-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
بيتزا بالصراصير... لحوم وأسماك فاسدة وجبن متعفن

ماذا يحدث خلف أبواب محلات الإطعام؟

سمير مخربش
  • 130
  • 0
ماذا يحدث خلف أبواب محلات الإطعام؟
ح.م

كلما ارتفعت درجات الحرارة إلى مستويات تزيد من مخاطر تلف المواد الغذائية سريعة الفساد، يجد المستهلك نفسه أمام سؤال أكثر إلحاحا من مجرد اختيار وجبة شهية: ماذا يحدث فعلا خلف أبواب المطاعم ومحلات القصابة وبيع الأسماك؟ ففي الوقت الذي لا يرى فيه الزبون سوى واجهة نظيفة وطبقا يقدم إليه في دقائق، يسلب النظر قبل الذوق، قد تختبئ في الخلف ظروف تخزين ونظافة لا علاقة لها بما يفترض أن يكون عليه مكان يقدم الطعام للناس.
لتسليط الضوء على هذه الظاهرة، كانت لنا عينة من ولاية سطيف، التي تشكل صورة مصغرة لما يحدث في العديد من المحلات عبر التراب الوطني، حيث تطفو قضية النظافة داخل محلات الإطعام والتجارة الغذائية إلى الواجهة بقوة، ليس فقط بسبب تدخلات الرقابة التي تكشف بين الحين والآخر عن كميات معتبرة من المواد غير الصالحة للاستهلاك، وإنما أيضا بفعل شكاوى وشهادات مواطنين تكشف عن ممارسات صادمة داخل بعض المحلات.
آخر الوقائع التي أثارت موجة واسعة من الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي، كانت رواية مواطنة من سطيف قالت إنها عثرت منذ أيام فقط على صرصور داخل بيتزا طلبتها من أحد المطاعم المعروفة بالمدينة، وقالت إنها ربما تناولت جزءا من الحشرة قبل أن تنتبه إلى وجودها في الوجبة.
الحادثة التي انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي أثارت استياء واسعا بين المتابعين، خصوصا أن الأمر يتعلق بوجبة جاهزة كان يفترض أن تخضع لمعايير صارمة من النظافة قبل أن تصل إلى المستهلك. وحسب رواية المواطنة، فقد احتجت على إدارة المحل، في وقت حاول فيه القائمون عليه في البداية تجاوز الحادثة ونفي ما وقع، قبل أن ينتهي الأمر بتنازلهم عن ثمن البيتزا، في خطوة جاءت بعد تصاعد الغضب والاحتجاج.
وبغض النظر عن تفاصيل الواقعة التي تبقى مرتبطة برواية صاحبتها وما تم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهي قابلة للتصديق والعكس، فإنها تطرح سؤالا جوهريا حول ما لا يراه المستهلك داخل المطابخ، وحول مدى احترام بعض المطاعم للقواعد الأساسية المتعلقة بالنظافة ومكافحة الحشرات وتنظيف أواني التحضير وطاولات العمل ومخازن المواد الأولية.
فالصرصور في حد ذاته ليس مجرد حادثة مقززة بالنسبة للمستهلك فقط، وإنما مؤشر محتمل على وجود خلل في شروط النظافة والمكافحة الصحية، خصوصا إذا كانت الحشرات قادرة على الوصول إلى أماكن إعداد الطعام أو إلى المواد التي تدخل مباشرة في تحضير الوجبات.
لكن قصة البيتزا ليست سوى الجزء الظاهر من مشكلة أكبر، تكشفها عمليات الرقابة الميدانية التي تقوم بها مصالح التجارة وحفظ الصحة بسطيف، حيث تظهر في كل مرة مواد غذائية كان من المفترض ألا تصل أصلا إلى موائد المستهلكين.

وجبة جذابة تحضّر في مطبخ “ملغم”


