-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“الإسلام دين ورؤية”

التهامي مجوري
  • 399
  • 0
“الإسلام دين ورؤية”

هذه عبارةٌ للأستاذ القائد “علي عزت بيغوفيتش” رحمه الله، قالها في سياق التعبير عن العمق الإنساني للفكر الإسلامي. ذلك الرجل الذي كاد يكون الوحيد في عصره الذي جمع بين الجهاد والاجتهاد كما يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري.

ذكر بيغوفيتش هذه العبارة ليثبت أن الإسلام ليس مجرد طقوس تؤدى يتوارثها الناس تقليدا ومحاكاة لما فعل الآباء والجدود، أو هو “دين ودولة” فحسب، كما يرى الكثير من الإسلاميين، ومنهم الشيخ حسن البنا رحمه الله في الأصول العشرين، وليس دينا فقط، كما يرى الكثير من الحداثيين من دعاة فصل الدين عن الدنيا، وإنما هو دين الله الذي بعث به جميع رسله، ودين البشرية الذي لا تسعد إلا به كما قال ابن باديس رحمه الله في الأصول العشرين التي وضعها كأصول لدعوة جمعية العلماء، ذلك لأن هذا الإسلام هو دين من حيث هو شعائر تعبدية يتوجه بها العبد إلى ربه سبحانه، وفي نفس الوقت هو منظومته ثقافية، فكرية، عقدية، وفق رؤية كونية شاملة لها تصورها الكامل لمسألة الوجود بأذرعه الثلاث: الوجود الإلهي، والوجود الكوني، والوجود الإنساني.

الوجود الإلهي يتعلق بكل ما يتعلق بالغيب الذي تعجز العقول عن إدراكه، من إيمان بالله واليوم الآخر، وهي أمور لا يحسم فيها إلا الوحي؛ لأن ذلك يحتاج إلى نبوة ورسالة من قبل الله سبحانه، وفي ذلك تدخل الخبرة النبوية كلها من جد الأنبياء إبراهيم إلى محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) [مريم 58]، والوجود الكوني بما يحمل من قوانين ناظمة له، فجميع الكون وما به مسخر للإنسان (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الجاثية 13]، والوجود الإنساني، بوصف الإنسان مكلف في هذا الوجود بما له من مكانة ودور (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ ) [البقرة 30].

ومن جهة أخرى هو دين باعتبار مصدره الذي هو الله، وباعتبار من جاء به وهم الأنبياء والرسل، فقد جاء رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن، كما جاء موسى بالتوراة، وكما جاء عيسى بالإنجيل.

ومن ثم فهو رؤية متكاملة الأركان؛ لأن هذا الإسلام تميز عن غيره من الديانات الأخرى والمنظورات البشرية الأخرى، أن له رؤيته الكونية المتوازنة، في كل ما يتعلق بالموقف من الوجودات الثلاثة: الوجود الإلهي، والوجود الكوني، والوجود الإنساني… فهو ليس مجرد طقوس يقوم بها المؤمن بها وحسب، وإنما هو منظومة متكاملة الأجزاء، غايتها الإشباع المتوازن للمكونات البشرية المادية والمعنوية بشكل وظيفي متناغم مع حركة الوجود والحياة.

والقرآن الذي هو كتاب هذا الدين، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من عزيز حكيم. بوصفه الوثيقة الأساسية وخلاصة الخبرة النبوية لجميع الرسالات السابقة، فهو ليس مجرد نصوص يُتَعَبَّد بتلاوتها وحسب، وإنما هو وثيقة متميزة معجزة؛ بل كان بفضلها ميلاد العقل الاستدلالي كما يقول محمد إقبال رحمه الله [تجديد الفكر الديني].

والنبي محمد الذي هو خاتم النبيين وصاحب رسالة هذا الإسلام الخاتمة، الذي جاء به جميع الرسل، هو بشر ولكنه مختلف عن غيره من البشر، في كمال طبيعته الخلقية والخلقية، فهو يمثل النموذج الإنساني في تطبيقاته لهذا الدين، فيختلف عن عيسى عليه السلام من حيث أن عيسى لم يعرف الحياة الزوجية والأبوة مثل محمد، ومن ثم لا يمكن أن يمثل الصورة الأمثل للزوج والأب، وسيدنا موسى عليه السلام جاء بشريعة غير قابلة للبقاء والاستمرار لما فيها من شدة وقسوة على المكلفين كما أشار إلى ذلك كتاب الرسالة الخاتمة (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [العراف 157]، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، مستبدلا ذلك بالتيسير؛ بل إن تجربته مع الرجل الصالح، بدا موسى عليه السلام وكأنه لا يعلم إلا الجانب المادي من الحياة، ولذلك لم يستوعب ما فعله الرجل الصالح، رغم أن تلك التجارب كلها مرت عليه [أبو القاسم حاج حمد: الإسلامية العالمية الثانية]، فقصة السفينة تشبه إلقاء أمه له في اليم –النهر- عندما خافت عليه من فرعون (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [القصص 7]، وقتل الغلام يشبه قتله للرجل الذي لم يكن من شيعته (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ) [القصص 15]، وعدم أخذ الأجر على الناس يشبه تماما ما فعل هو مع بنتي شعين عندما سقى لهما ولم يأخذ عليهما أجرا (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [القصص 25]. وهذه الوقائع الثلاث، جاءت في سورة واحدة هي سورة القصص، كما كانت وقائع الرجل الصالح في سورة واحدة وهي سورة الكهف.

