“أبو عبيدة” لم يمت حتى وإن أكد الاحتلال اغتياله.. وهذا مصير زوجته وأبنائه!
رغم إعلان الاحتلال الإسرائيلي رسميًا اغتيال “أبو عبيدة”، المتحدث العسكري باسم كتائب القسام في غارة جوية استهدفت شقة سكنية بمدينة غزة، إلا أن حالة من الإجماع الشعبي والإعلامي سادت في الأوساط الفلسطينية والعربية على أن الرجل لا يزال حيًّا.
ووسط تضارب كبير في الروايات حول مصير “الملثّم” الذي أوجع الاحتلال الصهيوني بثباته ورباطة جأشه، وألهب مشاعر العرب والفلسطينيين بخطاباته المزلزلة، اجتاح شبكات التواصل الاجتماعي طوفان من المنشورات التي تناولت شخصيته ومسيرته، كلٌّ يستعيد مواقفه وصوته الذي ارتبط بذاكرة المقاومة في أصعب لحظاتها.
وبينما سارع الاحتلال إلى التأكيد على نجاح عملية اغتياله، بقي الغموض يلف الحقيقة، في انتظار بيان المقاومة الذي يتلهف الجميع له، بمن فيهم العدو، بفرق واحد أن أنصار القضية الفلسطينية يعتبرون النتيجة مشرفة مهما كانت بقولهم:”إنْ كانَ حيًّا سيُكمِلُ نضالَه، وإنِ ارتقى فقد نالَ مرادَه وفي الحالتَين هو خالدٌ بينَنا، وفي الحالتَين هو المُنتصِر”.
واستشهد كثيرون بقوله تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ”، محذرين من تبني روايات الصهاينة، ولافتين إلى أن حماس هي المسؤولة عن إعلان الخبر.
وأضافوا أن “أبا عبيدة” وإن نال شرف الشهادة التي كان يطلبها، سيبقى حيا في قلوب المسلمين وفي ذاكرة الأمه وستبقى كلماته شاهدة على جرائم الاحتلال النازي.

من جانب آخر، أكدت مصادر مقربة من عائلة أبي عبيدة استشهاد زوجته “أم إبراهيم” وأبنائه الثلاثة ليان ومنة ويمان في الغارة ذاتها، وهو ما فجّر موجة من الحزن العميق وأعاد إلى الواجهة صورة الفقدان الذي يعيشه آلاف الفلسطينيين تحت القصف.
وهذا الحدث لم يُنظر إليه فقط بوصفه استهدافًا لشخصية بارزة في المقاومة، بل كفصل جديد من معاناة العائلات الغزية التي تدفع الثمن الأكبر في هذه الحرب.

وتحدث الناشط الفلسطيني “أبو مُعاذ العسقلاني” عن زوجة “الملثم” قائلا إنها قضت وأولادها الحرب بطولها بعيدةً عن الجميع مقطوعاً الاتصال فيها حتى قيل أنها استشهدت وفُقدت جثتها، والحال أنها كانت نازحةً حالها حال عامة الناس بل والله أشد”.
وأضاف: “مرَّت عليها الليالي كما قيل لا تُغذي أبناءها إلا بآيات الله تصبراً حتى حفظت طفلتها “منة الله” كتاب الله عز وجل أثناء الحرب قبيل الهدنة، ولم تكن لا في قصور عاجية ولا هاربةً من المذبحة ولم يؤمِّن مسكنها ولا مأكلها ولا مشربها أحد حالها حال كثيرٍ من نساء القادة وعائلاتهم”.

وليلة السبت 30 أوت هزّت مزاعم اغتيال أبو عبيدة، العالم العربي، بعد أن نقلت وسائل إعلام عبرية أن غارة جوية دقيقة استهدفته، لتسود حالة من القلق والترقب، في ظل غياب أي تأكيد رسمي.
وقال وزير دفاع الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن “إسرائيل تمكنت من تصفية أبو عبيدة في غزة”، ثم أصدر الجيش وجهاز الأمن الداخلي (الشاباك) بيانا مشتركا بشأن اغتياله.
وذكر البيان أن “الجيش والشاباك قاما السبت “بتصفية” حذيفة الكحلوت (أبو عبيدة)”، مضيفا أن “العملية تمت بناء على معلومات استخبارية سابقة بشأن مكان وجوده”.
وفي تصريح سابق مقتضب، قال نتنياهو: “هاجم الجيش الإسرائيلي أبو عبيدة، ونحن ننتظر النتائج”، مشيرا إلى أن الحركة تتأخر في إعلان مقتله.
وأضاف نتنياهو، في مستهل اجتماع الحكومة: “نحن ننتظر النتائج. لاحظت أن إعلان حماس تأخر قليلا. يبدو أنه لا يوجد من يطلعنا على هذا الأمر”.
في ذات السياق علق الكاتب والمحلل السياسي ياسر الزعاترة قائلا: “نتنياهو إذا يتلهّف على خبر “الملثم”! قال إن “الجيش هاجم “أبو عبيدة” وننتظر النتائج”!
وأضاف: “تخيّلوا أن هذا الكائن الذي يتبجّح بـ”تغيير الشرق الأوسط”، وتعربد طائراته طولا وعرضا، يتلهّف على خبر اغتيال ناطق إعلامي لحركة مُحاصرة في مساحة صغيرة! سبحان من كشف صغاره، وأعلى شأن “أبي عبيدة””.

