ترامب.. صدمة كبيرة للغرب فرصة سانحة للعرب؟!

date 2016/11/17 views 4563 comments 32
محمد لعقاب

كاتب صحافي وأستاذ جامعي

موقفٌ يحمل كثيرا من الغرابة، أن يعتقد العرب، سياسيوهم ومحللوهم وإعلاميوهم، وصول دونالد ترامب إلى السلطة على أنه "صدمة"، بل "صدمة كبيرة" لهم ولمستقبلهم ومستقبل أبنائهم وقضاياهم. إنه موقفٌ مثير للسخرية والاشمئزاز، لأن فوز ترامب في حقيقته قد يكون صدمة للغرب، لكن يجب أن ننظر إليه على أنه فرصة وأيّ فرصة للعرب، إنه يشكل صحوة من سكرة طال أمدُها، فليس مستبعدا أن تحسُّن العلاقات الجزائرية مع السعودية والمغرب هي نتيجة لفوز ترامب.

نعم إن فوز ترامب يُعدّ صدمة كبيرة للغرب، ولأوروبا تحديدا، لأن المواقف والأفكار التي يحملها الرئيس الأمريكي الجديد التي أبان عنها خلال حملته الانتخابية، هي الأفكار ذاتها التي يحملها اليمين وحتى اليمين المتطرف في أوروبا.

فإذا أوصل الشعب الأمريكي ترامب إلى الحكم، وهو المعارض للهجرة، المعادي للمسلمين، المساند لقانون "جاستا" الذي يسمح للأمريكيين المتضرِّرين من هجمات 11 سبتمبر 2001 بمقاضاة دول الخليج وتحديدا السعودية، المؤيد لإسرائيل، غير اللبق مع المكسيك، المرتدي عباءة "الكوبوي" من خلال نظرية "من يرِدِ الحماية عليه أن يدفع" سواء أكان داخل الحلف الأطلسي أم خارجه، المعارض لسياسة إسقاط الأنظمة، المرحِّب بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، المعلِن استعداده للتعاون مع موسكو وغيرها من المواقف... فلم لا يفوز اليمين في أوروبا وهو الذي يؤمن بكثير من الأفكار التي يؤمن بها ترامب وأوصلته إلى الحكم؟

إن أوروبا تحت الصدمة فعلا، لأن فوز اليمين لا يعني فقط انفجار الاتحاد الأوروبي، بل انفجار الوضع الداخلي إلى درجة الحرب الأهلية في كثير من دول الاتحاد الأوروبي، نظرا إلى أعداد المهاجرين الكثيرة فيها، خاصة ذوي الأصول العربية الإسلامية، التي بوجودها أصبحت اللغة العربية منتشرة بكثرة في أوروبا وأصبح الإسلامُ الدين الثاني في أوروبا، لكنه الدين الأول من حيث الممارسة، لذلك كشف اليمين عن عداوة مفرطة للعرب والمسلمين الموجودين في دول الاتحاد بحجة رفض "أسلمة أوروبا وتعريبها".

ولا نتصور أنه من السهل طرد ملايين المهاجرين من أصول عربية أو إسلامية، لأنهم يملكون جنسية كثير من الدول الأوروبية، ولهم حقوق وواجبات مثل الأوروبيين ذوي الأصول الأوروبية تماما.

وفي الشق الآخر، فإن أوروبا لم تفتح أبوابها للمهاجرين إلا لأنها أصبحت في حاجة مُلحّة إليهم، وسوف تصبح في حاجة أشدّ إلحاحا بدءا من عام 2020، ثم يصبح المهاجرون ضرورة مُلحّة لكثير من دول الاتحاد الأوروبي بدءا من عام 2030 إلى غاية عام 2050، لأن أوروبا من الناحية الديمغرافية تسير في اتجاه الشيخوخة، بسبب تراجع الخصوبة، ولم تفلح سياسة توسيع الاتحاد الأوروبي إلى دول شرق أوروبا؛ لأن نسبة الخصوبة في أوروبا الشرقية متقاربة مع أوروبا الغربية.

وفي هذه الحال، فإن المصانع الأوروبية لن تجد اليد العاملة الأوروبية، بل لن تجد حتى من يدفع إلى صناديق التقاعد، الأمر الذي قد يؤدي بها إلى "ثورة الشيوخ" المطالبين بحقوقهم. ومن أجل تشبيب أوروبا والحصول على يد عاملة، وتعويض صناديق التقاعد، فإن الهجرة إلى أوروبا ضرورة مُلِحَّة جدا.

وإذا كان المهاجرون يشكلون معضلة لأوروبا اليوم خاصة منذ سبتمبر 2001، فلكم أن تتصورا وصول اليمين المتطرف إلى الحكم في أوروبا تحت تأثير فوز ترامب في أمريكا.

