ياسف سعدي “عليه كلام”.. واستشهاد لابوانت أنهى “معركة الجزائر”!
في الحلقة الثانية من حوار يوسف الخطيب مع “الشروق”، يتحدث عن ظروف الولاية الرابعة وعلاقتها بالعاصمة التي كانت تسمى المنطقة الحرة، والموقف من ياسف سعدي ومن عودة الرائد عز الدين إلى الولاية الرابعة وكيف تم التعامل معه، وكذا الحركات المناوئة التي كان يقودها جزائريون، وفي مقدمتهم حركة عبد القادر بلحاج الجيلالي، والباشاغا بوغلام.
نعود الآن إلى العاصمة.. يقال إن جبهة التحرير لم يعد لها وجود بالعاصمة منذ استشهاد كل من علي لابوانت وحسيبة بن بوعلي.. ما حقيقة ذلك؟
بالفعل، العاصمة كانت خالية تماما من أي نشاط للثورة بعد انتهاء ما يسمى “معركة الجزائر”، منذ أكتوبر 1957. بعد استشهاد البطل علي لابوانت، لم يتبق “نظام” في العاصمة. لكن بعد هذا التاريخ، كان لكل ولاية تاريخية اتصال بالعاصمة كل حسب طريقته الخاصة، بمعنى عن طريق الروابط العائلية أو الصداقات أو علاقات جهوية أو أي صفة أخرى.
بعد قضية “ليجيي” أو ما يعرف بقضية سي صالح زعموم، أطلقت الولاية الرابعة في سبتمبر 1960 مبادرة تتماشى واستراتيحيتة الحكومة المؤقتة القاضية بنقل الثورة من الجبال إلى المدن لمواجهة مخطط شال، ومن هنا جاء دور الولاية الرابعة لإعادة الثورة إلى العاصمة باعتبارها أقرب ولاية إليها، وقد وافقت الحكومة المؤقتة على المبادرة، ولذلك أصبحت العاصمة هي المنطقة السادسة في الولاية الرابعة التاريخية. وفي هذا السياق كلفنا مسؤولين وضباطا من جيش التحرير لإعادة “النظام” إلى العاصمة، ممن يعرفون المنطقة طبعا.
قلت قبل قليل إن الثورة بالعاصمة انتهت بعد استشهاد علي لابوانت ورفاقة، حتى الخلايا النائمة لم تعد موجودة حينها؟
نعم، الثورة توقفت نهائيا في العاصمة بعد استشهاد علي لابوانت، وحتى الخلايا النائمة لم تعد موجودة.
وماذا عن ياسف سعدي؟
ياسف سعدي عليه كلام.. دعنا منه.
كيف تمت إعادة “النظام” إلى العاصمة إذن، ومن هم الإطارات الذين تم تكليفهم بهذه المهمة من قبل قيادة الولاية الرابعة؟
أشدد هنا على التأكيد أن الولاية الرابعة طلبت إذنا من الحكومة المؤقتة لإعادة تنظيم العاصمة وحصلت على الموافقة، وهذا الأمر مدون ومكتوب، وفي هذا الصدد، تم اختيار روشاي بوعلام، المعروف بـ “الزبير” وهو نقيب، وقد كلف بقيادة العمل في العاصمة، التي أصبحت تسمى المنطقة السادسة من الولاية الرابعة بعدما كانت تسمى المنطقة الحرة (Zone autonome)، فأصبحت منظمة بإحكام، وهذا النظام هو الذي مكننا من الإعداد الجيد لمظاهرات 11 ديسمبر 1960، لأن هناك كلاما غير صحيح قيل بهذا الخصوص، وهو أن مظاهرات 11 ديسمبر كانت عفوية، وهو كلام خاطئ بالمرة، لأن “النظام” كان قد أعيد إلى العاصمة، وهو ما مكن من التحضير الجيد لتلك المظاهرات.
