-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“إتيان” ديني؟

“إتيان” ديني؟

كنت مارّا منذ يومين بالقرب من “حي الدّويرات”، وهو أحد أقدم أحياء مدينة البليدة، وقد استوقفني اسم أحد أنهج هذا الحي العريق، إنه “إتيان ديني”.

لست أدري إن كان المسؤولون على وضع هذا الإسم يعلمون أن صاحبه قد اختار لنفسه عن اقتناع اسما آخر هو “ناصر الدين ديني”، بعدما شرح الله –عز وجل- صدره، وهدى قلبه، وأنار بصره وبصيرته؟

إن كان هؤلاء المسؤولون يعلمون أن ديني قد أسلم وجهه لله –عز وجل- وتخلّى بإرادته عن اسمه القديم، فلماذا يعترضون على إرادته، ويتمسّكون باسمه القديم؟ وإن كانوا لا يعلمون فلماذا يُبقون من أسماء النصارى إلا على هذا الاسم فقط وأسماء الشهداء لا تُحصى ولا تُعدّ؟

وهل هذا الاسم أطلِق على هذا النهج بعد استرجاع الاستقلال أم قبله؟

الحقيقة هي أن كثيرا من مسؤولينا يفتقدون إلى ثقافة تاريخية، يضاف إليها استنكافُهم عن سؤال أهل الذِّكر، فيقعون في أخطاء فاحشة، ويُوقعون غيرهم فيها. أما الأخطاء اللغوية فحدِّث عنها ولا حرج..

ومن هذه الأخطاء أن شارعا ببلدية الأبيار في مدينة الجزائر كُتب عليه “شارع دي أومياد”، ولولا كتابة الإسم باللغة الفرنسية لما اهتديت إلى الإسم الحقيقي الذي لم يكن إلا “شارع الأمويّين”، فهلاّ سألوا إذ لم يعرفوا؟

ومن ذلك أيضا أن الشارع الذي يصل بين ساحة محمد الصديق ابن يحي، أمام رئاسة الجمهورية ووزارة الشؤون الخارجية القديمة، وبين شارع الاستقلال في حي المرادية (نسبة إلى الشهيد مراد ديدوش)، هذا الشارع كان يُسمَّى قبل استرجاع الاستقلال “الزعاطشة”، وهي واحة قريبة من مدينة بسكرة، وقد أطلق الفرنسيون هذا الاسم على هذا الشارع تذكيرا بجنودهم وضباطهم الذين قُتلوا عند احتلالهم هذه الواحة.. فلما طُرد الفرنسيون، وطُهّرت الجزائر من رجسهم جاء مسؤولونا فمحوا اسم “الزعاطشة”، وسموا الشارع المذكور “علي حداد”. والسؤال هو: هل كان أولئك المسؤولون يعلمون قصَّة الزعاطشة؟ إن كانوا يعلمون وتعمَّدوا محو اسمها فتلك جريمة في حق شهداء الزعاطشة، تضاف إلى جريمة فرنسا التي ماتزال تحتفظ إلى اليوم بـ”متحف الإنسان” بباريس برؤوس قادة معركة الزعاطشة منذ سنة 1849، وهو الشيخ بوزيان وابنه، والشيخ موسى الدرقاوي، وإن كانوا لا يعلمون فهلا سألوا إذ لم يعلموا؟ 

إنني أدعو كلا من مسؤولي بلديات البليدة والأبيار والمرادية إلى المسارعة إلى تصحيح هذه الأسماء، ولا يستنكفون ويصرّون على إبقاء هذه الأخطاء التي تجعل هؤلاء المسؤولين أضحوكة.. 

أما ناصر الدين ديني فهو رسام فرنسي، وُلد في 1861، درس الرسم، ومهر فيه، وزار الجزائر فسحره جمالُها، وأعجبه شعبُها بأخلاقه الطيبة، فآثرها على وطنه فرنسا، واستقر مدة من الزمن في مدينة بوسعادة التي وصّى أن يُدفن فيها، وبلغ إعجابه بها إلى أن يقول، كما نُسب إليه: “إن كانت الجنة في السماء فهي فوق بوسعادة، وإن كانت تحت الأرض فهي تحت بوسعادة”. (ناصر لمجد: ناصر الدين ديني… ص 144). 

