وجوه سياسية ثقافية وفنية تروي قصتها مع “الموسطاش”
“الموسطاش” كلمة كانت ولا تزال تشعر أي رجل جزائري يوصف بها، وكأنه يملك نواصي الرجولة والقيادة، وأنه صاحب هيبة ووقار، فيعتني بشاربه حرصا على رجولته.. والموسطاش، هو التعبير الذي يستعمله الجزائريون في الحديث عن الرئيس الراحل هواري بومدين، كناية عن مكانته وقيمته الاجتماعية والتاريخية والسياسية، ولكنها تبقى مرتبطة ذهنيا بصورة الشارب أو”الشلاغم”..
وإن بدأت تسود قناعة أن”الموسطاش” مجرد شكل وأن ثمة صفات جوهرية في شخصية الرجل تجعله يتميز بالرجولة والشهامة، فهناك جزائريون يعتبرون الشارب صفة لصيقة بالوجه وعلاقة حب ومورثا ثقافيا عائليا لا يمكن التخلي عنه مهما كانت الأسباب، لدرجة أنهم يقسمون بحلق”الشلاغم” لو لم يوفوا بعهدهم!.. في مقابل ذلك ظهرت فئة شبابية، وجدت في الشارب مواكبة لموضة جديدة روجت لها المسلسلات التركية والدراما السورية.
ويبدوا أن السوق هي الأخرى، في ظل ارتفاع الأسعار، روجت لـ”الموسطاش”، حيث باتت الكثير من المواد الغذائية لديها “شلاغم” على حد التعبير المجازي للكثير من الجزائريين!.. يقال “الجمبري بشلاغمو.. والسلعة الفلانية بشلاغمها”، وفي جميع الأحوال فإن ذلك يؤكد لامحال الصورة الذهنية في العقلية الجزائرية بأن الشارب قيمة اجتماعية.
سياسيون ورجال أمن وفنانون، وشعراء جزائريون، صدقوا ما عاهدوا أنفسهم عليه، وما بدلوا “المسطاش” تبديلا، وكانت بينهم وبينها حكاية عشق وذكريات ومواقف طريفة كشفوا عنها للشروق.
هواري بومدين والشاذلي.. وزمن”الموسطاش”

هناك قصص وإن نسمعها من أفواه أصحابها لأنهم رحلوا عن الدنيا، إلا أنها بقيت راسخة في أذهان الأصدقاء ومن عايشوا عصرهم، تؤكد أن الشارب كان فعلا رمزا للرجولة وثقافة اجتماعية شعبية، حيث يكشف مستشار الرئيس الراحل هواري بومدين، الدكتور محي الدين عميمور، قائلا “إن هواري بومدين لم يكن يحتفظ في شبابه بشاربه، ولكن تغير بالنسبة له الأمر عندما التحق بجيش التحرير”، وأوضح أن الراحل لم يكن يربط الشارب بقيمة الرجولة فلقد كان يعتبر ذلك مزاجا شخصيا، فكان هناك من مساعديه من لا يحتفظ بشاربه ومنهم من يترك العنان للحيته، وأضاف الدكتور عميمور أن هواري بومدين رغم احتفاظه خلال رئاسته بـ”الشلاغم”، إلا أنه لم يتحدث عنهم في أي حال من الأحوال.
وأكد عميمور أن تسميته لكتابه الذي يتحدث فيه عن شخص الرئيس بـ”الموسطاش”، هو تعبير يستعمله شعبنا، عند الحديث عن هواري بومدين.

وللرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، حكاية طريفة مع “الموسطاش”، ففي بداية الثمانينات وبعد توليه رئاسة الجمهورية بعامين،حدث وأن حلق شاربه فأصبح حديث المقاهي، وتحولت “شلاغم” الشاذلي رحمة الله عليه مادة دسمة بين أصحاب النكتة.
عميمور.. أزال شاربه المعوج فثارت ضده العائلة

