وقفة للتوحيد والوحدة حول جبل الرحمة
حتى الذين لم يكتب الله لهم بعدُ نعمة الوقوف بعرفة، فإن المتابعة عن بعد لمشهد الملايين من الحجاج وقد تجمعوا بصعيد عرفة على قلب رجل واحد، سوف تحرك في قلوبهم مشاعر الوحدة والتوحيد: وحدة المسلمين التي تتحقق كل سنة في هذا اليوم المبارك، وتوحيدهم لله فيه، بتلبية خالصة متواصلة لرب العزة.
وقد حق لهذا المشهد أن يذكّر المسلمين من جميع الفرق أن الإسلام واحد، هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده في هذا اليوم العظيم “اْليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ” .. وأن أبا الأنبياء الذي أذن له أن يؤذّن في الناس بالحج هو الذي سمانا المسلمين من قبل، فلا سني اليوم ولا شيعي وما بينهما، ولا سلفي ولا صوفي وما بينهما، مما صنعته هذه “الكنائس” المبتدعة في الإسلام، التي نراها تمزق وحدة المسلمين، فصاروا “مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ” ونسوا ما ذكروا به في الآية 53 من المؤمنون: “وَإِنَّ هَ_ذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ”.
وإذا كان للحج من حُجة على المسلمين اليوم، فهي ماثلة في هذا التذكير السنوي لهم بواجب الاعتصام بحبل الله جميعا، ثم لا نفرق صف المسلمين بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، وإلا كيف أمكن للمسلم أن يطوف ويقف في عرفة جنبا إلى جنب، كتف لكتف، عربي وأعجمي، أبيض وأسود، غني وفقير، رجل وامرأة في لباس إحرام واحد موحد، يلبون رب العرش العظيم الواحد الأحد، بعبارة واحدة: “لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك”. ثم ينقلبون إلى أهلهم بعد ذلك وهم فرق وشيع، يكفر بعضهم بعضا، ويقتل بعضهم بعضا، في تكالب على متاع الدنيا، تحت رايات كاذبة تدعي نصرة الإسلام وهي ألد خصومه.
أو ليس في هذا اليوم العظيم قد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حجة الوداع يوم عرفة، من جبل الرحمة فقال صلى الله عليه وسلم: “أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا … وإن ربا الجاهلية موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون…. أيها الناس إنما المؤمنون إخوة .. فلا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله وسنة نبيه .. أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله اتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت.. اللهم فاشهد. قالوا: نعم” قال: “فليبلغ الشاهد الغائب”. وقد بلغ الشاهد منهم الغائب منا إلى يوم الدين، فليس لأحد من الذين يفتنون المسلمين اليوم بجهاد فاسد بين المسلمين، وهتك لأعراضهم، وتفريق لصفهم افتراء منهم .. أنه لم يبلغ!!