قرأ عن الإسلام، واحتكّ بالمسلمين في الجزائر، وقارن بينه وبين النصرانية التي ولده أبواه عليها، فلم يقبلها عقلُه السليم، ورفضتها نفسُه السويَّة، وعلم الله – عز وجل – في قلبه خيرا فأتاه خيرا، فدخل في دين الله، الذي وصفه بأنه “دين الفطرة الإنسانية” (ص 126). وحيي عن بيّنة، عكس الذين وُلدوا على الفطرة، وكان آباؤهم مسلمين، ولكنهم استحبوا العمى على الهدى وعاشوا كالأنعام، بل هم أضل كما جاء في القرآن الكريم، “وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا”. 

“وكان ديني صديقا لمجموعة من الجزائريين كالأمير خالد، والشيخ الديسي، والحفناوي، وأحمد توفيق المدني، وغيرهم.. ودافع عن الجزائريين الذين عانوا ما يُشيب الغراب تحت أنذل وأخسّ استعمار.. وقد دفع ثمن موقفه ذاك فضيق عليه، ولكنه كان أمضى عزما من أعدائه، فصبر وصابر حتى لقي ربه رضيّ القلب، مطمئن النفس.”

وكان ديني صديقا لمجموعة من الجزائريين كالأمير خالد، والشيخ الديسي، والحفناوي، وأحمد توفيق المدني، وغيرهم.. ودافع عن الجزائريين الذين عانوا ما يُشيب الغراب تحت أنذل وأخسّ استعمار.. وقد دفع ثمن موقفه ذاك فضيق عليه، ولكنه كان أمضى عزما من أعدائه، فصبر وصابر حتى لقي ربه رضيّ القلب، مطمئن النفس في آخر سنة 1920، بعدما ترك خلفه مجموعة كبيرة من اللوحات الجميلة.. كما ترك مجموعة من الكتب أهمها “حياة محمد” صلى الله عليه وسلم، و”الحج إلى بيت الله الحرام”، وبعض هذه الكتب وضع عليها مع اسمه اسم أصدق وأصدقائه، الذي هو سليمان ابن براهيم الذي لم يكن ذا مستوى علمي، ولكن ديني آثر أن يضع اسمه لما له من أفضال، أهمّها إنقاذه من شرذمة من اليهود أرادوا أن يبطشوا به..

وأحب أن أختم هذه الكلمة بقطعة من الشعر للدكتور عبد الحفيظ بورديم من ديوانه المخطوط المسمى “رجال من أمتي”، وهي عن ناصر الدين ديني: 

“لمن قبر بياضه كالبقيع

شميمه من ندى الشجر البديع

تمتع من شميم عرار قبر 

إذا رسم الهوى لون الربوع 

شيوخا كالنخيل تضوّع مسكا 

وتعلي رملة الوادي المريع 

كتابا كالحمام يذيع سرا 

ويسقي روضة القلب الخشوع”.

فرحم الله أخانا في الله ناصر الدين ديني، وشكر عمل الأخ ناصر لمجد، الذي ألف كتابا عن ناصر الدين ديني.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • جموعي

    لاحظت يأستاذ الكريم إهتمامك الزائد بالتاريخ ورجاله في الجزائر . في حين أظن أن هذه البوابة التي أتيحت لك والحمد لله ، يجب إستغلالها للجغرافيا ،فالشعب لايعرف موقعه والشباب لايعرف وجهته ولا يسمع الا ما يثبط عزيمته أو ينومه أكثر.فهوفي حاجة إلى صيحة وإيقاظ الضمير ، ودفعه لتبني فكرة ورسالة تحدد وجهته.واسمحلي إن كنت مخطأ.

  • الحاج الهاملي

    إذا كان هو نفسه اختار اسما غير اسمه، فلماذا تصر أنت على إبقائه عليه. هو اختار اسم ناصر الدين دينيه.. ! فكفاك تطاولا على الشيخ، ومد رجليك على قدر كسائك..

  • مذكور حمدي

    تابع/ لقد علمتنا الحياة ان الحرية غالية وان ثمنها التضحية والكفاح وان الحرية لاتوهب لكن طريقها شاق عسير لايجتازه الا من درب نفسه على الصبر والنضال .

