“وحشية قرننا”… حين تسقط الأقنعة ويظهر العالم على حقيقته
قراءة تأسيسية بين السطور في كتابٍ يهزّ الضمير العالمي، ويفتح جرح الحقيقة، ويمهّد لسلسلة مقالات تكشف ما حاول النظام الدولي إخفاءه.
هناك كتبٌ تصفعك من الصفحة الأولى، ليس لأنها تملك قوة الأسلوب أو حدة الجملة، بل لأنها تُجبرك على مواجهة شيء كنت تهرب منه طويلاً: الحقيقة حين تُنزع عنها أصابع التجميل، والأقنعة، والمصطلحات التي وُضعت على وجه العالم كي يبدو جميلاً وهو ليس كذلك، راقياً وهو ليس كذلك، إنسانياً وهو في الحقيقة يسير بخطى ثابتة نحو نزع آخر ما تبقّى من الإنسان فيه.
كتاب «وحشية قرننا» ليس وثيقة، ولا بياناً سياسياً، ولا عملاً لأجل الإثارة، ولا محاولة لركوب موجة الحدث. إنه كتاب يخرج من منطقة لا تُرى، يدبّ صوته في العصب مباشرة، ويحملك على قراءة ليست قراءة، بل مكاشفة، مواجهة، صراع بينك وبين ما تظنه معرفة، ثم تكتشف أنّ كثيراً مما عرفته كان مجرّد رواية صيغت لك كي تراها كما يريدها غيرك، لا كما حدثت فعلاً.
لم يكتب المؤلف لتحليل حدث، بل كتب ليشرح البنية التي تجعل الحدث ممكناً. كتب ليفهم، وليفهم القارئ معه، كيف يتحوّل الظلم إلى قاعدة، وكيف يتحوّل الدم إلى تفصيل، وكيف تُبنى الرواية الرسمية مثل بناء هندسي دقيق، تُقصّ منه النوافذ التي تُطل على الحقيقة، وتُفتح فيه أبواب لا تفضي إلا إلى سردية واحدة: سردية الأقوياء.
من الصفحة الأولى، يضعك الكتاب أمام الدم. ليس الدم كصدمة بصرية، ولا كصورة إعلامية، بل كحقيقة أولى لا تحتاج إلى تأويل. الدم الذي يسقط في مكان ما بعيد، لكن صداه يظلّ قريباً من كل ضمير لم يتآكل بعد. الدم الذي حاول العالم إخفاءه تحت موجات من التغطية، من التبرير، من “القلق الدولي”، من البيانات التي تُكتب بحبر باهت كي لا تُغضب أحداً.
ولكنّ الدم لا يُخفى. والجرح حين يُفتح لا يمكن لأحد أن يغلقه بجملة من خمس كلمات.
في المرحلة الأولى، يقدّم الكتاب الحدث كما هو، بلا أقنعة. وهنا يكتشف القارئ أنّ ما كان يراه “صراعاً” أو “عملية عسكرية” أو “اشتباكاً” هو في الحقيقة مأساة كاملة خضعت لعمليات بتر لغوي، وإعادة تسمية، وتنظيف سردي مكثّف، كي لا يظهر شيء من بشاعتها للعالم.
ثم تأتي الطبقة الثانية: اللغة. اللغة التي لا تصف الواقع… بل تعيد صناعته. اللغة التي تُحوّل الضحية إلى متّهم، والمتّهم إلى فاعلٍ عقلاني، والقتل إلى “ضرورة أمنية”، والمجزرة إلى “ردّ مشروع”، والجثث إلى “أضرار جانبية”.
في هذا الجزء، يفضح المؤلف كيف أصبحت الكلمات أقوى من الرصاص، وكيف أصبح القاموس العالمي جزءاً من غرفة العمليات. فالكارثة لا تُخفى بالأسلحة، بل تُخفى بتغيير المفردة، بحذف الصورة، بتأخير الخبر، بتقليل المساحة، بتضخيم رواية واحدة وإسكات الأخرى.
ثم نصل إلى الطبقة الثالثة: الخرائط. الخرائط التي لا تُرسم على الورق، بل تُبنى في غرف مغلقة، على طاولات خشبية ثقيلة يجلس حولها أشخاص لا يعرف أحد كيف وصلوا إلى هذا النفوذ. في هذا الجزء، لا يتحدث الكاتب عن “طرف واحد” أو “معتدٍ واحد”، بل عن منظومة كاملة: دول تملك القوة، دول تملك السلاح، دول تملك الإعلام، دول تملك الصوت، وأخرى لا تملك شيئاً سوى الألم.
