التدبر في دورة الحياة عند الزواحف، وفي سلوكها، وهي تغير في فصل الربيع سلختها حين يضيق نمو الجسد بجلد لا ينمو، قد يفيدنا في فهم ما آلت إليه ثورات الربيع العربي، التي قد تكون حالة من حالات تغيير نظم الحكم لجلدها ليس إلا، إما بالتداول السلمي الآمن، أو بالانقلاب، والثورات، وشغب الشوارع الموجه عن بعد، فلا يزيد التغيير عن طرح سلخة وارتداء سلخة مستنسخة.

عندما يكون الحدث الافتتاحي في القناة الوطنية الرسمية ظهيرة يوم الخميس، هو استفادة مدارس ولاية بشار من التدفئة بسخانات المازوت، فلا بد أن الجمهور المشاهد يكون قد انقسم إلى أكثر من فريقين: فريق ضغط على زر تبديل القنوات قبل أن تنهي المذيعة جملتها، وآخر حمد الله أن البلد قد أصبح آمنا بلا مشاكل تذكر، حتى يعتلي هذا الخبر المحلي ناصية الأحداث الوطنية، وفريق ثالث من الكهول والمعمرين يكون قد عادت به الذاكرة بقدر من الحنين إلى زمن دولة الحزب الواحد، التي كان يتابع إنجازاتها العظيمة على شاشة واحدة ليس لها منافس، ومواقف أخرى أصرف عنها النظر رحمة بهيئة التلفزة الوطنية، التي أكبر فيها  تمسكها بسلوك وسنن سلفها الطالح من حقبة الستينيات.

مرور أكثر من عقدين على ما سمي بالربيع الجزائري المولد من "شغب عيال" أكتوبر كما وصفه وقتها وزير الإعلام، لم يكن كافيا لتغيير إدارة نشرة الأخبار في القناة الوطنية، ولا حتى النشرة الجوية، التي ما زالت تمارس الرقابة على الطقس حتى لا ترعب الجمهور، فكيف يطالب بعضنا أرباب الدولة بالتغيير والإصلاح في السياسة، والاقتصاد، والتعليم، والصحة، والقضاء، وبمحاربة الفساد والغلول والمحاباة، إذا كانوا على هذا القدر من التمسك الكهنوتي بطقوس ومناسك إعلامية متحجرة، وبلغة من الخشب الحجري الخالص؟ 

 .

ربيع انسراء الثعبان عن سلخته 

لقد استوقفني المشهد، ليس لأنه جديد غريب على من يجازف من حين لآخر بإلقاء نظرة خاطفة على الشاشة الوطنية، بل لأنه مشهد كاشف لمشاهد مماثلة في دول الربيع العربي، الذي ولد في فصل الشتاء على الفضائيات، وأراه يحتضر ويلفظ أنفاسه الأخيرة في ميدان التحرير الذي تحول إلى ميدان للتخييم الدائم، وفي شارع بورقيبة الذي أعادت "الثورة" غلقه في وجه "الثوار" وفي اليمن الذي عادت فيه طائرات "الدرون" الأمريكية لطقوس الصيد الحر، وفي البلدات الليبية التي استعادت حكم القبيلة والعشيرة، وفي ريف دمشق الذي صار يمول الإعلام العالمي بسخاء بإحصائيات للقتلى فوق سقف المائة حتى تكتب لها فرصة الذكر.

 

"تغير الثعابين لجلدها كلما كانت سليمة، بينما تحتاج الثعابين المترهلة المريضة إلى فترات أطول، وكذلك أنظمة الحكم نراها في الدول المتعافية تنظم مسارات تغيير الجلد عبر التداول الآمن، فيما تظل الأنظمة المعتلة تحتفظ بجلدها حتى يضيق عنها، ويمنع الدولة من النمو الطبيعي الآمن"

 

ربما كان الإعلام الجزائري، أو على الأقل بعضه، أقدر من غيره على استشراف مآلات هذا الربيع العربي المزعوم، ليس لأنه كان أكثر حرفية أو أكثر خبرة من الإعلام العالمي، ولكن لأنه قد خبر الحلقة المفرغة التي أنتجها الربيع الجزائري المغشوش قبل عقدين من لحظة تطفل الأشقاء العرب على دروب الثوران على نظام الاستبداد بشغب الشارع المرتجل، وعلم أن أحداث أكتوبر لم تكن ثورة للتغيير الأصيل، بل هي أقرب إلى ما تفعله بعض الزواحف من الثعابين بتغيير الجلد الراشي بإيهاب جديد يبقي على الجسد. وقد استوقفني ما جاء في لسان العرب عن مناسك تغيير جلد الزواحف: "أن الحية تنسلخ، والثعبان ينسرى عن سلخته، أو مسلاخه: وهو جلده، ومِسْلاخ الحية وسَلْخَتها: جِلْدَتها التي تَنْسَلِخُ عنها؛ وكذلك كل دابة تَنْسَرِي من جِلْدَتها كاليُسْرُوعِ ونحوه من السحليات".

