حلب والموت الذي تعب

date 2016/11/22 views 3063 comments 0

في كيلومترات مربعة قليلة ستتحدد الخارطة السياسية القادمة لسورية بل والإقليم كله.. فهنا في حلب ينتشر الصراع من بناية إلى أخرى بين الأزقة والشوارع.. تقاس الجغرافيا في حلب بالمتر والطلقة لأن الموضوع هنا له علاقة باحتدام الصراع الذي فرضه على أمتنا قادة المشروع الاستعماري الغربي في طبعته الأخيرة "الفوضى الخلاقة".

 ومع كل الصمود الذي تبديه الدولة السورية وإصرارها على وحدتها الترابية والسكانية تزداد ضراوة المعارك الميدانية التي تغذيها قوى إقليمية ودولية بالمال والسلاح والقرارات الدولية والمواقف السياسية وضخ إعلامي تقوم به وسائل واسعة الانتشار، الأمر الذي أوصل الجميع إلى ما يشبه الدوران في حقل الألغام.

لا رهان في سورية ولا أمل للخروج من المنزلق الخطير إلا على صمود الدولة السورية واستعصائها على الخضوع لمنطق التشتت الذي تعممه التدخلات الأجنبية المدفوعة بسعار وجنون نحو تقسيم سورية وقضم أجزاء منها.. وليس من قيمة لأي عنصر آخر دون صمود الدولة ووضوح الهدف لديها. فكل الآخرين الذين توافدوا لأسباب خاصة بهم لنجدة سورية، إنما هم يبنون موقفهم على أرضية صلبة من ثبات عقيدة الدولة السورية.

ديمستورا يأتي ليحقق بالخديعة ما فشلت فيه مئات آلاف المقاتلين المجلوبين من تسعين دولة، المدججين بأموال النفط وسلاح الغرب.. ديمستورا جاء ليقرر أن من حق حارة من حارات حلب أن تعلن جمهورية كبيرة لأن فيها قوات النصرة وجيش الفتح رغم أن العرف الدولي اتفق على أنها قوى إرهابية.. ديمستورا يدرك أن الموت قد تعب في ساحة المعركة، لكنه لم يفهم أن التنازل عن وحدة سورية يتجاوز الحسابات المنطقية ويتجاوز التكتيك مع أي قوة دولية وإقليمية.. إنه بالنسبة إلى سورية الروح وبالنسبة إلى المنطقة نقطة التحول الاستراتيجي الحاسمة.

من هنا، كان الامتحان الأكبر وكانت العقبة المفصلية.. ولكن ما لم يحققه الغربيون في ساحات المعركة خلال سنوات خمس ملتهبة لن يحققوه برسالة يحملها موظف أممي مدفوع من أجهزة أمن استعمارية، لأن ذلك باختصار يفقد المسؤولين السوريين شرعيتهم وسيكون عليهم تسديد فواتير قاسية أمام التاريخ والواقع السوري والمنطقة بقضاياها كلها.

حلب هي القلعة التي يكون انتصار صمودها وعدم استسلامها هو مفتاح التعامل السليم في الملف الفلسطيني، كما أنه سيكون التصحيح الضروري لما يحصل في العراق.. ففي فلسطين لا إمكانية لاستمرار المقاومة والكفاح دون ظهير جغرافي استراتيجي. ولقد لعبت سورية هذا الدور باقتدار.. كما أن السرطان الطائفي في العراق وانتشاره الوبائي لا يمكن صده وإيقاف تفاعلاته وتداعياته إلا بانتصار حلب. وهذا يمنح الجغرافيا حقا طبيعيا في التأثير على السياسة.. لأن السلام الداخلي في المجتمع الشامي سينعكس تلقائيا على المنطقة، لاسيما العراق.. ومن هنا، كان لابد من حلب للوصول إلى اليقين في المنطقة وطرد أشباح التقسيم الطائفي وإسقاط مشاريع الفتن..

حلب وسورية تقول للموت المجنون الذي تصبه إدارات الغرب من خلال أدواتهم في البلد: لن تقهر إرادة سورية بالبقاء في وحدة واحدة، كما تقول إن سيادة سورية ليست محل نقاش مع صديق أو عدو.. تولانا الله برحمته.

  • print