البدو الرحل الجزائريون يفضلون العيش في الصحراء التونسية
تعتبر بلدية البرمة الحدودية من البلديات الرعوية التي يعتمد أغلب مواطنيها على ممارسة الرعي، وتمتد أراضيها الشاسعة إلى ولاية الوادي، والجمهورية التونسية الشقيقة، ويفوق عدد العائلات التي تعيش في أعماق الصحراء أكثر من 200 عائلة، لكن المؤسف والمحير في هذه المعادلة هو ما وقفت عليه الشروق…
الشروق تنقلت لنقل معاناة هذه العائلات، حيث وقفت عند أكثر من 50 عائلة تعيش في عمق الصحراء بدون وثائق، ولا يسمعون بالدفتر العائلي أو بطاقة التعريف الوطنية، وغير مسجلين أصلا بالبلدية، يعتمدون على حياة التنقل بين الجزائر وتونس، وأغلب وقتهم يقضونه في الصحراء التونسية، بسبب توفر المياه على الحدود القريبة من مراعيهم، مثل أبار الحماد التونسي، بئر عوين وجبل سنقر، عين بن سعيد والقليب الحزين، وهي مناطق تقع في ولاية تنطوين التونسية، وهذا طوال فصل الشتاء، أما في فصل الصيف، فيقتربون من صحراء البرمة بكل من مناطق القلتة، الرتمة وبئر اللقاح وبئر الزنايقة على مسافة 80 كلم من بلدية البرمة.
وحسب أحد نواب البلدية الجدد، وهو من أقارب هؤلاء المنسيين الذين قهرتهم الظروف الطبيعية، وزادهم تجاهل السلطات التي استغنت عنهم، فإن حياتهم اليومية يميزها الحرمان والشقاء، وشعارهم التعاسة، فبيوتهم من الخيم والأعشاش التي لا تقي حر الصيف وبرد الشتاء القارس، فالحرارة تصل إلى مستويات دنيا.
رجال البدو الرحل يتزوجون عن طريق فاتحة الكتاب، وهو العقد الشرعي، أما العقد المدني فلا يسمعون عنه، لأن الأمية ضاربة أطنابها وسطهم، فالمدرسة والتكنولوجيا آخر ما يعرفونه، وسائلهم اليومية بسيطة بساطة حياتهم، ومصدر تزودهم بالسلع والبضائع هو مناطق دوار الماء بوادي سوف والولايات التونسية القريبة التي يتنقلون عبر أراضيها بكل حرية، وشكر موجه للأشقاء الذين لم يتعرضوا لهم، بحكم الجيرة والقرابة حسب قوله، ووسيلة نقلهم الإبل رفيقهم في الصحراء الموحشة، أين يقضون الأيام للتمكن من الوصول لمصدر التموين .
وبخصوص الصحة، فهم لا يعرفون الأطباء والفحوص الطبية، كون الأعشاب وما ينبت في مراعيهم يستعمل لتداوي، وحتى عملية الولادة فتتم بطريقة تقليدية، فكبيرة العشيرة هي من تتولى العملية، لكن كثيرا ما تفارق الحياة بعض الحوامل وهن يضعن أولادهن، آخرها ما وقع منذ أيام عندما فقدت سيدة حياتها أثناء الولادة الأولى لها في الصحراء، ولم يتمكنوا من إسعافها ورضيعتها نتيجة بعد المسافة عن أقرب مركز صحي الذي يبعد 100 كلم.
وحسب أحدهم، فإن السلطات التونسية تخصص لهم زيارات طبية كل شهرين تقريبا عن طريق طائرة “هيلكوبتر”، وأجرت لهم عمليات مجانية، أما المجلس البلدي القديم بالبرمة، قام بعملية توعية لمنسيي الجهة، وضرورة القيام بتسوية وضعيتهم، لكن للأسف لم يتقدم منهم إلى المصالح البلدية المختصة إلا القليل، فحسب أحد ضباط الحالة المدنية ببلدية البرمة لغاية 2012، ومنذ نهاية القرن الماضي، تم تسجيل أكثر من 100 عقد ميلاد، و5 عقود للوفيات، و50 عقد زواج، لكن المشكل الذي يعترضهم بعد المحكمة عن المنطقة، وعندما تتطلب منهم التنقل إلى حاسي مسعود لا يعودون أصلا، وفي اتصال الشروق برئيس البلدية الجديد للاستفسار حول الموضوع، اعتذر منا نتيجة قيامه بأمور مستعجلة، ولا يملك المعلومات الكافية عنهم، لكنه وعد بالمساعدة وتقديم الوسائل التي تحميهم، وتحسن من ظروف حياتهم الصعبة، ودعم هذا القول ثلاثة من النواب الجدد، وذلك بتخصيص سيارة إسعاف جديدة للبدو الرحل، والقيام بزيارات طبية لأماكن تواجدهم كل شهر، وشاحنة رباعية الدفع لنقلهم ونقل أعلافهم وتوزيع الخيم والأدوية بمبلغ 40 مليون سنتيم عليهم في القريب العاجل، وحفر ثلاثة آبار ارتوازية جديدة على طول الحدود الجزائرية، ليبقى حلم هؤلاء المنسيين العيش بكرامة، ومن حقهم أن يملكوا بطاقة هوية مثل كل الجزائريين، ويسجلوا عقود زواجهم، ويتمتعوا بحق المواطنة كاملة.