 .

ثعابين نافقة تبحث عن إيهاب جديد

وقد يكون من المفيد وقتئذ تذكير القارئ بظاهرة الانسراء أو تغيير الجلد عند الزواحف، والتي هي ظاهرة طبيعية ليس فقط عند الزواحف بل حتى عند البشر، بل هي أعقد عند الإنسان الذي يغير من جلده بالمعنيين: الصريح والمجازي، غير أن المقارنة مع تغيير الزواحف لجلدها تفيدنا في إدراك المعنى الذي قصدت إليه بتشبيه الربيع الجزائري، وربيع العرب لاحقا، بما يحدث للثعابين وهي تنسري عن مسالخها.

فالثعابين تغير ايهابها بصفة دورية في فصل الربيع تحديدا، (وليس هذه صدفة) وأن مسلخها لا ينمو وفق سرعة نماء جسدها، فتحتاج لتغييره كلما ازداد نموها (وهو توافق آخر) بل إن تغيير الجلد عند أنظمة الحكم يكاد يتوافق مع مسار تغيير الجلد عند الثعابين في الدوافع والحاجة والتوقيت.

فمن المعلوم أن الثعابين تغير باستمرار جلدها كلما كانت سليمة وعلى فترات متقاربة، بينما تحتاج الثعابين المترهلة أو المريضة إلى فترات أطول، وكذلك أنظمة الحكم نراها في الدول المتعافية قد نظمت مسارات تغيير الجلد( واجهة الحكم) عبر تنظيم التداول الآمن على السلطة، ولا تنتظر حتى يختل التوازن بين جسد الدولة وغلافها، فيما تظل الأنظمة المعتلة تحتفظ بجلدها حتى يضيق عنها، ويمنعها من النمو الطبيعي الآمن، ويبدأ الجلد في التآكل والتفتت، فلا تقوى على إنجاز عملية الاستنساخ السليم الذي تقوم به الثعابين السليمة ساعة تغيير مسالخها، حيث تبدأ بإرسال سائل وسيط بين الجلد القديم والجلد الجديد، يستنسخ السمات الثابتة من الجلد القديم قبل أن يطرحه الثعبان، وتقوم الثعابين بعملية الطرح والتخلص من الجلد القديم ابتداء من الرأس كما تفعل الأنظمة، بالتداول السلمي، أو بالانقلابات، أو بالثورات، فتبدأ بإطاحة الرأس، ثم تقضي وقتا أطول في التخلص من مكونات الإيهاب القديم.

 .

أَقْتَلُ ما يكون من الحيات إِذا سَلَخَت جِلْدَها

ما حدث في الربيع الجزائري لـ"ثعبان" السلطة وبعده لـ"ثعابين" الأنظمة النافقة في دول الربيع العربي، أن تغيير الجلد جاء متأخرا، لم يسمح بما يكفي من الوقت لاستنساخ سمات النظام القديم، بما فيها الطالح والصالح على السواء، وأغلب الظن أنها استنسخت الطالح منه، وأضاعت بعض السمات الصالحة، حتى أن الجلد الجديد يظهر وكأنه أخلق من الجلد القديم، وأكثر تضييقا على جسد الدولة، بل يكون قد أوقف نمو الدولة، وعطل عندها القدرة على الحركة، وكأن الأنظمة، وهي تطرح جلدا وتلبس جلدا، قد تحولت إلى جسد محنط غير قادر على الفعل، إلا ما يكون من ردة فعل مستنسخة من أفعال الماضي.

ومن اللافت أن علم الاحياء يفيدنا أن مرحلة تغيير الجلد هي أخطر المراحل، يكون فيها الثعبان في أوهن حال، يصاب بالعمى المؤقت، وتتعاظم عنده العدوانية حالما تقترب منه، ويقول لسان العرب: "أن أَقْتَلُ ما يكون من الحيات إِذا سَلَخَت جِلْدَها'' وهي الأعراض التي شاهدناها بعد تغيير جلد نظام الحكم في أعقاب أحداث أكتوبر، وقد تابعها أشقاؤنا في دول الربيع العربي بصورة أوضح.

