-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“التحالف الوطني”.. هل هو حتميّة؟

“التحالف الوطني”.. هل هو حتميّة؟

مع بداية الحملة الانتخابية نحو السباق البرلماني، برز الخطاب الحماسي لقادة الأحزاب في تقديم نفسها كقوة شعبية وسياسية ونخبوية مؤهَّلة لاستلام السلطة، وإذا كان ذلك مفهومًا ضمن مفردات الدعاية والتعبئة الجماهيرية للمناضلين، وحتى تمرير الرسائل المشفرة لصنَّاع القرار لفتح الباب أمامها، فإنه واقعيّا لا يعبِّر عن حقيقة الوضع السياسي والحزبي في البلاد.

لعلّه من المعلوم بالضرورة لدى الجميع، أنه لا يوجد اليوم حزبٌ جزائري واحد جاهز للحكم الكامل، ولا حتى قادر على إدارة الحكومة، لاعتباراتٍ كثيرة نشأت أساسًا عن تراكمات 30 سنة من التصحير الممنهج للعملية السياسية، بواسطة التزوير الشامل وضرب المؤسسة الحزبية وبث اليأس في المجتمع من جدوى الفعل الحزبي، ما نجم عنه هشاشةٌ كبيرة وسط الطبقة السياسية دون استثناء، مع تفاوت نسبي بين مكوناتها، ناهيك عن تعقيدات الوضع العامّ في البلاد بأبعاده السياسية الموروثة عن طبيعة نظام الحكم المتبلوِر منذ ثورة 1954، والأفق الاقتصادي الغامض ضمن المؤشرات المالية والحاجيات الاجتماعية المتصاعدة في سياق مطلبي نازع نحو الحريات والكرامة، ليس فقط في نطاق محلّي، بل على صعيد عالمي قاربت تكنولوجيا “القرية الصغيرة” بين أرجائه البعيدة، فصارت الشعوب يحرِّك بعضُها بعضًا.

لقد برهن تواضع قوائم المرشحين، قياسًا على الأقل بالكفاءات الكثيرة في الأوساط الأكاديمية والإداريّة والاقتصادية والثقافية، ممن آثرت الابتعاد عن المشهد الحزبي والانتخابي، عن تراجع قوة الأحزاب على مستوى النخبة وعجزها عن الاستقطاب النوعي إلا ما ندر، ثمّ كشفت التجمعات الانتخابية المحتشمة جدا، مقارنة بما هو مفترَض من قدرة على التجنيد في الاستحقاق البرلماني عقب حراك شعبي بالملايين، أن التشكيلات السياسية في عمومها ضعيفة الصلة بالمجتمع، بعيدا عن سرد الأسباب الموضوعية والذاتية.

هذه المعطيات تفرض على السلطة والأحزاب الوازنة في الساحة الوطنية، بعد ما ضيَّع الجميع فرصة الالتفاف حول مرشح رئاسي في 2019، أن تفكر من الآن في بناء تحالفٍ موسَّع، يكون قِوامه التياران الوطني المحافظ والإسلامي، إذ أن القواسم المشترَكة بينهما كثيرة ويمكن البناء عليها في التأسيس لشراكة متوازنة وفعلية في قاعدة الحكم السياسي.

قد يسأل سائلٌ عن سبب إقصاء التيار الديمقراطي العلماني بكل أطيافه الليبرالية واليسارية من فكرة التحالف، ونظنّ أن الهوة واسعة بين الفريقين على مستوى المرجعية الإيديولوجية وكذا الموقف السياسي من الأزمة وتصوِّر مخارجها، إذ يصبح من الوارد في هذه الحالة إعلان حكومة وطنية بتشكيل واسع، أمّا شراكة الحكم فتستوجب التقارب الفكري والسياسي.

من الضروري التأكيد على أن أي تحالف منشود ينبغي التأسيس له على قاعدة حماية الثوابت الوطنية النوفمبريّة، وفق برنامج عمل إصلاحي واضح في كلّ القطاعات، ومحدَّد الأهداف والوسائل والخطة والحيِّز الزمني، ويستهدف أساسًا توفير شروط التخلّص من معضلة شرعية السلطة السياسية والتمثيل الشعبي، باعتبارها المفتاح الرئيس لحلحلة كل الأزمات، ومن دونها لا شيء سيتقدم نحو الأمام، مهما عظمت الجهود والإمكانات.

إنّ محطة 12 جوان المقبل، ومهما كانت الخلافات حول مقدماتها والمخاوف من مآلاتها، فإنه من الممكن أن تساعد على الدفع نحو بناء هذا التحالف الواعد والحتمي لحالة الجزائر اليوم، والمقصود هنا هو السعي الجادّ من السلطة لضمان شفافية الانتخابات وتحييد الدولة بكل وسائلها لتبقى المنافسة مفتوحة.

نعتقد أنَّ نزاهة الاستحقاق القادم ستوفر المناخ السياسي المُطَمْئِن والمحفّز لتشكيل تحالف وطني قويّ، برلمانيا وحكوميّا، من الأحزاب التمثيلية، وهذا الإنجاز سيشكّل قاعدة سياسية وشعبية تعزز شرعية رئيس الجمهورية، وتتجنَّد للمشاركة في تنفيذ الالتزامات الانتخابية لبرنامجه الرئاسي.

من الواضح، وفق تقييم الرئيس عبد المجيد تبُّون نفسه، أن التشكيلات الوزارية المتعاقبة منذ 17 شهرا، لم تكن في مستوى تطلعات الرجل الإصلاحية، مع إقرارنا بصعوبة المأمورية في ظل معطياتٍ كثيرة عقَّدت الأوضاع في طريقها.

إنّ تلك التجربة الأولى التي استهلكت ثُلث العهدة الرئاسية تفرض التحضير لحكومة جديدة بتشكيل حزبي رئاسي مختلط، مهما كانت طبيعة الأغلبية البرلمانية المرتقَبة، فقد أثبت الفريق الوزاري المستقل، والتعويل على شهرة الأشخاص، محدودية الأداء والقدرة على إقناع المواطنين، بينما ستُكرَّس الفترة المتبقية لتطبيق إصلاحات عميقة تقتضي التجذر الشعبي وتحمّل المسؤولية السياسية في مواجهة الشارع، وهذا مبرّر آخر جوهري لخيار “التحالف الوطني” الذي لا بديل عنه حتى الآن.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • خالد بن الوليد

    كل حزب بما لديهم فرحون صدق الله العظيم . الجميع يهرولون نحو البرلمان من اجل الامتيازات والرواتب العالية والقصصور والسيارات والتنزه باوروبا وامريكا وعيش الرفاهية والجاه والسلطان . كفاكم طمعا يا بشر خسئتم الشعب الجزائري لا تمثله هذه الاحزاب الفاسدة حتي النخاع لان صلاحيتها قد انتهت منذ زمن طويل وسقطت عنها الاقنعة . الحرراك المبارك الشعبي هو الممثل الشرعي والوحيد والحقيقي لشعبنا الحر

  • مقبرة المواهب

    تحسبهم جميعا و قلوبهم شتى.

  • محمد الجزائري

    الذين ينتقدون بساطة عموم المترشحين نسبيا على اية حال نقول لهم الامر اهون من برلمان الرقاصات والحلاقات اللاواتي مسخن هذا الشعب البئيس.