والرؤية في لغة العصر تمثل البرنامج الإصلاحي بخططه وجوانبه الإستراتيجية، تنظيرا وسلوكا وأعمالا وأخلاقيات واستشرافا لعالم الوجود وحركة الكون والحياة… إلخ.

هو رؤية متكاملة الأركان؛ لأن هذا الإسلام تميز عن غيره من الديانات الأخرى والمنظورات البشرية الأخرى، أن له رؤيته الكونية المتوازنة، في كل ما يتعلق بالموقف من الوجودات الثلاثة: الوجود الإلهي، والوجود الكوني، والوجود الإنساني… فهو ليس مجرد طقوس يقوم بها المؤمن بها فحسب، وإنما هو منظومة متكاملة الأجزاء، غايتها الإشباع المتوازن للمكونات البشرية المادية والمعنوية بشكل وظيفي متناغم مع حركة الوجود والحياة.

والمنهجية التي جاء بها الإسلام أو الرؤية حسب تعبير علي عزت بيغوفيتش، تمثل الحد الفاصل بين العالم القديم والعالم الجديد، وذلك بختم النبوة، حيث لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، فنبوة محمد من الجهة الدينية تمثل خلاصة الخبرة النبوية كلها كما قال عليه الصلاة والسلام “مثل ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بنيانا فحسنه وجمله ولم يبقَ منه إلا موضع لبنة… أنا هو اللبنة وأنا خاتم النبيين”، ومن الجهة التاريخية فيمثل منهجه زبدة الخبرة البشرية، ولذلك كانت سيرته عليه الصلاة والسلام هي النموذج الأمثل للبشرية، بحيث بقي المنهج هو هو وإن تبدلت مظاهر الحياة، فلم تزد البشرية عن منهجية النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الحياة شيئا، يمكن أن يسمى إضافة جديدة على البشر في التفاعل مع الوجود.

وعبارة علي عزت “الإسلام دين ورؤية” في غاياتها الكبرى هي الأساس لعبارة الشيخ عبد الحميد ابن باديس “الإسلام هو دين البشرية الذي لا تسعد إلا به”، والسعادة لا تكون إلا بالكمال وما يمثله من آفاق إنسانية، وهي المعاني التي كان علي عزت بيغوفيتش يخاطب بها العالم، ليكشف له عن معنى للإسلام لا يعرفه؛ لأن الكثير من دعاة الإسلام عجزوا عن تبليغه كدين ورؤية، أو قل لم يتصوروه إلا دينا يدينون الله به، شعائر وألفاظا وأشكالا.

وما بين الدين والرؤية صيغة تكاملية تعبر عن الغاية من الوجود، عبادة ومعاملة وسلوكا، ومعرفة وحركة وعلاقات، من حيث هما مصطلحان لكل منهما محتوى دلالي، يبدو وكأن بينهما اختلاف وتباين، ولكن في الواقع من الناحية الوظيفية، هما مصطلحان متكاملان، فالدين كمنظومة تقتضي الاستسلام والخضوع لمقررات الدين، ممارسة تعبدية وثمارا مكتسبة من ذلك الخضوع والاستلام، ولكن هذا الخضوع والاستسلام يتطلب قواعد اعتقادية وتصورات سابقة للخضوع والاستسلام، تلك هي الرؤية التي تتشكل لدى الإنسان كصور ذهنية وانفعالات قلبية تتطلبها طبيعة التفاعل الإيجابي مع حركة الوجود بأذرعه الثلاثة: الوجود الإلهي، والوجود الكوني، والوجود الإنساني [د. الطيب برغوث: سؤال النهضة والحاجة إلى منظور السننية الشاملة].

ومن ثم فإن الدين في حاجة إلى رؤية قبل أن يكون في حاجة إلى دولة أو جهة تحرص على حمايته، وهذه الرؤية لا بد من أن تتبناها مجموعات من البشر وليس آحادا من المؤمنين؛ لأن الدين بلا رؤية لا معنى له؛ بل إن من صميم الرؤية الإيمان بالله واليوم والآخر، ومقتضيات ذلك في باقي سلوكات الإنسان، الدينية والدنيوية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!