  • مذكور حمدي

    تابع للفيلق 11بسكيكدة وبعد تادية الواجب الوطني تلتحق انت بالجامعة للتدريس والتحق انا بسونلغاز كمستشار قانوني وتشاء الضروف ان نلتقي مرة ثانية من اجل نداء الوطن العسكري لنلتحق بمدرسة ضباط الاحتياط بالبليدة عام 1979تحت اشراف الرائد الحاجم رحمه ثم نعود الى مهامنا السابقة لتعين انت بمسجد باريس لما كان المرحوم سي عبد الحميد مهري سفيرا بفرنسا . ثم تعود الى ارض الوطن للتدريس بالجامعة الجزائرية وتلك تمضي سريعة والعمر يسير نحو الشيخوخة ولكن تبقى الذكريات والرجال الذي تعرفنا عليهم من الصنف الممتاز

  • مذكور حمدي

    تابع / مستشار الرئيس بن بلة آن ذاك والشيخ مصباح رحمه الله والاستاذ عمر البرناوي طيب الله ثراه .../...ذكرتك بهذه الذكريات حيث غادرت انت الجزائر في منحة دراسة الى الكويت الشقيقة ثم بريطانيا وتشاء الصدف ان نلتقي مرة اخرى باكادمية شرشال لمختلف الاسلحة لتادية الخدمة الوطنية لضباط الاحتياط عام 1972 وبعد اشراف الرئيس بومدين رحمه الله والرئيس بوتفليقة اطال الله في عمره في تقليد الرتب لدفعتنا (الدفعة الثامنة لضباط الاحتياط) عينت انت كضابط احتياط استاذ بهذه الاكادمية واعين انا مذكور حمدي مدير تدريب للفيلق

  • مذكور حمدي

    اخي وصديقي وزميلي دراستي الدكتور الاستاذ محمد الهادي الحسني احييك تحية الاسلام واقول لك السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركلته وبعد فها انا اعود بك الى تلك الايام الخالدة التي جمعتنا على مقاعد الدراسة بثانوية مهندس مؤتمر الصومام الشهيد البطل عبان رمضان بالحراش سنوات الستينات تحت اشراف كوكبة من خيرة اساتذة الجزائر يتقدمهم عميد الكتاب الجزائلايين العلامة المجاهد صاحب 126مؤلف ممثل الجزائر اثناء الثورة التحريرية الاستاذ محمد الصالح الصديق اطال الله في عمره وزوده بالصحة والعافية والاستاذ احمد شاوي .

  • سماري عبدالملك

    فأتاه : خطأ لأنّه فعل غير متعدٍّ ،
    الأصحّ أن نقول : آتاه ...
    شكرا على تصحيح الخطإ .

  • ahmed

    ناصر الدين ديني هو نفسه إيتيان ديني و لا أظن أنه أوصى بأن يمحى إسمه الأصلي و الجزائر عليها أن تحتفظ بفضائله حتى و لو لم يكن قد أسلم مثله مثل الككثيرين الذين خدموا الجزائر من الأوربيين و الفرنسيين و منهم من قدموا أرواحهم لحرية و استقلال الشعب الجزائري أمثال الملازم هنري مايو و موريس أودان و فرنان إفتون الذين يعتبرون من شهداء الجزائر. فنحن نحترم إيتيان ديني أولا و قبل كل شيء لأنه كرس فنه لخدمة الجزائر و نظر لضيق افقك و تعصبك لا أظن أنك كنت ستذكره لو لم يدخل الإسلام لأن عداءك للفنون قد عبرت عنه

  • احمد

    الشارع كان يُسمَّى قبل استرجاع الاستقلال "الزعاطشة"، وهي واحة قريبة من مدينة بسكرة، للاسف لانها واحة في صحراء الجزائر وتناسوا ان في امريكا يوجد شارع باسم بسكرة واخر باسم دقلة نور Biskra street, Deglet Noor street ممكن لحب يشاهد الشوارع المذكورة ماعليه غير اليوتوب مناصر الاتحاد الرياضي البسكري

  • سليم

    السلام عليكم الشكر لصاحب المقال حقا توجد اناس تدعى بانها تعلم كل شيئ و في الحقيقة ما هي الا جاهلة و فيئة اخرى تتصرف بسياسة الجهوية كتغيير شارع الزعاطشة و اسم جامعة تحمل اسم لشخصية بارزة من الجنوب الجزائري كأن هذا الاخير غير تابع للجمهورية الجزائرية.

  • بدون اسم

    بوركت

  • العربي

    بوركت استاذ فقد كتبت فاجدت و ارّخت فافدت

  • merghenis

    • كتاب : " نصرالدين دينيه،الفنان المبدع في الرسم الجزائري"، المقدمة: د.أحمد طالب الإبراهيمي، الناشر المؤسسةالوطنية للكتاب ، 1984.
    • الشيخ دينيه دخل الإسلام و عمره 70 سنة. محضر جلسة النطق بالشهادتين لـ الشيخ نصرالدين موجود على الشبكة.

  • بدون اسم

    جاءوا غرباء عاشوا غرباء ماتوا غرباء فطوبى للغرباء .