في عز الصيف، تتحول الحرارة من مجرد عامل مناخي مزعج، إلى عنصر إضافي في معادلة سلامة الغذاء، فاللحوم، والأسماك، واللحوم المفرومة، والجبن، والبيض، والصلصات، وغيرها من المواد الحساسة، تحتاج إلى شروط حفظ دقيقة، وأي خلل في درجات الحرارة أو انقطاع في التبريد أو سوء في التخزين قد يسرع من فسادها ويزيد من خطر نمو الجراثيم.
وهنا تكمن الخطورة الأكبر في أن بعض هذه المواد قد تظل معروضة للبيع أو الاستعمال داخل المطابخ من دون أن يكتشف المستهلك فسادها، خاصة عندما يكون الزبون بعيدا تماما عن عملية التخزين والتحضير، ولا يملك وسيلة لمعرفة مصدر المادة أو تاريخ تخزينها أو درجة الحرارة التي حفظت فيها.
وتصبح المخاطر أكبر داخل المطاعم التي تعتمد على كميات كبيرة من المواد الأولية، خصوصا مع ارتفاع الطلب على البيتزا والشاورما والهامبرغر والشاباتي والسندويتشات والوجبات التي تدخل في تحضيرها اللحوم المفرومة والجبن والبيض والصلصات والأسماك.
وفي الوقت الذي قد تبدو فيه الوجبة جذابة أمام الزبون، فإن المطبخ قد يخفي وراءه أوان متسخة، وطاولات تحضير غير نظيفة، ومواد محفوظة خارج درجات التبريد المطلوبة، وهو ما يجعل النظافة داخل هذه الفضاءات شرطا أساسيا لا يمكن التعامل معه على أنه مسألة شكلية.
وما تكشفه فرق الرقابة في الميدان يعطي صورة أكثر وضوحا عن حجم المشكل، ففي ليلة الأربعاء 29 جويلية 2026، قامت فرق قمع الغش التابعة لمديرية التجارة لولاية سطيف بعملية رقابية على مستوى أحد المطاعم ببلدية سطيف، أسفرت عن حجز وإتلاف 120 كيلوغراما من الجبن المبشور غير الصالح للاستهلاك. وتأتي هذه العملية ضمن عمليات الرقابة التي تستهدف مدى احترام شروط حفظ وتخزين وعرض المواد الغذائية والتأكد من صلاحيتها للاستهلاك، قبل استدعاء المعني بالأمر لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة وفق التشريع والتنظيم المعمول بهما.
لكن الرقم الأكثر إثارة للقلق ظهر خلال عملية رقابية أخرى استهدفت أحد المطاعم ليلة الاثنين 27 جويلية 2026، حيث تمكنت فرق قمع الغش من حجز وإتلاف 200 كيلوغرام من مختلف أنواع الأسماك، إلى جانب 3 كيلوغرامات من اللحوم المفرومة و1 كيلوغرام من الكريمة بالجبن.
وإذا كانت هذه الكميات قد أخرجت من دائرة الاستهلاك قبل وصولها إلى موائد الزبائن، فإن مجرد وجودها داخل مطعم موجهة للاستهلاك يطرح أكثر من سؤال حول شروط التخزين والمراقبة الداخلية، وحول المدة التي ظلت خلالها هذه المواد داخل المحل قبل تدخل أعوان الرقابة.

الساطور لا يقطع اللحم فقط… قصابات ترفعه في وجه المستهلك


لا تتوقف المخاطر عند المطاعم، فمحلات القصابة وبيع اللحوم تشكل بدورها نقطة حساسة خلال فصل الصيف، بالنظر إلى طبيعة المواد التي تتعامل معها وسرعة تأثرها بظروف التخزين ودرجات الحرارة.
في حي كعبوب بمدينة سطيف، كشفت عملية رقابية قامت بها لجنة تابعة لمديرية حفظ الصحة والنظافة العمومية لبلدية سطيف بالتنسيق مع المصالح الأمنية، عن حجز قرابة أربعة قناطير من اللحوم غير الصالحة للاستهلاك البشري لدى أحد الجزارين.
ووفق المعطيات المتوفرة، بلغت الكمية المحجوزة 322 كيلوغراما من اللحوم الحمراء التي كانت متغيرة اللون والرائحة وغير مدموغة، إلى جانب 180 بيضة محفوظة في ظروف غير صحية، بما يمثل خطرا مباشرا على صحة المستهلك. هذه الكمية لا تعكس مجرد مخالفة بسيطة، وإنما تكشف عن خطورة وصول منتجات حيوانية إلى مسار الاستهلاك وهي في وضعية لا تستجيب للشروط الأساسية التي يفترض توفرها في الأغذية المعروضة للمواطنين.
والأخطر أن المستهلك العادي لا يستطيع في كثير من الأحيان اكتشاف كل مظاهر الفساد، لأن تغيّر الرائحة أو اللون قد يكون واضحا في بعض الحالات، بينما قد لا تكون علامات التلف ظاهرة بالقدر نفسه في حالات أخرى، ما يجعل مسؤولية التاجر أكبر، ويجعل الرقابة الصحية عنصرا حاسما في حماية المستهلك.
أما محلات بيع الأسماك، فتبدو أكثر حساسية خلال أيام الحر، بالنظر إلى سرعة تأثر الأسماك بدرجات الحرارة، والحاجة الدائمة إلى احترام سلسلة التبريد، وتوفير شروط النظافة المناسبة أثناء العرض والتنظيف والتخزين.
ولهذا، فإن حجز 200 كيلوغرام من مختلف أنواع الأسماك، إلى جانب لحوم مفرومة وكريمة بالجبن، يعكس حجم المسؤولية الملقاة على أصحاب هذه المحلات في مراقبة المواد التي تُعرض للزبائن.

