-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
صيحة الشروق

إذا عربت..

عمار يزلي
  • 464
  • 0
إذا عربت..

“التعريب”، الذي تحدث عنه ابن خلدون، الذي أصبح يحمل دلالة أخرى خارجة عن سياقها التاريخي والمعرفي: “إذا عربت، خربت”! “التعريب” الذي نتحدث عنه هنا، هو ذلك الحراك الاجتماعي الثقافي، الذي حدث خلال القرنين الـ 11 و12 الميلاديين، إثر نزوح تلك الأعداد الهائلة من القبائل العربية الضاعنة: بني سليم، بني هلال، الأثبج، المعاقيل… باتجاه “إفريقية الخضراء”.

المؤرخون والرحالة الجغرافيون، يختلفون حول تعدادهم، لكنهم لا يختلفون كثيرا في عدّتهم، وفي طريقة انتشارهم، وحجم التسلح الذي كان مرافقا لهذا الانتشار، (حتى إن ابن خلدون وصف طريقة انتشارهم بالصيغة القرآنية ليوم البعث “كأنهم جراد منتشر”). هذه الأعداد الهائلة من قوافل الأعراب، وهذا الحجم الأكبر من نوعه باتجاه الشمال الإفريقي، كان من شأنه أن غير الطبيعة الديموغرافية والثقافية واللغوية، وحتى الاقتصادية، لشمال إفريقيا، بشكل عام، والجزائر بشكل خاص، بسبب شساعة منطقة الهضاب. وبالتالي، على السلوك العام والممارسات الأنثروبولوجية.

هذه القبائل (الأعراب)، سيكون لها دور تشكيل البنية الثقافية واللغوية في الشمال الإفريقي، وحتى في بعض دول الساحل الإفريقي. كما سيكون لها الأثر الفعال في نقل الممارسات والسلوكيات الفردية والجماعية إلى المجتمع البربري، لا سيما القبائل الزناتية في السهوب.

حاليا، ما يدل على ثقل التأثير الثقافي واللغوي لهذه القبائل، على مختلف مناطق وسكان الجزائر، سيطرة اللغة العامية الخاصة بهذه القبائل. يتجلى ذلك في بعض مخارج الحروف اللهاتية والحلقية واللمفوية الخشنة والمصوتة، مثل الجيم المفخمة (الجيم المصرية)، التي هي من خصائص لغة البدو والأعراب. بعض الحواضر وبعض الجيوب اللغوية المدينية، أفلتت من حجم التأثير المباشر للغة الأعراب كلهجة أهل تلمسان، ندرومة، فاس العاصمة.. ولهجة بعض المناطق ذات التواجد الخصوصي: يهود المغرب وتونس والجزائر قبل الاستقلال، ولهجات الغزوات وجيجل، وبالطبع اللهجات البربرية.

هذه القبائل الناجعة والنازحة، بهذا الحجم، كان لها التأثير الحاسم في “تعريب” الشمال الإفريقي بشكل عام، لاسيما الجزائر: تعريب سوسيوـ أنثروبولوجي و”تعريب” ثقافي ـ لغوي، وهذا بعد أن اكتفى الفاتحون المسلمون بـ “أسلمة” المجتمع المغاربي دون التمكن من تعريبه ثقافيا ولغويا..

هكذا كانت هذه القبائل وراء “تعريب” شبه كامل للشمال الإفريقي، ولكنها أيضا كانت وراء عملية “تخشين” المجتمع و”تبديته” (من البادية..)، الذي كان جزء منه مهيأ قبليا: المجتمع الرعوي البربري من شاوية زناتة، مثلا… فالغلظة والخشونة في القول والعمل من طباع الأعراب.! الأعرابي لا يتمدن بسهولة، فهو مضاد للمدنية بالطبيعة!.. فالمدنية والعمران ضد طبيعة تكوينه النفسي والاجتماعي.. وضد نزوعه الاقتصادي الترحالي واستقلاليته. وعليه، أطلق ابن خلدون مقولته: “إذا عربت، خربت”، في إشارة إلى تدمير وتخريب بني سليم لمدينة القيروان خلال حملة بني سليم وبني هلال على شمال إفريقيا في القرن 11 م.

إذا عربت خربت.. مقولة خرجت اليوم عن السياق التاريخي وصارت مثل عبارة “Travail arabe” التي كانت تعني “العمل المتقن” بمواصفات Made in Arabe country.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!