ويرى محللون سياسيون أن ما حدث يدخل ضمن “تكتيكات الحرب النفسية” التي يعتمدها الاحتلال، والتي يهدف من خلالها إلى اختراق الوعي الجمعي الفلسطيني، وزعزعة ثقة الجمهور بقيادته.
ويشير هؤلاء إلى أن الإعلام العبري غالبًا ما يستخدم هذا النوع من الدعاية في لحظات التصعيد أو بعد ارتكاب مجازر بهدف التبرير أو التضليل.
وما بين من صدّق رواية الصهاينة ومن رأى فيها دعاية مكشوفة، تباينت ردود فعل الجمهور العربي، بين قلق من خسارة أحد رموز المقاومة وقيادييها البارزين، ومن شكك في الخبر، خاصة في ظل غياب صور أو فيديوهات توثق ما حدث فعليًا، وهو ما عزز رواية النفي.
وأكد كثيرون أن رحيل أبو عبيدة لن يغير المعطيات على الأرض، لأن المقاومة بقيت صامدة ولا تزال تقدم البطولات، رغم استشهاد معظم قادة الصف الأول.

للعلم، هذه ليست المرة الأولى التي يروج فيها الاحتلال الإسرائيلي لمزاعم كهذه، ففي أكتوبر 2024 ضجت شبكات التواصل، بالحديث عن اغتيال أبو عبيدة، في عملية استهداف دقيقة، حيث نسبت عدة صفحات الخبر لشبكة إن بي سي الأمريكية، ليتبين لاحقا أنه زائفا.
وتداولت عدة حسابات عربية وعبرية، مزاعم تصفية الرجل الذي رفع ضغط الاحتلال الإسرائيلي بخطاباته المدوية، مباشرة بعدما قال الأمين العام للمجلس الإسلامي العربي، محمد على الحسيني، أنه موجود في رفح.
ودعا الحسيني عبر قناة العربية، “أبو عبيدة” لمغادرة القطاع لإنقاذ نفسه، لأن الدور عليه، متبجحا بإعلان نهاية مشروع “طوفان الأقصى” الذي بدأ في 7 أكتوبر 2023، ومدعيا أن شيعة لبنان يسبون ويلعنون الذين تسببوا في تهجيرهم.
ونشر مغردون عشرات التدوينات التي تتحدث عن لحاق أبو عبيدة بالسنوار، الذي استشهد يوم 16 أكتوبر 2024، إثر تشابك ضاري مع العدو الصهيوني، حيث ادعت بعض الحسابات المحسوبة على العرب والمطبعة مع الكيان الغاصب أنه تمت تصفية هؤلاء القادة بعد انتهاء مهمتهم.
وفي مارس 2025، قالت وسائل إعلام عبرية إن الغارات العنيفة التي أودت بحياة قياديين بارزين من الجهاد الإسلامي وحماس، استهدفت أيضا الملثم.
وشهر ماي الماضي، روج ذباب الصهاينة عبر منصات التواصل الاجتماعي لمزاعم فرار “أبو عبيدة”، إلى تركيا، ليخرج الإعلام العبري بخبر التحقيقات الجارية للتأكد من نجاح عملية اغتياله، على إثر قصف المستشفى الأوروبي.
ومع الترويج لمزاعم اغتيال أبو عبيدة في العملية التي استخدم فيها العدو الصهيوني نحو 40 قذيفة خارقة للتحصينات، استهدفت محيط المستشفى، قال متابعون للشأن الفلسطيني إن الاحتلال يناقض نفسه بنفسه ويكشف مع الوقت ألاعيبه وأكاذيبه.
ورفض نشطاء تصديق المزاعم بشأن “أبو عبيدة”، لافتين إلى أن سياسية تشويه رموز المقاومة التي يتبعها الاحتلال الإسرائيلي لن تجدي نفعا.
ومنذ سنوات وجيش الاحتلال يحاول بشتى الطرق الوصول إليه، بعدما عجز طوال الفترة الماضية عن تحديد هويته وملامح وجهه، إذ يظهر عبر الشاشات بزيه العسكري ولثامه الأحمر، متوعداً العدو، وكاشفاً عن عمليات المقاومة وإنجازاتها.