"المسلم ثقفه الإسلام بمفردات الثورة الحميدة، التي تغير معادن الناس قبل تغيير نظام وأدوات الولاية عليهم، ولأجل ذلك رأينا رجالا من علية النظام القرشي المشرك، يتحولون بعد إسلامهم إلى قادة أفذاذ، أمراء راشدين، ووزراء أكفاء، وجنرالات يهزمون أعظم قوتين في زمنهم"

فالأشقاء في تونس ومصر يتابعون باندهاش كبير تبعات تغيير النظم المستبدة عبر حراك للشارع سوق لهم على أنه ثورة أصيلة، أطاحت بالنظم السابقة، فإذا بواقعهم يرتد من السيئ إلى الأسوأ، أمنيا ومعيشيا، وأخطر من ذلك عودة العصا الغليظة، وامتهان كرامة الإنسان، وسحل الشرطة للمواطنين وتعريتهم في الشوارع، وظهور مليشيات تعتقل وتعذب وتقتل، وصدور فتاوى تكفر وتحرض على القتل والاغتيال السياسي، فيما تتردى مؤشرات الاقتصاد والمستوى المعيشي إلى الحضيض، وتستنسخ السلطة الجديدة نفس أدوات النظام الساقط، من سلوك التسول المهين عند باب صندوق النقد الدولي، وترجو الحسنة من أشقاء عرب مترفين، قد تراجعوا عن الوفاء بوعود قطعوها على أنفسهم ساعة كانوا يرتعشون خوفا من انتقال عدوى الربيع إلى صحاري جزيرة العرب، ولن يخرج الأشقاء من حالة الصدمة إلا حين تتحرر عندهم العامة والخاصة من الوهم وأساطير الأولين والآخرين، حتى يميزوا بين الثورة الأصيلة الحبلى بالتغيير والإصلاح، وحالة تغيير النظم لجلدها كما تفعل الثعابين.

 .

تغييب النظام المصلح الذي لا يخلق جلده

كان يفترض من المواطن المسلم أن يكون أقدر من غيره على التمييز بين الحالة الثورية الأصيلة، التي تأتي بالتغيير الحميد، والإصلاح المبدل للأحوال، وبين حالات تغيير الجلد التي تقوم بها جميع أنظمة الحكم عبر التاريخ، إما بطرق منظمة سليمة، كما تفعل الدول الديمقراطية العري بطريقة طبيعية، أو بالطرق العنيفة المرتجلة، التي تلجأ إليها النظم الفاشلة المعتلة، بتغيير الجلد الذي يذهب بالصالح ويثبت الطالح من السلوك.

 فالمسلم قد ثقفه الإسلام بمفردات الثورة الحميدة، التي تغير معادن الناس قبل تغيير نظام وأدوات الولاية عليهم، ولأجل ذلك رأينا رجالا من علية النظام القرشي المشرك الغارق في الفساد، يتحولون بعد إسلامهم إلى قادة أفذاذ، أمراء راشدين، ووزراء أكفاء، وجنرالات يهزمون بالقليل من العتاد والعدة أعظم قوتين في زمنهم، ورأيناهم يبتكرون سبلا سليمة لضمان استمرار نظام الحكم الجديد، في جلسة واحدة بسقيفة بني سعيد، ويواجهون فلول النظام السابق في حروب الردة بلا تردد، ولا يتذرعون زمن المحنة بإرث العهد البائد، بل لا ينظرون البتة إلى الخلف إلا من باب العبرة، ولا يلتفتون إلى ما كانت عليه جزيرة العرب من تخلف مادي، ومن شظف العيش وشح في المؤن، قياسا مع جيرانهم من الروم والفرس، لأنهم كانوا يشعرون أن الإسلام قد أغناهم بثروة مستديمة متجددة، قد غرست في القلوب، واستنبتت في العروق، وأزهرت في سلوكهم اليومي يحيلونه كل ساعة، وفي كل خطوة، وقبل أي قرار على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ولأجل ذلك نمت الدولة الإسلامية في العهد الأول بيسر، ولم يكن إيهابها الواسع ليعيق نموها، أو يضيق عليها، حتى تحتاج معه إلى ما تحتاج إليه اليوم الثعابين من الأنظمة، حين يضيق جسد الدولة بجلدها، فتطرح القديم بعد أن تكون قد استنسخت السمات الوراثية لواجهة السلطة من الجلد القديم، ثم لا يجد بعضهم غضاضة في لعن الجلد القديم كما يفعل اليوم حكام الربع العربي الجدد.