الأمن الوطني بين الصناعة الاجتماعية والصناعة المؤسساتية
الإنسان منذ خلقه، باشر الحياة وهو في مسيرة يتقدم فيها ويتغير، فأخذت حياته مجاري عديدة وتطورات كثيرة أنتجت البشر على الصيغة الحالية، وهذه التغيرات والمراحل لابد أن البشر قطعوها ومروا بها وهم يمرون بمعادلة كونية، مضمَّنة في داخلهم وفي سلوكهم وهي معادلة تلبية الحاجة.
معادلة تلبية الحاجة تطرقت إليها الكثير من الدراسات والأبحاث عبر الأزمنة، ومن هذه الأبحاث يظهر هرم ماسلو لتصنيف حاجات البشر، هذا الهرم الذي وضع فيه ماسلو حاجات الإنسان وصنفها حسب أهميتها القاعدية والأساسية، وجعل ماسلو الحاجة للأمن والأمان في المرتبة الثانية بعد الحاجات الفيزيولوجية، أي إنه بتعبير آخر تأتي الحاجة عند البشر للأمن بعد الحاجة للأكل مباشرة، من هنا تظهر أهمية معيار الأمن جلية واضحة في حياة الناس، لكن هل كل البشر واعون بمدى أهمية هذا المعيار الأساسي في حياتهم وفي رفاهيتهم وعيشهم الكريم؟ لعل هذا المصطلح عند الكثير من الناس هو مصطلح موسوم على مداخل مؤسسات رسمية، وقد يجعلون بحسب تفكيرهم أن هذه المهمة من مسؤولية هذه المؤسسات فقط، وهنا نطرح التساؤل الهام: بالنظر إلى أهمية معيار الأمن أو الأمن الوطني أو القومي بصفة عامة، هل الأمن صناعة مؤسساتية فقط؟ وهل مسؤولية الأمن تقع فقط على عاتق المؤسسات الأمنية؟
الجواب هو: لا، وفي هذا المقال سأستعرض بعض البيانات والأفكار التي تجعل من جواب “لا” جوابا صحيحا ومؤسسا فعليا، تحدثت عن مصطلحات مفتاحية وهي: الأمن، والأمن الوطني والأمن القومي، ذلك أن كل ما له سمة الأمن يدخل كمكوِّن بنائي في عملية الأمن الوطني ومن ثم الأمن القومي، وكل ما يمس بالأمن فهو ماسٌّ بالأمن الوطني والأمن القومي، فأمن الأفراد والممتلكات من الأمن الوطني ومن الأمن القومي، وكل مساس بالأمن يكون عبر فعل سلوكي جنائي.
ومن جوابي السابق عن التساؤل بجواب: لا، يمكنني أن أطرح قاعدة هامة وهي: “الأمن صناعة جمعية اجتماعية وليست فقط صناعة مؤسساتية”؛ إذ أن الأمن الحقيقي يكون عبر المشاركة الاجتماعية الجمعية من كافة أفراد المجتمع ولا يقع فقط على عاتق المؤسسات الأمنية، وإلا يكون مستوى تحقيقه غير مرضي وغير كاف، فمن المعروف أن السلوك الجنائي قبل مرحلة الفعل يمرُّ بمرحلة التمهيد، وخلال هذه المرحلة تكون المعلومة معيارا مهما في السيطرة على الفعل الجنائي ووقفه، ومساندة المؤسسات الأمنية بمثل هذه المعلومات تساعد إلى حد بعيد في السيطرة على الفعل الجنائي وكبحه قبل وقوعه، وهنا دور الحس المدني الذي له أهمية بالغة وضرورة حاسمة، بالنظر إلى كونه نابعا من عناصر المجتمع والتغطية التي يحققها أفراد المجتمع أكيدٌ لا يستطيع تحقيقها أفراد المؤسسات الأمنية، وهنا تكون الاستباقية في وقف السلوكات المنحرفة التي تمس بأمان الأفراد والممتلكات وحتى مكونات الهوية.
وعند انتشار هذه العملية على نطاق واسع أكيد أن الفعل الجنائي يصبح محاصَرا ومن ثمّ يحدُّ من انتشاره جراء ثقافة التبليغ والحس المدني ويضيق نطاقه، هذا في المرحلة التمهيدية للقيام بالجريمة يعني كعملية وقائية، وحتى في مرحلة ما بعد الوقوع، فثقافة التبليغ تؤدّي دورا بارزا في تنوير عمل التحقيق الأمني وإسناد المؤسسات الأمنية معلوماتيا، والكثير من الدراسات العلمية تؤكد أن للمجتمع دورا كبيرا في العملية الأمنية بمختلف اختصاصاتها، فنجد في دراسة مشار إليها في مجلة كلية الآداب لجامعة بنها الأهلية المجلد 62 لـجان شنايدر، ص 301، أنها تسلط الضوء على دور المجتمع المدني في مواجهة الجريمة المنظمة؛ إذ تعطي الدراسة مفهوما واضحا لأهمية دور المجتمع في مكافحة الجريمة، وعندما نقول المجتمع المدني فإننا نقول المجتمع بصفة عامة، كذلك دراسة آدمي فيلا التي تسلط الضوء على دور المجتمع في منع التطرف العنيف ومكافحته.
ومن خلال كل ما سبق، يتضح جليا أن الأمن صناعة اجتماعية فعلا وليست فقط صناعة مؤسساتية، وضرورة مساندة المؤسسات الأمنية في العملية الأمنية واجبٌ يمليه الضمير الوطني والإنساني، وأن مسؤولية الأمن تقع على كامل المجتمع وليس فقط على المؤسسات الأمنية، وفي هذا الإطار هناك جهود حثيثة تبذلها الدولة لتنويع قنوات التنسيق الأمني بين أطياف المجتمع والمؤسسات الأمنية من خلال المنصّات المتنوعة والمنظمات الناشطة في هذا المجال، ويجب أن تدعم هذه الجهود بمزيد من الآليات لترسيخ ثقافة التعاون والتكوين في مجال الحس المدني الأمني، ويكون هذا عن طريق تكوين مجموعات وأفراد على شكل خلايا تعمل على التكوين والتوعية وتنشر هذه الثقافة بين أطياف المجتمع، وتوفير فضاءات وقنوات تواصلية آمنة لإيصال المعلومة المساعِدة وتطوير برامج دقيقة ومتخصصة في حماية الشهود والمتعاونين من أفراد المجتمع، وهكذا تتكامل جهود أفراد المجتمع مع المؤسسات الأمنية في مكافحة الإجرام وإحلال الأمن والأمان والحفاظ على الأفراد والممتلكات والوطن.