للدكتور محي الدين عميمور مستشار الرئيس الراحل هواري بومدين، وزير الثقافة الأسبق، حكاية مع الشارب، كشف عنها للشروق، حيث يقول إن “الموسطاش” كان فعلا يرمز للرجولة في الأيام الخوالي الطيبة، والرجولة هنا تعني حسبه قيمة معينة وليس مجرد هرمونات ذكرية وأجهزة تناسل، ومن هنا فعندما يقال “الرجال قوامون على النساء” لا يعني هذا أن “الذكور” أهم من “الإناث”، بل يعني تحمل المسؤولية، ويضيف “إن معظم أبناء جيلي احتفظوا بشلاغمهم طيلة حياتهم”، وتذكر أنه عندما كان سفيرا في باكستان بين سنتي 1989،و1992 أساء استعمال آلة الحلاقة فاضطر إلى إزالة شاربه المعوج، وأرسلت صورة بدون “موسطاش” إلى الأسرة في الجزائر، وكانت يؤكد “مندبة كبيرة وسط العائلة”، ومنذ ذلك اليوم لم يتخل الدكتور محي الدين عميمور عن شاربه.
وللبرلماني عبدي موسى نظرة الأستاذ المدرس في المسطاش

وقال النائب عن جبهة التحرير الوطني، موسى عبدي، الذي أثار ضجة إعلامية حول قضية تجريم الاستعمار ومناقشتها في البرلمان، إن الشنب فيه هيبة، وأنه كان محتما على الظهور بها وهو أستاذ في الجامعة، حتى يفرض هيبته، يبتسم ويضيف “كان عمري 23 سنة حينها تخرجت من الجامعة وبدأت التدريس في معهد التاريخ، ومنذ ذلك الوقت ليومنا هذا باتت المسطاش جزاء من وجهي”. ويرى أن الشيب جعلها أقل جاذبية من ذي قبل، وهذا ما جعل زوجته تلح عليه لسبغها لكنه رفض.
جليد ألمانيا يرغب العزوني على حلق شاربه.. ويعتبرها أول وآخر مرة

ولا يتصور السيد محمد العزوني، خبير أمن الطرقات، المشهور بـ”الشرطي المخفي”، نفسه دون شارب وقال بلهجة ساخرة “ماذا تركت لنا النساء اليوم؟!.. لقد زاحمنا الجنس اللطيف في لبس السراويل وكل شيء، فهل يردن أن يأخذن منا حتى الشلاغم”.!؟
وقال العزوني إنه يعتز كثيرا بشاربه، لأنه يعطيه هيبة، حيث لم يحلقها منذ سن البلوغ، إلا مرة واحدة، وكان حسبه مرغما على ذلك، وكان ذلك في ألمانيا عندما سافر إليها لتكوين خاص بأفراد الشرطة.
ويضيف العزوني، أن جليد ألمانيا حول شعر شاربه لأشبه بأشواك توخز كل من يلمسها “لقد وضعتني في مأزق مع كل من يقبل علي” يقول ضاحكا.
بن زراري: لخضر حمينة أجبرني على حلق شاربي ولن تتكرر

وقال الممثل القدير حسن بن زراري، إن المخرج الراحل لخضر حمينة اضطره لحلق شاربه وكانت المرة الأولى والأخيرة في حياته.
“لقد أجبرت على ذلك لأن دوري لتقمص إحدى شخصيات أفلامه السنيمائية، حتمت علي ذلك، ولكن لن أقبل أبدا على حلق شاربي مهما تطلب الأمر، فلطالما ألحت علي زوجتي في بداية حياتنا الزوجية ورفضت بشدة” يضيف بن زراري.
وكشف لـ”الشروق” عن قصته مع شاربه في شبابه، حيث قال إن الكثير من الحسنوات اللاتي كان يعجب بهن في سن الطيش، اشترطن عليه أن يحلق شنبه، لكنه ورغم تعلقه بهن لم يحقق رغبتهن وكان يعلم جيدا تفضيلهن للرجل حليق الشارب، وأضاف “أرى في شاربي تميزا خاصا، ولا أتصور نفسي دونه”.
جوادي: سخر مني الجميع عندما حلقت شاربي فصرت أعتقد أن ذلك جريمة

للشاعر الجزائري سليمان جوادي ذكرى مع شاربه تعود لسنوات السبعينيات، حينها كان موظفا في الصحافة، حيث قال إنه كان يعتقد وهو مراهق، أن الشارب جزء مهم في وجه الرجل وإحدى صفات الرجولة، فلم يتخل عنه يوما حتى أصبح مسألة تعود”، ويضيف “أتذكر ذات مرة عندما كنت موظفا في الصحافة، جربت وحلقت شاربي وكان ذلك سنة 1977، فتحولت لموضوع سخرية بين زملائي، لقد أحسست حينها أن الدنيا كلها ضدي”.
ويضحك الشاعر جوادي معلقا “حلق شلاغمي أصبح بمثابة جريمة، أشعر أني إذا ارتكبتها سأعاقب عليها فلن أقدم على ذلك أبدا”.
حفلات أروبا تحلق شارب الصادق جمعاوي فتدفعه للندم

