وفاة بوحارة تقلب موازين القوى بين جماعة بلخادم وخصومهم
اتسع الشرخ بين الجناحين المتصارعين في حزب جبهة التحرير الوطني، وتعقّد وضع “العتيد” بعد رحيل عبد الرزاق بوحارة، الذي كان يعتقد أنه مرشح الإجماع، لخلافة الأمين العام المطاح به عبد العزيز بلخادم.
ففي الوقت الذي تمسّك جناح بلخادم بالحق في خيار الاحتكام إلى الصندوق في انتخاب الأمين العام الجديد، ولو اقتصر الأمر على مرشح واحد، يدفع الطرف الآخر الذي يمثله أكثر من جناح، إلى خيار التوافق باعتباره “الحل الأنسب في الظرف الراهن “.
جناح الأمين العام السابق، استجمع قواه مستغلا المعطيات التي أفرزتها وفاة بوحارة، وسعى إلى توظيفها في معركته، حيث التقى على مدار يومين متتاليين، وأصدر بيانا اطلعت “الشروق” على نسخة منه، جاء فيه أنهم يرفضون خيار التوافق مهما كانت المبررات، وطالبوا بالاحتكام إلى الآلية ذاتها التي أطاحت بالأمين العام السابق، كما جاء في البيان، الذي دعا أيضا إلى “لم الشمل والابتعاد عن كل ما يؤدي إلى تعميق الشرخ بين أبناء الحزب”.
وقال البيان: “نؤكد أن الحل الوحيد للخروج من الأزمة التي يعيشها الحزب، هو تكريس الممارسة الديمقراطية، والتي يعتبر الاحتكام إلى الصندوق أبرز آلياتها، ونرفض أية آلية أخرى في اختيار الأمين العام المقبل”، واستنكر البيان ما وصفها “المناورات التي قادها بعض الرجال المحسوبين على الحزب، والتي أدت إلى التأثير على نتائجه في الانتخابات المحلية، وكذا انتخابات التجديد النصفي لمجلس الأمة”.
كما استغلوا الفرصة ليردوا على تصريح وزير النقل عمار تو، الذي كان قد اعتبر الأمين العام المطاح به جزء من الماضي، عندما قال:”أذكروا موتاكم بخير”، واستهجن البيان هذا التصريح، سيما وأنه جاء من مسؤول بارز كان من الشخصيات المشكلة للدائرة الضيقة التي كانت تدير شؤون الحزب العتيد، كما ذكر مسؤول بارز في محيط بلخادم.
وعلى النقيض من ذلك، قال عبد الكريم عبادة، وهو منسق حركة التقويم والتأصيل، التي كانت أول من أطلق تمردا على الأمين العام السابق:”نحن من دعاة التوافق والإجماع على شخص واحد، لأن الاحتكام إلى الصندوق من شأنه أن يكرس الانقسام بين أبناء الحزب الواحد”.
وأضاف عبادة في تصريح لـ”الشروق”: “المرحلة العصيبة التي يمر بها الحزب تفرض علينا رصّ الصفوف وترك الأنانية جانبا، ونحن نعتقد أن هذا هو الخيار الكفيل للوصول إلى وفاق بشأن الرجل المناسب الذي سندفع به إلى قيادة جبهة التحرير“.
وقدّر عبادة بأن:”الانتخاب آلية من آليات الممارسة الديمقراطية، لكن في الظروف العادية، غير أنها تبقى غير مناسبة في ظل التناقضات التي تطبع العلاقة بين أبناء الحزب في الظروف الحالية”.
وتؤكد هذه التصريحات المتناقضة أن أزمة الحزب العتيد ليست قريبة من الحل، ولعل ما يؤشر على ذلك هو إقدام الجناح الموالي لبلخادم على الدفع بثلاثة مرشحين، تحسبا لمعركة انتخاب الأمين العام، وهم بوعلام جعفر أمين محافظة البرج، والنائب نور الدين السد، فضلا عن النائب فتالي، في محاولة منه لقطع الطريق على أية محاولة لفرض منطق التوافق، ما يعني أن مسألة التوافق باتت – على الأقل– في ظل المعطيات الراهنة مستحيلة التحقيق.
ومعلوم أن تطورات الأزمة التي يعيشها الحزب العتيد قلّبت مواقف الطرفين إلى النقيض، فقبل الإطاحة بالأمين العام السابق، كان أنصار بلخادم يرفضون اللجوء إلى الصندوق في عملية سحب الثقة، مقابل تمسك خصومه بهذه الآلية، أما اليوم فقد انقلب الأمر رأسا على عقب، وأصبح أنصار بلخادم هم من يطالبون بالصندوق، في حين يرفضه خصومهم. وتكون جماعة الأمين العام المطاح به قد استشعرت قوة حضورهم في اللجنة المركزية، المخولة باختيار خليفة بلخادم، سيما بعد وفاة من كان يعتقد أنه مرشح الاجماع، وهي قراءة تستند إلى الأرقام التي حسمت نتيجة التصويت في عملية سحب الثقة، التي لم يتعد الفارق فيها أربعة أصوات فقط، وبالمقابل يبدو أن الطرف الآخر التقى على إقالة بلخادم فقط، ولعل ما يؤكد هذا هو الاتهامات المتبادلة بين “المركزيين” والحركة التقويمية.