من زاوية أخرى، فإن أوروبا التي تدين برفاهيتها وأمنها كثيرا لأمريكا منذ الحرب العالمية الثانية، فإن خطاب ترامب القائل: "من يرد الحماية، عليه أن يدفع"، يجعل دول أوروبا لا تشعر بالراحة، وربما سيدفع هذا الأمر بدول أوروبا الشرقية إلى العودة إلى حضن موسكو، وقد بدأت مؤشرات ذلك مع الانتخابات البلغارية حين فاز المرشح الموالي لروسيا. ولكم أن تتصورا في حال فوز المرشحين الموالين لموسكو في انتخابات دول أوروبا الشرقية.. ألا يؤدي ذلك إلى انفجار الاتحاد الأوروبي؟

هذا.. دون الحديث عن موقع أوروبا أمام الصين وحتى روسيا في حال رفعت فعلا الولايات المتحدة الأمريكية يدها عن حلفائها التقليديين. وبناء على هذا، فإن فوز ترامب يشكل فعلا صدمة كبيرة للغرب وتحديدا أوروبا.

 فوز ترامب هو فرصة حقيقية للعرب.. فرصة لكي لا يراهنوا مستقبلا على الخارج الذي دفعهم إلى المساهمة الفعَّالة في تحطيم العراق وسوريا وليبيا واليمن.. فرصة لكي يُدركوا أن الأمن القومي العربي أمنٌ واحد غير قابل للتجزئة.. لقد بات من حكم البديهي أن الثور الأبيض سوف يُؤكل بعد مأكل الثور الأسود. 

بالنسبة إلى العرب جميعا من الحدود إلى الحدود، فإن الجمهوريين لا يختلفون عن الديمقراطيين، فكلٌّ منهم "ذبح العرب" على طريقته، بعضهم فقط شحذ السكين وبعضهم ذبحهم بسكين غير مشحوذ.

لكن انهزام هيلاري كلينتون أمام دونالد ترامب شكل صدمة قاتلة لبعض العرب الذين راهنوا عليها بل ودعموها بالمال أيضا.. فماذا تقول بعض الدول الخليجية وماذا تقول المملكة المغربية لترامب– وهي التي مولت كلينتون- إذا بدأ بتنفيذ تعهداته الانتخابية؟ هل يقولون له إنهم أرسلوا إليه برقيات تهنئة ممتازة من ناحية السَّجع والطباق والمحسِّنات البديعية؟

ماذا تقول دول الخليج، خاصة السعودية، لترامب إذا طالبها كما تعهد في حملته الانتخابية بدفع ثمن الحماية بأثر رجعي؟ ألا يعني ذلك حجز جميع أموال الخليج الموجودة في البنوك الأمريكية، المقدرة بعدة تريليونات من الدولارات؟

وماذا لو راح كلُّ أمريكي يعتقد أنه متضررٌ من هجمات 11 سبتمبر 2001 يرفع دعوى قضائية ضد دول الخليج ويطالب بالتعويضات؟ وماذا لو تطورت الأمور وامتدت إلى المطالبة بالمحاكمة في محكمة الجنايات الدولية بفعل تأييد ترامب لذلك خلال حملته الانتخابية؟ 

كذلك، وبفعل موقف ترامب من "داعش" وأحداث الربيع العربي ونظام الأسد، وغيرها من القضايا، فإن كثيرا من الدول العربية تحت الصدمة فعلا، ولا يمكن إخفاء ذلك، فهو ظاهرٌ على الأقل في وسائل إعلام كثير من هذه الدول.

لكن دعنا نقُل إن فوز ترامب هو فرصة حقيقية للعرب.. فرصة لكي لا يراهنوا مستقبلا على الخارج الذي دفعهم إلى المساهمة الفعَّالة في تحطيم العراق وسوريا وليبيا واليمن.. فرصة لكي يُدركوا أن الأمن القومي العربي أمنٌ واحد غير قابل للتجزئة.. لقد بات من حكم البديهي أن الثور الأبيض سوف يُؤكل بعد مأكل الثور الأسود.

أنا لا أستبعد أن التحسُّن السريع في علاقات الجزائر مع السعودية، وفي تسريع العلاقات الإيجابية مع الإمارات وقطر، وفي إعادة الدفء إلى العلاقات الجزائرية المغربية، له علاقة بفوز دونالد ترامب.. ولم لا يشكل فوز ترامب وقانون "جاستا" فرصة للعرب لحلِّ الأزمتين السورية واليمنية وبأسرع ما يمكن من الوقت؟ إنه عصر ترامب.. ومن يدري، رُبّ ضارة نافعة؟!

  • print