وعلى أي أساس تم اختيار روشاي بوعلام لإعادة “النظام” إلى العاصمة؟
روشاي بوعلام كان من إطارات الولاية الرابعة، وهو من المنطقة الثانية فيها، وهو مناضل معروف بحنكته ومعرفته التنظيمية وكذا معرفته بالعاصمة وشوارعها، والدليل على ذلك هو نجاحه في تنظيم مظاهرات 11 ديسمبر 1960، التي جعلت القضية الجزائرية معروفة عالميا. وقد استشهد روشاي بعد شهر من تلك المظاهرات، وهو مخلد اليوم بلوحة تذكارية في بلدية بلوزداد بالعاصمة.
ما هي الرسالة السياسية التي أرادت جبهة التحرير إيصالها من خلال دعوتها إلى تنظيم مظاهرات 11 ديسمبر 1960؟
تجدر الإشارة هنا إلى أن الجنرال ديغول قرر القيام بجولة في الجزائر، بغرض البحث عما سماه “القوة الثالثة”، وهي قوة بديلة عن كل من جبهة التحرير المطالبة بالاستقلال والمنظمة الخاصة الإرهابية (OAS) التي كانت تبحث عن إبقاء الجزائر فرنسية.. لقد جاء ديغول يومها بعبارته الشهيرة “الجزائر جزائرية”، مثلما ذكر في خطابه بتاريخ 16 سبتمبر 1960 الذي تضمن ثلاثة توجيهات، التوصيف الأول كان “الجزائر فرنسية” وقد تجاوزه الزمن لأنه مرفوض تماما من قبل الجزائريين، والتوصيف الثاني هو “الجزائر مستقلة” وهذا يعتبر كارثة بالنسبة إلى ديغول، ولذلك جاء بالخيار الثالث وهو “الجزائر جزائرية”، أي جزائر يكون لها نوع من الاستقلالية، على أن تبقى مرتبطة بفرنسا.
ولتحقيق هذا الهدف شرع ديغول في البحث عن قوة تساعده على الأرض، فجاءته فكرة استحداث ما وصفه بـ”القوة الثالثة”، لأن المعمرين وحتى بعض ضباط الجيش الاستعماري، كانوا يعترضون بشدة على هذا الخيار (الجزائر جزائرية)، مثلما رفضوا أيضا مبدأ تقرير المصير.
ومعلوم أن انطلاق جولة ديغول في الجزائر كانت من عين تيموشنت في التاسع من ديسمبر 1960، غير أنه قوبل بمظاهرات قام بها المعمرون، تخللها سب وشتم لشخصه، فما كان من أنصار ديغول سوى إخراج بعض الجزائريين للتظاهر حاملين شعارات “الجزائر جزائرية”، في محاولة للترويج لمشروعه. وكان مبرمجا أن تكون محطته الثانية في العاشر من ديسمبر النزول بالعاصمة. وعشية هذا الموعد قام روشاي بوعلام بالاتصال بالمناضلين في العاصمة، وجهزوا الأعلام واللافتات وحضروا أنفسهم للقيام بمظاهرات 11 ديسمبر 1960، رافعين شعارات كل من جبهة التحرير والحكومة المؤقتة (يحيا فرحات عباس)، وقد كانت هذه المظاهرات سببا في عدم قيام ديغول بزيارة إلى العاصمة، وهو ما أعطى بعدا كبيرا لتلك المظاهرات.
وكيف كانت علاقة الولاية الرابعة بالحكومة المؤقتة في ذلك الوقت؟
في جانفي 1962، وبينما كانت الحرب لا تزال قائمة مع فرنسا، قام رئيس الحكومة المؤقتة، بن يوسف بن خدة، بإرسال اثنين من الضباط إلى العاصمة، وهما الرائد عز الدين والرائد موسى، من أجل استكمال مجلس الولاية الرابعة، لأنه بعد استشهاد سي محمد بونعامة لم يتبق في المجلس سوى اثنين فقط. ولما جاءا كنا نحضر اجتماعا لإطارات المناطق بغرض استكمال تنصيب مجلس الولاية من بعض الإطارات القدماء ممن لهم كفاءة، فجاء الاثنان (عز الدين وموسى) لعضوية المجلس، غير أن ضباط الولاية الرابعة رفضوا قطعيا عضوية الرائد عز الدين بن زراري، لأنه له ماض لا أريد الخوض فيه، أما الرائد موسى..