قال قائد فرقة البحارة المطرب الصادق جمعاوي للشروق “تخليت عن شلاغمي بسبب حفلات في أروبا، لكن ندمت كثيرا وسأتركها تنمو ولن أكرر غلطتي، لقد أحسست أني بدون سلاح، أو كأن جزءا مهما قطع من وجهي”.
وأكد أنه منذ كان عمره 15سنة، وهو يحتفظ بشكل شاربه، غير أن إلحاح بعض الفنانين الذين طلبوا منه أن يغير من مظهره حتى لا يكون مرفوضا من المشرفين على الحفلات في فرنسا وبعض الدول الأروبية، وهو باللحية و”المسطاش” دفعه لحلقهما ليبدوا أكثر أناقة.
البرناوي .. وحكاية المال العام والشلاغم!

وحكى لنا الشاعر الجزائري سليمان جوادي، واقعة طريفة عن”الشلاغم” كان بطلها المرحوم الشاعر القدير عمر البرناوي رحمة الله عليه، حيث أقدم على حلق شاربه وكان ذلك سنة 1985.
وقال جوادي إن المرحوم كان يعرف بروح الدعابة، وقد رافقه إلى مكتب الزميل كمال عياش، مدير جريدة الشعب سابقا، رحمة الله عليه، فكان محل سخرية وتوبيخ من طرف بعض الأصدقاء الذين كانوا في المكتب، ويضيف جوادي أن تعليقاتهم لم تتوقف حتى ثار البرناوي وقال”يا جماعة الناس تتصرف في أموال الدولة وأنا تصرفت بشلاغمي، أقمتم الدنيا وأقعدتموها”.
خبابة: حبست نفسي ليومين في البيت بسبب”شلاغمي”

من جهته، كشف المحامي والناشط السياسي، عمار خبابة عن حكايته مع “الموسطاش”، قائلا “منذ أن نمت “شلاغمي” بشكل طبيعي لم أفكر قط في حلقها، وأتذكر ذات مرة وأنا طالب جامعي عندما كنت أقوم بتشذيب شاربي شوهت جهة منه، فحبست نفسي يومين كاملين في البيت، في انتظار أن تنمو بشكل معتدل”، وكان الأستاذ خبابة يعلم مسبقا حسب ما أكده لنا، أنه سيتحول لسخرية وتعليقات لاذعة من زملائه “لقد كنا في زمن المسطاش” يقول مضيفا “زوجتي تغضب بشدة عندما أنقص أو أغيّر شكل شاربي، فهي تشجعني كثيرا للحفاظ على شكله الطبيعي والمعتاد”.
مواطن: الموسطاش التزام عائلي أبا عن جد
للجزائري البسيط كلمته في “الموسطاش”، ويعبر عنها رئيس حظيرة في مؤسسة إعلامية خاصة، عمي عبد القادر بن ناصب الذي يقترب من الـ60سنة، حيث قال “إن الشارب شيء مقدس لا يستغني أغلب رجال عائلة بن ناصف عنه حتى الممات”، ويضيف “لو أجبرت على حلق شاربي سأعتبر ذلك عقابا”.
وأكد أنه حافظ على شنبه منذ أن رزق بأول طفل كان لديه حينها 22سنة، وذلك سنة 1982.
“لا أتخيل نفسي دون شنب، إني أرى فيه الرجولة والقداسة وهو ما يراه أغلب أبناء جيلي”.
“الموسطاش” .. مشروع أغنية لكريم مصباحي

