صناعة الدمار الشامل بالفرجة المستدامة

date 2017/08/05 views 2513 comments 8

أغلى السلع اليوم ليس النفط الذي تنهار حضارة اقتصاد السوق لو نفد، أو الذهب الذي تكتنز فيه الثروات حين تبور الأسواق، ولا المعادن والأتربة النفيسة التي تقوم عليها صناعات سيليكون فالي للأجهزة الذكية، بل أغلى السلع هي التي أعِدَّت للفتك بالبشر أو لصناعة الفرجة زمن السلم والحرب.

في بحر أسبوع، علمنا أن إمارة قطر المحاصَرة من الجار الجنب قد أنفقت 5 ملايير دولار لشراء 7 سفن حربية قد لا تطلق قذيفة واحدة قبل أن يأكلها الصدأ الذي أكل مئات المليارات أنفقتها دول الخليج على أسلحة اشتُريت للفرجة ليس إلا، وجاء خبر شراء فريق باري سان جيرمان للبرازيلي الموهوب نايمار بأكثر من 200 مليون يورو، وأجرة أسبوعية تزيد عن نصف مليون يورو حتى يقتنع الجميع بأن المستقبل يبقى من نصيب المقاولين في أسلحة الدمار الشامل أو في صناعة الفرجة المستدامة للعوام.

الخبر الأول يلزمنا بعقد مقارنة بين ثمن صفقة السفن الخمس والدخل القومي الخام لبلدٍ عربي مسلم مثل موريتانيا يقتات فيه 4،3 ملايين نسمة على دخل قومي خام بـ4,6 ملايير حصة الفرد فيه- إن وصلته- تعادل جزءا من 150 جزء من حصة الدخل الفردي للقطريين.

أما الصفقة القطرية الثانية على الفرجة فتجبرنا على عقد مقارنة بين ما يُنفق اليوم على من يصنع الفرجة في الرياضة وفنون "السح ـ الدح ـ مبو" وما يُسمح به لشراء خبرة العلماء والمهندسين، أو ما يُصرف للملايين من الكادحين البسطاء الذين قد تتعطل الحياة بالكامل لو أضربوا عن العمل.

بعضنا قد يذكر أن إمارة طالبان كانت تنفق على إدارة بلد بحجم أفغانستان قبل الاجتياح الأمريكي أقلّ من ثلاثة أمثال أجرة نايمار، وأن أكثر من ثلث دول العالم لا تنفق على الصحة والتعليم ما يُصرف لنجم كرة القدم، ثم يعجب بعضهم لماذا يغامر "الغلابة" في زوارق الموت والهجرة نحو الشمال؟

بعد مرور قرابة 1500 سنة ما زلنا نعيب على أمراء بني أمية وبني العباس، ومن تبعهم بإحسان في الشرق والغرب، ما كانوا ينفقونه على شعراء القصر: رواد صناعة الفرجة وقتئذ، مع أن ما يدفعه أمراء هذا العصر على صناع الفرجة في الرياضة والغناء يفوق ألف مرة ما كان يجود به سلاطين زمان، وما يُصرف اليوم على آلة القتل المُعَدَّة لكسر عظام من لا تنفع معه الفرجة يفوق في اليوم الواحد ما أنفقته جميع الإمبراطوريات القديمة.

بقي أن نعرّج على خبر ثالث له صلة بما سبق، فقد انتقلت البحرية الإيطالية إلى السواحل الليبية لمحاربة الهجرة السرية عند المنبع، بعد أن فشل الحزامُ الأمني الأوروبي في صرف "الغلابة" من شباب إفريقيا عن اجتياح القارة العجوز أو الموت دون جنتها الموعودة، وكان بوسع أوروبا أن تلزم رؤساء فرق الكرة المحترفة بتخلي كل فريق عن خدمات بعض نجومها، وتوجيه تلك الأموال الطائلة لمساعدة دول الساحل على بناء تنميةٍ تستوعب أهلها، فلا تحتاج أوروبا بعدها لا إلى هذه الحروب الكاذبة الآثمة على الإرهاب، ولا إلى هذا الجدار الأمني المكلف، فما يُدفع إلى لاعب مثل نايمار يكفي لإعالة 25 ألف عائلة في الساحل بمستوى مقبول من الرفاهية!

  • print