وكان سي محمد هو من قام بإرسال الرائد عز الدين إلى الخارج، وقبض عليه وأدلى بتصريحات.
أين تم القبض على الرائد عز الدين؟
تم القبض عليه في الجبل.. طيب، لما عاد إلينا لم يعد موثوقا به..
عندها عاد كل من عز الدين وموسى إلى العاصمة، وشرعا في إعادة إحياء ما سمياه “المنطقة الحرة”، وحاولا الحرص على تطبيق اتفاقيات إيفيان. وبالنسبة إلينا المنطقة الحرة (العاصمة)، مؤتمر الصومام هو من أنشأها. ثم تبعهما العقيد الصادق دهيليس، والنقيب علي لونيسي، وأوصديق الذي كان يشتغل في الصحافة، حيث استحدثوا نظاما في العاصمة، وهذا بعد وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962.
وماذا كان موقفكم في الولاية الرابعة من ذلك؟
نحن في قيادة الولاية الرابعة أدركنا من خلال ما كان يقوم به الرائد عز الدين ورفقاؤه، أنهم يسعون للسطو على الولاية الرابعة.
وماذا كان ردكم. بمعنى لم يتطور الخلاف معهم؟
لا لا، لم يتطور الخلاف، باستثناء حادث عرضي.
ما هو؟
كان هناك إطلاق للنار جرح فيه عمر أوصديق من جماعة الرائد عز الدين، لكن القرار لم يكن قرار قيادة الولاية الرابعة، ولكن موقفا معزولا وقد تم احتواء الأمر في بدايته.
وما خلفيات هذه الحادثة؟
هناك الكثير من الأسباب يصعب حصرها.. لكن بالنسبة إلينا في الولاية الرابعة كنا نعتقد أن ما قام به الرائد عز الدين ورفاقه من استحداث المنطقة الحرة، كان خارج القانون والشرعية.. والمؤسف أن مبادرتهم جاءت في وقت كانت فيه المنظمة الخاصة الإرهابية تقتل الجزائريين.. هم قالوا إنهم كانوا يحاربون هذه المنظمة الإرهابية، غير أن قتل الجزائريين حينها لم يتوقف. كنا يومها قد دخلنا مرحلة وقف إطلاق النار ولم نرد فتح جبهة جديدة مع جزائريين.
أنتم في الولاية الرابعة.. هل وقع لكم احتكاك مسلح مع المعمرين الرافضين لوقف إطلاق النار، علما أن الولاية الرابعة كانت تشكل بالنسبة إليهم أحد التجمعات الكبرى مثل المتيجة..؟
كانت هناك محاولات لبعض ضباط الجيش الفرنسي، إنشاء جيش في جبال عين الدفلى، مثل الرائد “غارد” على ما أذكر، كانوا قد هربوا من الجيش الفرنسي وأخذوا معهم بعض الجنود. تمردوا على ديغول وعلى قرار وقف إطلاق النار، لكننا حاربناهم وتمكنا من القضاء عليهم.
نعود الآن إلى مرحلة ما بعد 19 مارس 1962..
نعم، لقد كونا لجانا خاصة بتوقيف إطلاق النار، متكونة من جيش التحرير ومن ممثلين عن الجيش الفرنسي.
من بين القضايا التي تفجرت بعد وقف إطلاق النار، كانت قضية الحركى.. كيف تعاملتم معها في الولاية الرابعة التاريخية؟
كان عددهم كبيرا، الأغلبية هربوا، لكن الذين لم يتمكنوا من الهروب، فمن صدرت بحقهم شهادات من الشعب، تم القضاء عليهم.
تقصد تم إعدامهم؟
نعم. كانت هناك محاكم ثورية في المدن.
كم كان عدد الذين تم إعدامهم بالتقريب؟
ليس لدي عدد دقيق. فرنسا تقول الآلاف، لكن هذه مجرد ادعاءات لا أساس لها من الصحة.
