العربيّان: التبسي وابن مهيدي

date 2017/03/09 views 12441 comments 29

هذان رجلان ليسا كأحد من الرجال، حيث يصدق في كلّ منهما المثل العربي القائل: "واحد كألف"، فبمثلهما تعتز الجزائر وتفخر وتطاول عنان السماء، ولو أن ديننا الحنيف لا يحرّم إقامة التماثيل لدعوت إلى إقامة تمثال لكل واحد منهما في أكبر الساحات في كل مدينة وقرية من مدننا وقرانا، ولكننا قوم لسنا من دعاة إقامة الأصنام الحجرية فضلا عن إقامة الأصنام "البشرية"، التي كثرت في الأمة العربية، إذ في كل بلد عربي "صنم" أو "أصنام" يعكف عليها الجاهلون، يطوفون حولها، ويصفقون لـ "الأحياء" منها، فلا حبا فيها، ولا إيمانا بها، ولكن تزلّفا إليها لقضاء مآرب، وتحقيق مكاسب، وملء حقائب، ونيل رغائب.. وما أجمل المثل الانجليزي القائل في مثل هؤلاء: "إذا لم تستطع أن تكون رجلا فحاول أن تكون نصفه"، والنصف كثير، ولو قال عشره لكان أصوب وأبلغ.

عرفت شعبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في سكيكدة قيمة الرجلين، التبسي وابن مهيدي، وهل كجمعية العلماء معرفة بالرجال، وتقديرا لهم، وإعلاء لمقامهم العالي، وتثمينا لجوهرهم الغالي، فنظمت عنهما يوما دراسيا يوم السبت (4-3-2017) بالمركز الثقافي الإسلامي بمدينة سكيكدة، التي أسميها "مدينة الشهداء"، حيث استشهد فيها في يوم أو بعض يوم آلاف الشهداء العزّل على أيدي المجرمين الفرنسيين الذين يحلو لبعض "كبار" مسئولينا احتضانهم وتقبيلهم، أعني بذلك اليوم يوم 20 أوت 1955.

لقد غصّت قاعة المحاضرات، بل ضاقت، على الحضور بما رحبت، وبقي كثير منهم واقفين...

كان الحضور (رجالا ونساء) متميزا، فما منهم ومنهن إلا له ولها مقام معلوم في مختلف ميادين العلم، وفي جميع مستوياته، أو في العمل الخيري النافع، وهذا شأن المسلم الحقيقي، فهو إما عالم، أو متعلم، أو معلم، أو فاعل للخيرات، دالّ عليها، ولو ربي أبناؤنا على هذا لما عرف مجتمعنا الانحرافات التي نشكو منها ونعانيها، على أعين كبرائنا وأسماعهم.

وقد دعي لتأطير هذا اليوم الدراسي كل من الدكاترة عبد الرزاق قسوم، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومحمد الأمين بلغيث، الأستاذ بكلية العلوم الإسلامية، ومولود عوفير، عضو الجمعية، ورئيس تحرير مجلة التبيان، والأستاذ بقسم التاريخ، والأستاذ محمّد الهادي الحسني..

وقد افتتح الدكتور قسوم فعاليات هذا اليوم الدراسي واختتمه بالحديث عن "خير جمعية أخرجت للناس"، ومالها ولأعضائها من أفضال على الجزائر، يعترف بذلك العدو الكنود، والصديق الودود، ولا ينكر ذلك إلا الجحود من أراذلنا، وبادي الرأي "منا"، الذين يسعون جهدهم - كما سعى أسلافهم- لإطفاء نور الجمعية، والله متم نورها، ولو كره "أصحاب الرّاي"، ومن وكّلتهم فرنسا لتنفيذ مخططاتها في مقابل دراهم معدودة.. وستلفظهم - كما لفظت سابقيهم- يوم تنتهي "صلاحيتهم" وتنكشف "سوءاتهم".

وتحدث الدكتور مولود عوفير عن الشيخ العربي التبسي وجهوده في خدمة مالا قيامة للجزائر واستمرارها إلا بها، وهي المقومات، التي نسميها اليوم "الثوابت الوطنية"، وهي "الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر وطننا"، وهي الشعارات التي أخذها حزب الشعب الجزائري، الذي أسس في سنة 1937، أي بعد تأسيس الجمعية بستة أعوام.. 

إن أحسن من يشهد للشيخ العربي التبسي هم أصحابه الذين عملوا معه، وعمل معهم، وأكتفي بشهادتين للإمامين عبد الحميد ابن باديس، ومحمد البشير الإبراهيمي.. فقد قدّمه الإمام ابن باديس عندما قدّم آخر مكتب إداري لجمعية العملاء بقوله: "الشيخ العربي بن بلقاسم التبسي من بيوتات النمامشة الماجدة، والمعلم بمدرسة البنين بتبسة، والمدرس والإمام بمسجدها الحر، ورئيس لجنة الفتوى، والرجل الصلب الشديد في جميع مواقفه، والكاتب العام للجمعية". (البصائر في 28/10/1938. ص1).

