-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الديك المذبوح في كل زمان!!

التهامي مجوري
  • 1640
  • 1
الديك المذبوح في كل زمان!!

تناقل بعض الأصدقاء على شبكة التواصل الاجتماعي، مقولة منسوبة للمفكر الإيراني علي شريعتي رحمه الله قوله: “قلت لصديقي: لماذا لا يصيح ديككم؟ قال: اشتكى منه الجيران لأنه يوقظهم، فذبحناه. هنا فهمت أن كل من يوقظ الناس من سباتهم على امتداد التاريخ هناك من يريد قطع رأسه”.

وهي مقولة لم أتحقق من نسبتها للمفكر الإيراني الشهير، ولكنها أعجبتني لما تحمل من الصدق والمشروعية، ما يحمل القانون الإجتماعي في واقع الناس. ذلك أن من يريد إيقاظ الناس، يريد بالضرورة إيقاعهم في حرج كبير، كيف يواجهون اليقظة؟ وماذا يعدون لها؟ وكيف يواجهون مستلزماتها؟ وكيف ويواجهون صعوباتها؟ وعندما يُغلبون في أمر كيف يتعاملون معه؟ وإذا ما تجاوبوا وفهموا ما عليهم، فاستيقظوا، فإن هناك فئة أخرى منهم أو من غيرهم، تتأذى من هذه اليقظة، فتعمل على إعادة الناس إلى النوم، وإذا ما عجزت فإنها تنتقم ممن يقوم بدور الديك الذي يوقظ الناس.

تساؤلات محرجة جدا لا يشعر بها النائم، كما لا يريد طرحها المتأذي من اليقظة.

إن النائم ميت موتة صغرى كما يقال، ولا يشعر بشيء إلا بالأمور الكبيرة التي تهز أركانه، مثل الصياح العالي والدوي الكبير أو زلزال أو رعد أو انفجار…إلخ، أما ما دون ذلك فلا يشعر به؛ بل إن من الناس لا يصحو من النوم إلا ليستأنفه؛ لأن علاقته بالنوم علاقة حميمية…، والنوم بطبعه لم يخلق ليمتهنه الناس وإنما لينالوا به قسطا من الراحة، وليس للإلتصاق به، فهو منفذ لمرسة متعة سياحية يومية يجدد بها المرء عهده مع الحياة، كما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا) [الفرقان 47]، (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا*وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا*وَجَعَلْنَا النَّهَار معاشاَ) [النبأ 9-11].

ومن ثم فإن النوم فضيلة مقدرة بقدرها، وإذا تحولت عن مهمتها أصبحت رذيلة، وجب على فئة من الناس التصدي لها لتبقى في إطارها.

فمن هي هذه الفئة؟ وما هو المقدار المسموح به من النوم؟ وهل ذلك متعلق بالأفراد أم بالجماعات؟

وهذا الربط الذي اهتدى إليه صاحب المقولة بين صياح الديك وجزاؤه وبين موقظي الناس من النوم وجزاؤهم، ربط دقيق جدا، حيث أن الديك لا يصيح في الوقت غير المناسب، وإنما صياحه في العادة يكون عند صلاة الفجر، أي في الوقت المناسب للإستيقاظ من النوم؛ لأن هذا الوقت هو وقت الاستعداد للعمل ومباشرة النشاط اليومي، والاحتجاج على صياح الديك احتجاج في غير محله؛ لأن الذين ينامون في هذا الوقت يعدون من القادعين وغير الأسوياء؛ لأنهم مطالبون بالإستيقاظ من النوم، ويستعدون للنشاط، من أجل طلب الرزق والعلم وغير ذلك من الأنشطة، التي كلف بها الإنسان في الحياة وائْتُمن عليها، كما يقول الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) [الأحزاب 72]، وتحمل الإنسان هذه الأمانة، يقتضي أن يكون حريصا على القيام بها ورعايتها من الضياع والفساد والإفساد، ومن مسلمات الحرص على الشيء والقيام عليه بما يستحق الاستيقاظ باكرا، والاقتصاد في النوم لكونه ضرورة حياتية، وإلا فإن الحياة لا يستقيم معها النوم، ولذلك نجد أن أهل الهمم العالية لا ينامون كثيرا، استغلالا للوقت في العطاء والنشاط.