قال كريم مصباحي مطرب الأغنية الاجتماعية إن للشارب قيمة إنسانية اجتماعية وإرث عائلي توارثه والده وجده، ويعتز كونه يهتم بشاربه، يضيف “أظن أن ما يميز الرجل عن المرأة اليوم هو الشنب”.
وأشار مصباحي أن لديه حلاق خاص يعتني بتشذيب منتظم ودقيق لأطراف شاربه، حيث يحرص على أن لا يشوهه ويضطر لحلقه، مؤكدا أن موضوع “المسطاش” سيكون فكرة لمشروع أغنية اجتماعية، خاصة بعد أن أصبح الشنب يتسهوي الشباب كموضة جديدة.
موضة جديدة فرضتها المسلسلات التركية
وأكيد أن عمر بطل مسلسل العشق الأسود، الذي تقمص شخصيته الممثل التركي انجين اكيوريك، وكمال بطل المسلسل التركي حب اعمي للممثل بوراك اوزجيفيت، أحدثا هوسا لتميزهما بالشارب، حيث كانت لديهما هيبة ووقار، أثرت حتى على الجنس اللطيف، فباتت الكثير من الهووسات بالمسلسلات التركية يملن للرجال”المسطاش”.
وأوضح، الدكتور يوسف حنطابلي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة البليدة، أن الرموز الثقافية في الوقت الحاضر غير محصورة في ديناميكية المجتمع في حد ذاته، ولم تعد خاصة به، بل بجميع الرموز الإعلامية منها وسائل التواصل الاجتماعي.

وأضاف “في الوقت الحاضر أصبحت الرموز الثقافية غير محصورة في ديناميكية المجتمع في حد ذاته ولم تعد خاصة به بل بجميع الرموز الإعلامية، حيث ارتبط الشارب اليوم بنجوم ومسلسلات تستهوي الشباب”، وقال حنطابلي إن الشباب الجزائري اليوم يبحث عن التماهي، حيث يعتبر شكل أو مظهر معين تعبيرا عن شيء استهواه، وليس شيء جذاب، وبالتالي فإن وسائل الإعلام أصبحت تتحكم في ذوق الفرد، هذا الأخير الذي يستحسن شيئا أو يقبحه ليس تعبيرا عن قناعة ذاتية ولكن عن قناعة قهرية اجتماعية مرتبطة بسياق معين أو تعبير عن ميول مرتبط بوسائل الإعلام والتواصل.
قصة حب مصطفى بيراف مع “الموسطاش” انطلقت مع الخدمة الوطنية

لمصطفى براف رئيس اللجنة الاولمبية الرياضية الجزائرية، نظرته الخاصة في “الشنب”، حيث يقول أنها اختيار شخصي حر ولا يمكن ان نلزم بها باقي أفراد الأسرة والمجتمع، وأضاف “إن الرجولة في القلب والتصرفات والمبادئ والمواقف، لكن “المسوطاش” ميزة خاصة تشعرك بالهيبة وامتلاك إرث معنوي عائلي”.
وكانت الخدمة الوطنية العسكرية وذلك سنة 1976، بداية التزام مصطفى براف، حسب ما أكده للشروق، الظهور بـ”الشنب” لغاية يومنا هذا، حيث لا يتصور نفسه دونه، موضحا أن جده ووالده والمجاهدين والشهداء تميزوا بـ”الموسطاش”، وهو ابسط شيء ورثه عنهم.
وقال في الأخير بروح رياضية عالية “أيها الشباب ألبسوا وتميزوا بمظهر يعجب الناس ويريحكم.. “الموسطاش” ليس ميزة رجولية ولكن قد يليق بالكثير ويضيف لهم تألقا جماليا لا يرتبط بالموضة”.
أشهر الشوارب عبر العالم:
الشارب المربع : أدولف هتلر وشارلي شابلن.
الشارب المتوسط: الشاذلي بن جديد في العهدة الأولى.
الشارب الكث باتجاه الشفة العليا: هواري بومدين.
الشارب المستطيل الكث والمفتول إلى الأسفل: جوزيف ستالين.
الشارب الكث والمفتول إلى أعلى: الإمبراطور غليوم الألماني.
الشارب الكث والمفتول إلى أعلى مع لحية: القيصر رومانوف الروسي.
الشارب المستطيل الرقيق: الفنان والممثل المسرحي المصري أحمد وهبي.
الشارب المعالج المعقوف إلى أعلى: الملك فاروق والملك فؤاد.
الشارب المعالج بالشمع والمعقوف إلى أعلى: هيركول بوارو (شخصية روائية لأغاثا كريستي).
الشارب الكثيف المشوش ألبرت إينشتاين.