وقد انتخب في عهد رئاسة الإمام الإبراهيمي للجمعية نائبا له، ومديرا لمعهد الإمام ابن باديس، الذي قال عنه: "وقد كنت مدّخرا لإدارة المعهد كفؤها الممتاز، وجذيلها المحكك الأخ الأستاذ العربي التبسي.. (وهو) مدير بارع، ومربّ كامل، خرّجته الكليتان الزيتونة والأزهر في العلم، وخرّجه القرآن والسيرة النبوية في التدين الصحيح، والأخلاق المتينة، وأعانه ذكاؤه وألمعيّته على فهم النفوس، وأعانته عفّته ونزاهته على التزام الصدق والتصلب في الحق وإن أغضب جميع الناس، وألزمته وطنيته الصادقة بالذوبان في الأمة، والانقطاع لخدمتها بأنفع الأعمال، وأعانه بيانه ويقينه على نصر الحق بالحجة الناهضة، ومقارعة الاستعمار في جميع مظاهره.." (آثار الإمام الإبراهيمي ج2. صص 217-218).

يدل على هذا كله ما اقترحته قيادة الثورة من إخراجه من الجزائر، فأبى ذلك وقال: "إذا كنا سنخرج من الجزائر كلنا خوفا من الموت فمن يبقى مع الشعب". (العالم الشهيد: الشيخ العربي التبسي. مجموعة من الأساتذة. جامعة الأمير عبد القادر. ص 308).

وقد اختطفه أشر خلق الله، الفرنسيون، وعذبوه عذابا نكرا، ولا يعرف قبره إلى الآن.. ويكفي الشيخ العربي أنه قال ما معناه إن متنا فسنحمل عداوة فرنسا في قلوبنا إلى القبور..

وتحدث الدكتور محمد الأمين بلغيث عن الشهيد محمد العربي ابن مهيدي، الذي نشأ في حضن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ممثلة في الشيخ على مرحوم، فتأثر بمبادئ الإسلام، وقد شهد له عارفوه أنه كان يصوم يومي الإثنين والخميس، محافظا على صلاته، وكان من أبرز قادة الثورة، حيث كان أحد  الستة الذين أعلنوا الجهاد في 5 ربيع الأول من عام 1974 (1 نوفمبر 1954)، ورأس المنطقة الخامسة (الولاية الخامسة)، كما ترأس مؤتمر الصومام، وعين في لجنة التنسيق والتنفيذ، قبل أن يستقر في مدينة الجزائر للإشراف على معركتها.

فأظهر عزما وحزما، وثقة في الشعب، فهو صاحب مقولة: "ألقوا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب".

وعندما قبض عليه أشدّ الناس عداوة للجزائريين وحقدا عليهم عذبوه عذابا لم يعذبوا أحدا مثله، ولكنهم اعترفوا له بالرجولة والنبل، ولم يكشف لهم نظام الثورة، ولا إخوانه المجاهدين.. وكذبت "دولة الكذب" فادعت أنه انتحر..

أما كاتب هذه السطور فقد أسند إليه المنظمون موضوع "دور جمعية العلماء في الثورة المسلحة"، فأكد بالأدلة أنه أشرف دور، وقامت بما لا يستطيع غيرها القيام به، وإن زيف المزيفون، وأرجف المرجفون، الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.. ويكفيها شرفا أنها أول هيئة اعترفت بالثورة في أيامها الأولى، ودعت الشعب في "فتوى" لمساندة الثورة، ومهّد الإمام الإبراهيمي الطريق أمام قادة ثورة الدول العربية، وأهمها المملكة العربية السعودية التي هي أول دولة عرضت القضية الجزائرية في الأمم المتحدة.. وعينت من اقترحه الإمام الإبراهيمي - أحمد الشقيري- في بعثة السعودية ليتولى ويتابع القضية الجزائرية، وكان نعم المتابع، ونعم المدافع..

تحية إلى الإخوة أعضاء شعبة جمعية العلماء في سكيكدة على حفاوتهم، وكرمهم، ونشاطهم، وندعوهم إلى الثبات والاستمرار.. فما يقال لهم إلا ما قد قيل للصالحين المصلحين من قبلهم.. والعاقبة للمتقين.

وفرج الله عن أخ فرّج عنا "مشكلا" وقع لنا، و"سلمه" الله، دنيا وآخرة.

  • print