الرقابة في الميدان… لكن محاصرة الخطر مسؤولية الجميع


وفي مقابل هذه المظاهر، كشف رشيد حمادي، مدير التجارة لولاية سطيف في تصريح لـ”الشروق اليومي”، أن فرق قمع الغش التابعة للمديرية تتحرك عبر خرجات رقابية متواصلة تستهدف المطاعم ومختلف مؤسسات الإطعام، إلى جانب المحلات التي تتعامل مع اللحوم والأسماك والمواد الغذائية سريعة التلف.
وتركز هذه العمليات على شروط النظافة، ومدى احترام قواعد الحفظ والتخزين والعرض، والتأكد من صلاحية المنتجات للاستهلاك، مع حجز وإتلاف المواد التي تشكل خطرا على الصحة، وإحالة المخالفين على الإجراءات القانونية اللازمة.
وتأتي هذه العمليات في وقت تزداد فيه أهمية المراقبة بفعل ارتفاع درجات الحرارة، التي تجعل أي تهاون في احترام شروط الحفظ أكثر خطورة، خاصة بالنسبة للحوم والأسماك والبيض ومشتقات الحليب والجبن واللحوم المفرومة والكريمات والصلصات.
وحسب الدكتور عبد الوهاب علياط، المختص في التغذية، فإن “الارتفاع الكبير في درجات الحرارة خلال فصل الصيف يجعل الأغذية سريعة التلف أكثر حساسية لأي خلل في شروط التخزين والحفظ”.
ويوضح المختص أن “الحرارة المرتفعة لا تعني بالضرورة أن الغذاء سيفسد مباشرة، لكنها توفر ظروفا تساعد على تكاثر عدد من الكائنات الدقيقة عندما تُترك المواد الغذائية خارج درجات الحرارة المناسبة أو تنقطع عنها سلسلة التبريد لفترات غير محسوبة”، مشددا على أن “المشكلة تصبح أكبر عندما يتكرر فتح وغلق أجهزة التبريد أو يحدث انقطاع للتيار الكهربائي من دون اتخاذ إجراءات للحفاظ على المواد الحساسة”.
ويضيف محدثنا أن اللحوم المفرومة والأسماك والجبن والكريمات والبيض من أكثر المواد التي تتطلب عناية خاصة، لأن تعرضها لدرجات حرارة غير مناسبة لفترات طويلة قد يرفع مخاطر التلوث الميكروبي، مشيرا إلى أن “المستهلك لا يستطيع دائما اكتشاف الخطر بمجرد النظر إلى الطعام أو شمه، إذ قد تكون بعض الأغذية ملوثة من دون أن تظهر عليها علامات فساد واضحة”.
ويحذر المختص بشكل خاص من الممارسات التي قد تبدو بسيطة، لكنها تحمل مخاطر كبيرة، مثل ترك اللحوم أو الأسماك خارج التبريد، أو إعادة تجميد المواد بعد ذوبانها، أو الاحتفاظ بالكريمات والصلصات والمنتجات التي تحتوي على البيض في درجات حرارة غير مناسبة، أو استعمال مواد أولية مشكوك في صلاحيتها بدل إتلافها.
ويؤكد المختصون أن المسؤولية تقع أيضا على المستهلك في اختيار المحل، والانتباه إلى ظروف عرض الأغذية، وتجنب اقتناء المنتجات التي تبدو محفوظة في ظروف غير مناسبة أو تحمل علامات تلف واضحة، وعدم التغاضي عن الممارسات غير الصحية.
فما يبدو للزبون مجرد طبق قد يخفي وراءه سلسلة كاملة من عمليات الشراء والنقل والتخزين والتحضير، وأي حلقة فاسدة فيها قد تنتهي في النهاية داخل معدته.
ولعل أكثر ما يجعل هذه الوقائع خطيرة، أن ضحايا التسممات الغذائية لا يعرفون في الغالب أن المادة التي تناولوها كانت فاسدة إلا بعد ظهور الأعراض. وفي كثير من الحالات تبدأ القصة بآلام في البطن ودوار وتقيؤ وإسهال، قبل أن تتطور الأوضاع في الحالات الخطيرة إلى مضاعفات تستدعي العلاج في المستشفى.
ومن هنا، فإن الكميات المحجوزة ليست مجرد أرقام في محاضر الرقابة، وإنما مواد كان يمكن أن تجد طريقها إلى بطون المواطنين لولا وصول أعوان الرقابة إليها في الوقت المناسب.
ففي الصيف، حيث الحرارة المرتفعة والطلب المتزايد على الوجبات الجاهزة، لا تحتاج حماية صحة المواطن إلى حملات موسمية فقط، وإنما إلى ثقافة دائمة تبدأ من المطبخ، وتمر عبر التخزين والنقل والعرض، وتنتهي عند المستهلك.
لأن الخطأ داخل مطعم أو قصابة أو محل لبيع الأسماك قد لا ينتهي بمجرد وجبة سيئة، وإنما قد يتحول إلى مأساة صحية يدفع ثمنها شخص لا ذنب له سوى أنه وثق في طعام قُدم إليه على أنه آمن.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!