-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
عائلات تعتمد خارطة جديدة للعطل

وجهات جبلية وحموية تتحول إلى ملاذات صيفية بديلة للشواطئ

مامن.ط
  • 100
  • 0
وجهات جبلية وحموية تتحول إلى ملاذات صيفية بديلة للشواطئ
ح.م
تعبيرية

بمجرد أن تبدأ درجات الحرارة، في الارتفاع بولايات الجنوب الشرقي، خاصة بسكرة، ورقلة والوادي، تتجه بوصلة آلاف العائلات نحو ولاية خنشلة، التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى واحدة من أبرز وجهات السياحة الداخلية، خلال فصل الصيف، فبعيدًا عن صخب المدن الساحلية، واكتظاظ الشواطئ، يجد الزائر في خنشلة ما يبحث عنه من هواء عليل، وطبيعة آسرة، وأمن وهدوء، إلى درجة أن الكثيرين أصبحوا يطلقون عليها لقب شاطئ الجنوب، أو البحر الذي لا ماء فيه.

ومنذ الأيام الأولى لشهر جويلية، تشهد البلديات الشمالية للولاية، وعلى رأسها مدينة خنشلة، الحامة، أنسيغة، والمحمل، حركة غير عادية، حيث تتوافد السيارات تباعًا محملة بالعائلات القادمة من ولايتي بسكرة والوادي، إضافة إلى زوار من ولايات جنوبية أخرى، لقضاء عطلة الصيف، في أحضان جبال الأوراس، هربًا من درجات حرارة تتجاوز في مناطقهم 45 و50 درجة مئوية.

زخم صيفي بحمام الصالحين
أول ما يبحث عنه الزائر عند وصوله هو مكان للإقامة، لذلك تعرف السكنات الريفية، المنتشرة عبر مختلف بلديات الولاية، أو السكنات الأرضية، بالأحياء الشعبية الكبيرة، كحي الأوراس، 344 سكن، الكاهنة، إقبالًا كبيرًا، بعدما حولها أصحابها إلى فضاءات تستجيب لمتطلبات العائلات الباحثة عن الهدوء والخصوصية، حيث أكد أصحاب هذه السكنات أن الحجوزات أصبحت تبدأ قبل حلول موسم الصيف، وأن نسبة الإشغال تبلغ ذروتها خلال شهري جويلية وأوت، في مؤشر واضح على المكانة التي أصبحت تحتلها خنشلة في خارطة السياحة الداخلية.
وإذا كان لكل مدينة معلمها الذي يميزها، فإن حمام الصالحين يبقى دون شك الواجهة السياحية الأولى لولاية خنشلة، فمنذ الصباح الباكر وإلى ساعات متأخرة من الليل، تعرف المنطقة حركة دؤوبا للعائلات التي تقصد الحمام الروماني التاريخي، وتستمتع بالمياه المعدنية، والفضاءات الخضراء، والمطاعم والمقاهي المنتشرة بالمكان ولم يعد الموقع مجرد معلم أثري، بل أصبح فضاءً عائليًا متكاملًا، يجمع بين التاريخ والسياحة والاستجمام، ويستقطب الزوار من مختلف الأعمار، كما يحتل حمام لكنيف المرتبة الثانية من حيث الإقبال، لما يوفره من أجواء هادئة وطبيعة خلابة، جعلته محطة لا يمكن تجاوزها ضمن برنامج الزائر.

جبال شلية… برودة تنعش الأرواح
ولا يكتمل برنامج الزائر دون رحلة نحو مرتفعات شلية، أعلى قمم الأوراس، حيث تنخفض درجات الحرارة بشكل لافت، ويستمتع الزوار بالغابات الكثيفة والمناظر الطبيعية الساحرة، كما تعرف عدة مواقع طبيعية أخرى إقبالًا معتبرًا، إلى جانب الحدائق العمومية والمنتزهات العائلية، خاصة منتزه طريق باتنة ومنتزه الإخوة بالناجي بحمام الصالحين، التي توفر فضاءات للراحة وألعابًا للأطفال، فضلًا عن خدمات الإطعام والمشروبات والجلسات العائلية، بالإضافة إلى الطريق الاجتنابي الجديد، الذي تحول لسنوات، إلى شاطئ وهمي حقيقي، تحج إليه العائلات حتى الخنشلية ليلا، لقضاء أوقاتها مع نسمات نقية، وبرودة رائعة.
في حديثه إلينا، يقول عبد القادر، رب أسرة، قدم من إحدى بلديات بسكرة: نزور خنشلة كل صيف منذ سنوات، عندما تبلغ الحرارة في بسكرة مستويات مرتفعة، لا نجد أفضل من هذه الولاية. نستأجر منزلًا ريفيًا، ونقضي عدة أيام وسط الطبيعة والهدوء، بالنسبة إلينا، خنشلة هي البحر، طبعا قبل أيام أخرى شهر سبتمبر إلى الولايات الساحلية.
أما سليم، القادم من إحدى بلديات الوادي، فيقول، البحر بعيد ومكتظ، بينما هنا نجد الراحة والأمن والأسعار المناسبة، الأطفال يستمتعون بالحدائق وبالجبال أكثر مما يستمتعون بالشاطئ، وتضيف السيدة أمينة، وهي تتجول مع عائلتها بحمام الصالحين، أكثر ما يعجبنا هو كرم أهل خنشلة، ونظافة الأماكن وتوفر كل ما تحتاجه العائلة. لذلك، أصبحنا نعتبر هذه الولاية وجهتنا الصيفية الدائمة.
ولم يقتصر أثر هذا الحراك على الجانب السياحي فقط، بل امتد إلى الاقتصاد المحلي، حيث تعرف المطاعم والمقاهي ومحلات الحلويات والأسواق والمحلات التجارية انتعاشًا ملحوظًا، كما ترتفع مداخيل أصحاب السكنات الريفية ووسائل النقل والأنشطة الترفيهية. ويؤكد العديد من التجار أن موسم الصيف أصبح موعدًا ينتظرونه كل عام، لما يحققه من حركية اقتصادية تعود بالنفع على مختلف الفاعلين.