الحدث – كما يكشف الكتاب – ليس قراراً مفاجئاً، بل نتيجة لتراكم مصالح، لتحالفات صامتة، لمعادلات لا تنظر إلى الإنسان، بل إلى المناطق الرمادية بين السياسة والاقتصاد، بين الأمن والتجارة، بين الاستراتيجية والمصالح العابرة للقارات.
في هذا الجزء يكتشف القارئ أنّ المأساة لا تقع حين تُطلق الرصاصة، بل حين يُمنح الضوء الأخضر لإطلاقها، وحين تقرّر القوة أنّ الضحية “مسموح بها”، وأن الألم “قابل للإدارة”، وأن الاستنكار الدولي يمكن أن ينتظر إلى حين انتهاء القتال.
ثم يصل الكتاب إلى الذروة الأخيرة: الإنسان. ذلك الكائن الذي خُلق ليشعر، ليغضب، ليعترض، ليحمي الحياة… ثم انتهى به الأمر متفرّجاً. متلقّياً للأخبار كما يتلقّى التحديثات التقنية. متابعاً للدم كما لو أنه يتابع نتائج المباريات. ذاهباً في حياته اليومية بينما هناك شعب يُمحى، أو مدينة تُحرق، أو تاريخ يُمسح.
الكتاب لا يهاجم الإنسان… بل يوقظه. لا يلومه… بل يضع أمامه مرآة. هذه المرآة لا تُظهر وجهه فقط، بل تُظهر كيف أصبحنا جميعاً – من حيث لا ندري – جزءا من منظومة تبتلع المأساة بسهولة، وتطبّع معها، وتُعيد تدوير الألم في شكل أخبار عاجلة، ثم أخبار عادية، ثم أخبار ثانوية، ثم… لا شيء.
من هذه الفصول الأربعة تتكوّن رؤية واحدة تُشبه البيان الأخلاقي المحجوب: أنّ الوحشية الحديثة ليست انحرافاً… بل نتيجة بنيوية. أن النظام العالمي لا ينهار… بل يتكشّف. أن الخطاب لا ينقل الحقيقة… بل يصنعها. أن الإنسان لا يختفي… بل يُعاد تشكيله ليكون أقل قدرة على الاحتجاج وأكثر قدرة على التحمل.
وحين يجمع القارئ كل هذه الخيوط، يكتشف أنّ السؤال الحقيقي ليس: ماذا حدث؟ بل: كيف سمح العالم بأن يحدث؟ وكيف استطاعت القوة أن تجعل الظلم يبدو معقولاً؟ وكيف استطاعت اللغة أن تغسل الدم؟ وكيف تحوّل الضمير العالمي إلى جهازٍ بلا ذاكرة؟
هذه الأسئلة لا تبحث عن إجابات جاهزة، بل تبحث عن وعي جديد. وعي لا يكتفي بفهم الحدث، بل يفهم البنية التي أنتجته. وعي لا يثق في الخبر بقدر ثقته في الإنسان الذي يرويه. وعي لا يكتفي بإدانة الجريمة، بل يسأل: من كتب الرواية؟ من منع الشهادة؟ من صاغ البيان الدبلوماسي؟ ومن قرّر أن حياة فئة من البشر أغلى من حياة فئة أخرى؟
هذا النصّ ليس نهاية رحلة، بل بدايتها. وهذه المقالة ليست عرضاً لكتاب، بل إعلاناً عن سلسلة مقالات ستأتي – كما يفرض الواجب الأخلاقي – كي تواصل تفكيك ما حاول العالم طمسه، وكي تمنح القارئ ما يستحقه: الحقيقة، ولو كانت موجعة؛ الوعي، ولو كان ثقيلاً؛ الصوت، ولو كان العالم يريد له أن يصمت.
ما سيأتي لاحقاً ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة إنسانية. لأنّ كشف الحقيقة – اليوم – لم يعد خياراً، بل أصبح مقاومة. ولأنّ الكتاب الذي نقرأه ليس كتاباً… بل تحذيراً: أن القرن يتجه إلى مكانٍ لا يشبه الإنسان، وأن إنقاذ الإنسان يبدأ بفضح هذا الاتجاه.
وهذا ما ستفعله المقالات التي ستتبع هذه المقالة.