أنت كنت تنشط في الونشريس، وهي المنطقة التي كان بها أحد أكبر العملاء، وهو الباشاغا بوعلام..
هذه من السلبيات التي لم أذكرها. الباشاغا بوعلام هذا، كان مع فرنسا وضد الثورة منذ انطلاقها، وكان يتحرك في منطقة تسمى بني بودوان وهي منطقة مهمة من الونشرين، ثم جاء من بعده في 1956 المدعو بلحاج، الذي كان مدربا في المنظمة الخاصة، وكان مفتشا على مستوى حزب الشعب، واحتضن بيته في زدين بعين الدفلى، اجتماع اللجنة المركزية لحزب الشعب.. كان مناضلا كبيرا في الحزب، ولكن للأسف لما كشف الاستعمار المنظمة الخاصة في 1950 وقبض على الكثير من قادتها بمن فيهم بلحاج الذي كان مسؤولا أيضا بها.. بعدها أخذ منحى آخر، حيث قدم للعدو كل المعلومات التي كانت بحوزته عن المنظمة الخاصة ورفاقة وأصبح منذ ذلك الوقت في المعسكر الآخر.
هذا بلحاج، واسمه الكامل بلحاج الجيلالي عبد القادر، كون جيشا لمحاربة الثورة ونحن كنا نسمي مثل هؤلاء الحركات المناوئة للثورة.
وما هو الفرق بين الباشاغا بوعلام وبلحاج؟
لا، الباشاغا بوعلام كان إلى جانب فرنسا منذ البداية ولم يكن يوما مع الثورة، وجيشه كان جزءا من الجيش الفرنسي، أما بلحاج فكان مع “النظام” قبل تفجير الثورة، ثم تمرد عليها بعد القبض عليه، وكوّن جيشا مناوئا للثورة كان منفصلا عن الجيش الفرنسي، لكنه مدعوم من فرنسا. وكان يقول للجزائريين إنه يحارب من أجل بلاده ويقدم جيشه على أنه جيش التحرير الحقيقي، وبالمقابل كان يسمي جيش التحرير بـ “الشيوعيين”، ولكن وقع اتصال بين الجبهة ونوابه في الحركة التي يقودها، وكانوا نحو أربعة من رجاله، وطلبوا الانضمام إلى جيش التحرير، فكان شرط الانضمام هو رأس بلحاج، فجاؤوا برأسه وانضموا رسميا إلى جيش التحرير في 27 أفريل 1958.
هل اصطدمت مع جيش بلحاج في معارك بالولاية الرابعة؟
أنا منذ البداية حتى إلى أواخر 1958 كنت في الفرع الصحي، كنت أعالج المجاهدين وحتى الشعب في بعض الأحيان عندما تكون الإمكانيات متوفرة.. بلحاج حارب بالفعل جيش التحرير، وهناك بعض رجاله تفطنوا إلى أنهم كانوا على خطإ في عام 1957، فالتحقوا بالثورة.
هذا بالنسبة إلى رجال بلحاج، فماذا عن رجال الباشاغا بوعلام؟
يقال إن الباشاغا بوعلام كان يملك جيشا قويا، وقد وصل تعداد رجاله في مرحلة ما من الثورة إلى ثلاثة آلاف جندي، أما جيش بلحاج فكان يضم نحو ألف جندي، ولم يكونوا مسلحين بأسلحة متطورة، كما كانت الحال بالنسبة إلى جيش الباشاغا بوعلام.
هناك كتابات كثيرة عن الحركات المناوئة للثورة، مثل كوبيس وبلونيس، عكس الباشاغا بوعلام رغم أن جيشه كان أكثر تنظيما وتسليحا، لماذا برأيكم؟
جيش الباشاغا بوعلام كان جزءا من الجيش الفرنسي، أما البقية فكانت لهم جيوش غير منضمّة مباشرة إلى الجيش الفرنسي وإن كانت تلتقي معه في محاربة جيش التحرير.
… تابع