أهل خنشلة… كرم الضيافة علامة مميزة
من جهتهم، لم يعد سكان خنشلة ينظرون إلى الزوار باعتبارهم مجرد مصطافين، بل أصبحوا ضيوفًا دائمين، لذلك يسارع الكثيرون إلى تجهيز السكنات، وتحسين الخدمات، وتوفير كل ما يحتاجه الوافدون، في صورة تعكس أصالة سكان الأوراس وكرمهم المعروف، ويؤكد عدد من المواطنين أن نجاح السياحة الداخلية لا يقوم فقط على جمال الطبيعة، وإنما أيضًا على حسن الاستقبال، وهو ما جعل الكثير من العائلات تعود إلى خنشلة عامًا بعد عام، بل وتدعو أقاربها وأصدقاءها إلى اكتشافها.
ولم يكن المناخ المعتدل والطبيعة الساحرة، وحدهما وراء الإقبال المتزايد على ولاية خنشلة، بل أجمع العديد من الزوار على أن الشعور بالأمن والطمأنينة يعد من أبرز الأسباب التي تدفعهم إلى اختيار الولاية لقضاء عطلتهم الصيفية سنة بعد أخرى، فبمجرد التجول عبر شوارع مدينة خنشلة أو مختلف البلديات التي تشهد حركية سياحية، يلفت الانتباه الانتشار المكثف لعناصر الأمن الوطني في الساحات العمومية، والحدائق، والمواقع السياحية، إلى جانب الدوريات الراجلة والراكبة التي تسهر على تأمين تنقلات المواطنين والزوار، وتقديم المساعدة والإرشاد عند الحاجة، كما يبرز الحضور الدائم لوحدات الدرك الوطني عبر مختلف المحاور والطرقات الوطنية والولائية، الواقعة ضمن اختصاصها الإقليمي، حيث تساهم نقاط المراقبة والدوريات المتنقلة في ضمان انسيابية حركة المرور، وتأمين مستعملي الطريق، وهو ما يبعث الارتياح في نفوس العائلات القادمة من خارج الولاية.
من خلال الأحاديث التي جمعتنا بعدد من العائلات المتوافدة من ولايات ورقلة والوادي وبسكرة، اتضح أن الكثير منها أصبح يغيّر عاداته في قضاء العطلة السنوية، بعدما أصبحت خنشلة خياره الأول خلال أشهر الصيف، فيما يؤجل التوجه إلى المدن الساحلية إلى غاية شهر سبتمبر، تزامنًا مع بداية فصل الخريف وانخفاض درجات الحرارة وتراجع الاكتظاظ على الشواطئ، وتعكس هذه الأحاديث التحول اللافت الذي تشهده السياحة الداخلية بالجزائر، حيث باتت ولاية خنشلة تفرض نفسها كوجهة صيفية مفضلة لآلاف العائلات القادمة من ولايات الجنوب، حتى أصبح الكثيرون يعتبرونها شاطئ الجنوب أو البحر الأخضر، الذي يمنحهم الانتعاش بعيدًا عن رمال الصحراء، فيما تبقى الشواطئ الساحلية خيارًا مؤجلًا إلى ما بعد انقضاء ذروة الحر.
ورغم كونها ولاية داخلية، نجحت خنشلة في أن تفرض نفسها كوجهة صيفية مميزة، بفضل جبالها الشامخة، وغاباتها، وحماماتها المعدنية، ومواقعها الأثرية، ومناخها المعتدل، لتؤكد أن السياحة ليست مرتبطة بالشواطئ فقط، بل بما توفره الوجهة من راحة وجمال وأمن وحسن استقبال. ومع استمرار تزايد أعداد الزوار عامًا بعد آخر، يرى كثيرون أن المرحلة المقبلة تستدعي مضاعفة الاستثمار في الهياكل السياحية، وإنجاز إقامات عائلية ومنتجعات جديدة، وتطوير الفضاءات الترفيهية، حتى تواصل خنشلة ترسيخ مكانتها كواحدة من أهم وجهات السياحة الداخلية في الجزائر.
وبين لهيب الصحراء ونسيم الأوراس… تبقى خنشلة الوعد الذي يتجدد كل صيف، والوجهة التي يكتشف فيها الزائر أن أجمل الشواطئ قد تكون أحيانًا بلا بحر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!