فالذين يحتجون على صياح الديك في هذا الوقت صنفان كما ألمحنا إلى ذلك آنفا، المتضررون من يقضة الناس، من أرباب المصالح والظلمة والإستبداديين، وصنف آخر يمكن وصفهم بكونهم ليسوا من أهل الهمم، وإنما هم من الكسالى الذين لا يعرفون قدرا لمهمة النوم في حياتهم، ووظيفتهم هم في الحياة، وهؤلاء هم الأكثر في المجتمعات دائما، وذلك بسبب إفراطهم في السهر ليلا بحيث لا يطيقون الاستيقاظ مبكرا، حيث ينامون في غير الوقت اللازم، ويمدون في عمر النوم إلى غير نهاية، فلا يستيقظون في الوقت المناسب، بحيث يتحولون إلى كائنات نائمة، ولذلك تأثير على الحياة العملية والأنشطة؛ لأن محصلة من ينام وقت العمل لا يمكن أن يعمل في وقت النوم، لأنه لا يدرك مهمة النوم ووظيفته في الحياة، ومن ثم لا يجدون حرجا في قتل من يفسد عليهم متعة النوم التي ليس كمثلها متعة؛ لأنها تنقل الإنسان بعيدا بحيث تمسح من دماغه متاعب اليقظة مسحا.

والجماهير العريضة في كل المجتمعات من صنف الفئات النائمة، أو التي تفضل النوم على اليقظة؛ لأنها مستعدة لفعل الشيء الذي يساعد على النسيان وليس الفعل الذي يدعو للتذكر، وأفضل ما ينسي الإنسان واجباته هو النوم، ولذلك أغلب الناس يميلون إلى النوم ويفضلونه على الكثير من الأمور الحياتية.

وكل من يحاول مواجهة هذه الظاهرة، مصيره الموت مثل الديك الذي ذبحوه بسبب ازعاجه للجيران، والذي يقوم مقام الديك عادة هم النخبة في كل مجتمع؛ لأنهم أولى من يعرف مهمة النوم واليقضة في الحياة، وأفضل من يقدر القدر الذي يحتاج إليه الناس من النوم، وأقدر من يوجه الناس إلى أوقات النوم واليقظة، ومن ثم هم المسؤولون على إيقاظ هذه الجماهير التي لا تعرف ما يصلحها، ولذلك استحقوا ما فُعِل بالديك الذي أزعج الجيران.

ولكن الجماهير العريضة في كل المجتمعات غير مستعدة للتخلي عن النوم من أجل أمر لا يدركونه؛ لأن ذلك مستوى من مستويات التضحية التي لا تقدر عليها الجماهير التي هي غير مستعدة للتضحية في الغالب، إلا عندما تتضح الرؤى والغايات والمثل العليا.

فالقضية إذن بين نخبة تقوم بدور الديك أو هكذا يفترض، وبين جماهير تقوم مقام الجيران الرافضين لمن يزعجهم، وهنا يتعاطف طرف من النخبة مع الجماهير الواسعة، فيعمل على تحقيق مراد الجماهير، فيقتل من هو أقرب منه من النخب ومن زملائه المتأذين مثله، ولكنه كمستفبد من هذا النوم اضطر لمساندة المتأذين من صياح الديك، وهم الجماهير العريضة.

وأغلب ما في هذا الطرف من النخبة، مَنْ يكون في السلطة، ومن في موقع المستفيد من النوم؛ لأن السلطة بطبيعتها تميل إلى البحث عن الاستقرار بأي ثمن كان، ومن ذلك الإبقاء على الجماهير نائمة، اما المستفيد من النوم من أرباب المصالح فيشعرون بأن كل حركة تهدد مكتسباتهم الواقعة والمرتقبة؛ لأن هذه الجماهير إذا ما استقيضت تسبب للجميع مشاكل لا حد لها، وهي لا تستيقظ إلا بإيقاظ النخب لها، ولذلك كانت ولا تزال النخب الحاكمة في العالم العربي والإسلامي خصوصا، تخاف من كل عمل على إيقاظ الجماهير، إلا في إطار تصفية الحسابات، فمن استطاعت استدراجه وإدخاله في الصف للمحافظة على استمرار النوم العام فبها ونعمت، وإلا فإنها تفعل به ما فعل صاحب الديك بديكه حفاظا على عدم إزعاج جيرانه بإيقاظهم من النوم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • نحن هنا

    شكر ا جزيلا ,خشيتي عليك اللهم احفظنا بعينك التي لاتنام وارزقنا من حيث لانحتسب واصرف عنا شر ما قضيت وارحما برحمتك الواسعة فانك بنا راحم وصل اللهم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين