-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

اللقاح المضاد لكورونا بين الرفض والقبول

محمد شيدخ
  • 396
  • 1
اللقاح المضاد لكورونا بين الرفض والقبول

بعد مرور ازيد من سنة على ظهور فيروس كورونا وتسببه في جائحة عالمية لم تنكمش بعد، يجد السياسيون والمشرفون على الهيئات الصحية وحتى الخبراء أنفسهم بين خيارين أحلاهما مرّ: إما ترك الأمور تسير طبيعيا وتحمُّل تبعاتها الثقيلة على كل الأصعدة، أو مباشرة التلقيح بلقاح صنع استعجاليا والذي من شانه أن يخفف من وطأة هذا الوباء وينهي  هذه الحرب الفيروسية المعلنة بالرغم من احتمالية ظهور بعض الأعراض على المدى المتوسط والبعيد قد تتسبب في اعادة النظر في هذا اللقاح أو توقيفه.

ومع تزايد الوفيات والإصابات تصاعديا على المستوى العالمي وبلوغ نسبة الوفيات أكثر من 1.8 بالمائة، مما قد يسمح بإعادة تكييف إستراتيجية التعامل مع مختلف اللقاحات المصنعة باستعجال وفقا لخصوصية الحال وما يمليه من ضرورات ملحّة تنصب في إطار حماية البشرية وكسر شوكة هذا الفيروس الفتاك.

وعلى هذا الأساس بدأت تتجلى بعض النداءات والتوصيات من عديد الخبراء هنا وهناك داعمة للقاح متفائلة به بالرغم من توخيها الحذر من خلال مراقبة الفئات الملقحة جيدا والاستمرار في تبني طرق الوقاية كاملة على اعتبار ورود معلومات حول إمكانية بقاء الفيروس والجائحة لسنين عديدة واستمرار عمليات التلقيح وفق هذه الأحوال، ونشيد اليوم بالجهود الجبارة لمختلف المخابر التي بادرت منذ البداية إلى مباشرة عملية تركيب لقاح ملائم بالرغم من ضعف التجربة العالمية في صناعة لقاحات ضد فيروس من فصيلة كورونا، لأنه ببساطة لم يسبق وأن تم إخراج لقاح مضاد لهذه الفيروسات كون الفيروس الاول الذي عرفته البشرية من صنف كورونا والذي أصاب الإنسان قد تم عزله سنة 1965 وهو (ب814) قد اندثر كلية، أما الأنواع الأربعة الأخرى فهي بسيطة ومعروفة بتسببها في 15 الى 30 بالمائة من حالات الزكام البسيط  خاصة عند الرضع والأطفال، مما لم يحفز على المغامرة بتصنيع لقاح لا معنى له.

أما فيروس كورونا الذي ظهر سنة 2002 أو ما يسمى بـ”السارس” فقد تلاشى تلقائيا بعد تسعة أشهر، ولم تسجل أي هيئة ولو حالة واحدة منذ 02 جويلية 2003، وأعلنت المنظمة العالمية للصحة خلوَّ المعمورة من هذا الوباء يوم 31 جويلية 2003، وأجهضت كل مشاريع انتاج اللقاح لأنه اصبح من العبث البحث عن لقاح مضاد لفيروس قد اندثر.

وفيما يخص وباء كورونا الثاني الذي استطاع أن ينتشر قليلا  ويؤدي إلى وفيات، فهو “المارس” الذي ظهر في السعودية وما جاورها انطلاقا من الجِمال، وقد شاءت الأقدار أن يبقى محليا، مما جعل غالبية المخابر تتخلى عن مشاريع البحث في لقاح له، وهو ضعيف الانتشار، وكان عدد الوفيات التي تسبب فيها منذ سنة 2012 الى غاية 2020 حوالي 816 فقط من أصل 2515 مصابا.

وإذا كان لقاح فيروس الانفلونزا الموسمية والذي أشير إلى وجوده بمعهد باستور الفرنسي من قبل الباحث (دوجاريك) عام 1918 وتم عزله في بريطانيا عام 1933 قد استلزم 11 سنة كاملة لإخراج لقاح ملائم له، إذ دامت العملية من سنة 1933 إلى غاية 1944، والطريقة النمطية المعتادة لصناعة أي لقاح تخضع لبروتوكول منهجي دقيق انطلاقا من مرحلة التجارب الحيوانية التي تحتاج إلى سنتين على الأقل مرورا بالمرحلة السريرية الاولى التي تجرى على أقل من 100 مترشح، ومدتها تتراوح من سنة إلى سنة ونصف، وهدفها مراقبة الأعراض الثانوية للقاح، ثم تأتي بعدها المرحلة السريرية الثانية التي لا تقلّ مدتها عن سنتين وتمس مئات الأشخاص لضبط المقادير وعدد الجرعات، لتنهى العملية بالمرحلة الثالثة والتي تُجرى على آلاف المرشحين، ويُنصح بما لا يقل عن 10 آلاف شخص معرَّضين للعدوى، والهدف هنا هو التأكد من نجاعة اللقاح ومعرفة مدة المناعة التي يوفرها، وقد تستغرق هذه المرحلة حوالي خمس سنوات.

ويشير بعض الخبراء إلى ان الفيروس ضعيف من أصله كونه يصيب نحو 50 بالمائة  من دون ظهور العلامات السريرية، و35 بالمائة تكون حالاتُهم بسيطة، و15 بالمائة فقط تتعقد حالاتُهم، لذا ينصح الخبراءُ بوجوب التريّث في إخراج اللقاح أمام فيروس بهذه المواصفات، متسائلين عن ضرورة الموازنة والملاءمة بين الضرورة والخطر على اعتبار أنه لا أحد يستطيع الحديث عما يمكن أن يظهر فيما بعد من أعراض جانبية ومدى شدتها جراء استعمال واسع للقاح مصنع على عجل.

ومن جانب آخر، يرى البعض أنه نظرا للتطور العلمي الكبير الذي حققته البشرية، فقد أصبح بالإمكان من الناحية اللوجستية والفكرية الإسراع في تصنيع لقاح ما ومراقبة استعماله على نطاق واسع، ولا شكّ أن هرولة العشرات من المخابر لإخراج لقاح مضاد لكورونا على اختلاف خبراتهم وتجاربهم دليلٌ على السعي إلى تحقيق فرص كبيرة في ايجاد لقاح آو لقاحات ملائمة وآمنة، فهذا التسارع أملته مساراتُ الجائحة من خلال عدم تلاشيها وعدم ضعفها وظهور بعض الطفرات التي استطاعت أن تثبت وتنتقل لتصبح المسيطرة في بعض البلاد، مع تسجيل أعلى نسب العدوى مع بداية شهري جانفي  وفيفري 2021.

ويسعى العلماء والأطباء اليوم إلى تحقيق نِسب محترمة من الملقحين قصد منع الفيروس من الانتشار في القريب العاجل، لأنه بالإمكان كسب مناعة ما بعد العدوى لأن أعداد الذين عاودوا المرض بعد الاصابة الاولى ضئيلة جدا ولا يمكن أن نعتد بها، واللقاح كما قالت عالمة المناعة بجامعة فيرجينيا الدكتورة “اليسون كريس” يثير الجهاز المناعي لإنتاج الاجسام المضادَّة وقد يعطي حماية تدوم أكثر مما تعطيه العدوى الطبيعية لاستخدامه لنسخ نقية، بالإضافة الى تقوية الاستجابة المناعية من خلال تحفيزها بإضافة مواد للقاح  من شاكلة ملح الالومين أو ملح اوكسيد الالومينيوم الذي يدعم رد فعل وجواب مضادات الأجسام في جهاز المناعة.

ومن هذا المنطلق، فإن مبدأ التلقيح الذي يقوم على أساس دخول جسم غريب أو مولد المضاد لأول مرة، والذي يلتصق بالخلايا اللمفاوية الحاملة للمستقبِلات الخاصة بمولد المضاد، فتتكاثر الخلايا اللمفاوية وتتمايز إلى نوعين من الخلايا، الخلايا اللمفاوية النشطة التي تمثل الجزء الأكبر، والخلايا اللمفاوية ذات الذاكرة من صنف “ب” و”ت”؛ فعند إصابةٍ ثانية يكون الجسم مزوَّدا بعدد كبير من الخلايا اللمفاوية، ويكون الجواب ورد الفعل سريعا وقويا لوجود مضادات الأجسام التي أفرزتها خلايا “ب” ذات الذاكرة.

وللعلم، إذا حدث واختفت الأجسام المضادة التي يولّدها الجهاز المناعي لمحاربة فيروس كورونا بعد أشهر ثلاثة أو ستة، فإن هذا الاختفاء لا يعني بالضرورة اختفاء وتلاشي المناعة بشكل كامل، وأنه لا يمكن الاعتماد على أيِّ لقاح ما دام الحال بهذا الشكل، ولكن حسب البروفيسور “بدي كريتش” من جامعة “فاندربيلتتينيسي”، فإن الجهاز المناعي يمكنه أن يتذكر كيفية صنع أجسام مضادة جديدة إذا لزم الأمر، مما يمكن لأجزاء مهمّة منه شنّ هجوم مناسب وفعال، وعلى هذا الأساس يبقى اللقاح حلا ضروريا مع توخي اليقظة إذ يعتبر الخبراء بداية التلقيح في هذه الظروف مرحلة استعجالية أملتها الجائحة وسُمِّيت عند البعض بالمرحلة الرابعة أو مرحلة اليقظة والتحسس.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • فراقشي البندير

    لي ما وصلش للعنب كيقول حامض