور وحضور الرئيس في جزائر اليوم لم يعد يختلف عن غيابه واختفائه، ولم يعد يؤثر على الأحداث مثلما كان سابقا لأن للدولة رجال ومؤسسات وتقاليد وتجارب، والمحن التي ألمت بالشعب علمته الالتزام والصبر والثبات.. ولكن هذه الدولة ذاتها يفترض أن تقوم بدورها مع شعبها لأن الطبيعة تكره الفراغ، والشعب من جهته بحاجة إلى أن نحترم ذكاءه وصبره وكرامته وكبرياءه من خلال التواصل معه ومصارحته وإعلامه بالحالة الصحية لرئيسه، وكيف ستكون الآفاق لأن الحياة لن تتوقف وستستمر مع بوتفليقة أو بدونه مثلما استمرت بعد بن بلة وبومدين والشاذلي وبوضياف وزروال!!