وزارة التعليم العالي: متى الإنصاف؟
تشهد الجامعة الجزائرية منذ سنوات مشكلة صامتة، تتفاقم عاما بعد عام، دون أن تحظى بما تستحقه من اهتمام حكومي أو معالجة جادة. إنها مشكلة ليست مرتبطة بالطلبة والبرامج والبيداغوجيا فحسب، بل مرتبطة أكثر بأحد أهم أعمدة المنظومة الجامعية وهي هيئة التدريس. فنظرا لموجات التقاعد المتوالية المفروضة على الأساتذة، والتزايد الكبير في أعداد الطلبة وعدد المؤسسات الجامعية، وعجز التوظيف السنوي عن تغطية النقص في هيئة التدريس، سيما في بعض المواد العلمية، أصبحت الجامعات تعتمد بشكل متزايد على تغطية هذا العجز من خلال الساعات الإضافية لتأمين الحد الأدنى من الدروس والأعمال الموجهة والتطبيقية. لكن ما حدث هو أنّ هذا الحل المؤقت بدأ يفقد فعاليته، لأن الساعات الإضافية لم تعد أبدا تغري المعنيين، لا الأساتذة العاملين ولا حتى المتقاعدين.
خلل صارخ يطالب بالإصلاح
السبب بسيط وواضح: المقابل المالي الذي يتقاضاه الأستاذ لقاء الساعات الإضافية هزيل جدا لأن مراجعته لم تتم ولم يُحيّن منذ حوالي عشرين سنة، وهو لا يتناسب إطلاقا مع الجهد المبذول ولا مع الارتفاع المتكرر للأجور والأسعار ومستوى المعيشة… بل يعتبر إجحافا في حق متقاضيه. فكيف يمكن لأستاذ باحث يحمل أعلى المؤهلات العلمية في البلد، ويُطلب منه تغطية فراغات بيداغوجية متزايدة، أن يقبل بساعات إضافية قيمتها الفعلية اليوم أدنى مما كانت عليه قبل عقدين؟
لقد أصبح هذا الوضع يهدد بشكل مباشر قدرة الجامعات على ضمان استمرارية الدروس، حتى في السنوات الأولى التي تعرف توافدا كبيرا للطلبة، وفي التخصصات العلمية التي تتطلب تأطيرا مكثفا. وهنا لا يتعلق الأمر بمرفق ثانوي، بل بقطاع استراتيجي يحدد مستقبل البلاد: التعليم العالي.
لهذا، أصبح تدخل وزارة التعليم العالي والجهات المعنية ضرورة ملحة وعاجلة لإعادة الاعتبار للساعات الإضافية وتحيين قيمتها بشكل عادل ومنطقي، بما يخدم الجامعة والطالب والمصلحة الوطنية.
ماذا نقرأ في التشريعات؟
تنص المادة 4.2 من التنظيمات ذات الصلة على ما يلي: “يجوز للمستخدم أن يطلب من أي عامل أداء ساعات إضافية لا تتجاوز 20% من مدة العمل القانونية، وتخوّل هذه الساعات للموظف زيادة لا تقل بأي حال من الأحوال عن 50% من الأجر العادي للساعة”.
وهكذا نرى الأمور واضحة ومنسجمة على مستوى النصوص: الساعات الإضافية يجب ألا يقل أجرها عن نصف أجر الساعة العادية، وهي تُنجز خارج الحجم الساعي المرجعي للأستاذ الباحث. غير أنّ الواقع مختلف تماما؛ فالقيمة المعتمدة حاليا للساعات الإضافية في المؤسسات الجامعية لا تساوي نصف ما ينص عليه هذا القانون، ولا حتى عُشره !! ذلك أن هذه القيمة لم تنظر فيها الوزارة الوصية منذ عشرين سنة، في حين عرفت الرواتب الأساسية عدة زيادات معتبرة خلال الفترة نفسها. وهكذا تشكلت فجوة كبيرة بين النص القانوني والتطبيق الفعلي.
هذا الوضع أصبح أحد الأسباب الرئيسة لعزوف الأساتذة عن قبول الساعات الإضافية، إذ كيف يُطلب من أستاذ جامعي، مهما كانت رتبته، أن يؤدي عملا إضافيا بمقابل زهيد يستحي البعض من ذكره إذ لا يعكس مؤهلات ومكانة الأستاذ الجامعي ولا جهده؟ نحن لا نبالغ عندما نؤكد أن المقابل الصافي للساعة الإضافية في عام 2025 لسلك المدرسين الجامعيين بمختلف درجاتهم يتراوح بين 580 دج و780 دج ! أما إذا كان هذا الأستاذ متقاعداً، فالأمر أدهى وأمرّ حيث ينخفض المقابل بـ 100 دج، ليصبح أعلى مقابل للساعة الإضافية التي يتقاضاها الأستاذ المتقاعد مهما كانت درجته لا يتجاوز 680 دج !
والجدير بالمقارنة في هذا الباب أنه حتى لو مُنح العامل بالساعات الإضافية سبعة أضعاف القيمة الحالية للساعة، واشتغل كامل الحصص التي يتطلبها نصاب الأستاذ الجامعي، فإن مجموع ما يتقاضاه سيظل في النهاية أقل من أجر الأستاذ الدائم في المؤسسة. أي مفارقة هذه، وأي إجحاف؟ ! وأي عدل يمكن أن يُرجى من منظومة يمنح فيها من يبذل جهدا مضاعفا عائدا منقوصا؟ والأهم من ذلك أننا لا نقارن هنا بين موظف وتاجر، أو طبيب، أو محامٍ، أو موثق، ولا بما يتقاضاه الأستاذ من دروس خصوصية، بل نقارن بين موظفين داخل الجامعة نفسها يؤديان المهمة البيداغوجية ذاتها؛ أحدهما يدرّس بصفة دائمة، والآخر يسد الفراغ ويضمن استمرارية الدروس عبر الساعات الإضافية.
الوقت لم يفت بعدُ لتصحيح المسار
هذه الأرقام لم تعد مجرد مشكل إداري بل أصبحت مادة للتندر داخل الوسط الجامعي. ويكفي الاستشهاد بما وقع لإحدى الجامعات في شمال البلاد حين ناشدت أساتذة بجوارها لتغطية العجز في التأطير، فجاءها الرد الصادم من أحد الأساتذة: “ما ستدفعونه مقابل الساعة الإضافية لا يغطي حتى أجرة الطاكسي التي ستنقلني إلى جامعتكم”.
إن استمرار هذا الوضع يمسّ بحقوق الأستاذ، ويضر بتحصيل الطالب وبأداء الجامعة، ويستدعي مراجعة عاجلة تعيد الاعتبار لقيمة هذا العمل الأكاديمي.
ليس سرا أن هذا العزوف من قبل الأساتذة بمختلف فئاتهم عبر الوطن قد أجبر العديد من المؤسسات الجامعية على مواجهة صعوبة بالغة في استكمال البرامج الدراسية، خاصة في السنوات الأولى، بل إن بعضها لجأ إلى ضغط حجم الحصص الدراسية، أو إلغاء حصص من الأعمال الموجهة والتطبيقية، أو ترك مواد كاملة دون تغطية. والنتيجة المباشرة هي تدني واضح في جودة التكوين. فالطالب يجد نفسه أمام برنامج مشوّه يصعب معه استيعاب المعارف الأساسية بالشكل المطلوب.
لهذا كله، يليق بوزارة التعليم العالي التحرك فورا لأن المصلحة ليست فئوية ضيقة، بل وطنية شاملة. فالجامعة التي تعاني نقصا في التأطير لن تستطيع تطوير برامجها ولا رفع مستوى تكوينها ولا المنافسة إقليميا ودوليا ولا حتى وطنيًا. إن غياب الأساتذة عن تغطية بعض المواد بسبب عدم جاذبية الساعات الإضافية يعني بالضرورة ضعفا في التكوين، وانعكاسا سلبيا على جودة الخريجين، وبالتالي على قدرات البلاد البشرية في كل المجالات.
لا شك في أن النظر في قضية الساعات الإضافية تُعدّ مطلبا من قبيل المطالب النقابية، وهي جزء لا يتجزأ من إصلاح جامعي شامل وعميق. والحل ممكن وواضح: ينبغي أن يتضمن النص التنظيمي الجديد آلية مراجعة تلقائية لقيمة الساعة الإضافية كل ثلاث سنوات على الأقل، أو كلما تمت زيادة عامة في الأجور، حتى لا تتآكل قيمتها مجددا. وينبغي ألا ننسى في هذا السياق أن الأساتذة المتقاعدين يمثلون كنزا معرفيا لا يعوَّض، ورفع قيمة الساعة كفيل بإعادتهم للمساهمة في سدّ العجز الحالي والاستفادة من هذا لمورد البشري الثمين.
لقد أخلّ الزمن بقيمة هذه الساعات، لكن الوقت لم يفت بعد لتصحيح المسار.