-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المجاهد الحاج لخضر عبيدي كما عرفته

المجاهد الحاج لخضر عبيدي كما عرفته

وُلد محمد الطاهر أعبيدي المدعو الحاج لخضر يوم 12/03/1914م بدوار أولاد أشليح في عائلة فقيرة تمتهن الزراعة والرعي، ونظرا لظروف عائلته المزرية فقد هاجر باتجاه فرنسا سنة 1936م بحثا عن عمل ينقذ به نفسه وأسرته، وبعد أربع سنوات عاد إلى باتنة وكوّن خلية سرّية سنة 1939م عدد أفرادها خمسة عشر فردا، وكان مقرّ اجتماعاتها السرية منزل السيد مزيان الحلوانجي. استمرت هذه الخلية العملَ للتحضير للثورة، وكان أول اتصال لهم بالقائد مصطفى بن بولعيد سنة 1941م، الذي كوّنهم وقدّم لهم برنامج عمل، دفع الحاج لخضر إلى تكوين خلية أخرى سنة 1942م ببلدة عين التوتة.

المجاهد الحاج لخضر عبيدي كما عرفته

المجاهد الحاج لخضر عبيدي كما عرفته

في سنة 1944م كلفه القائد مصطفى بن بولعيد بمَهمَّة استقبال المناضلين القادمين من الشمال القسنطيني، وكان خلال تلك الفترة يقوم بجمع الأسلحة بمساعدة لخضر بن كاوحة وبلقاسم بلعياش ومحمد بن لخضر بقرية الحجاج.

وفي ليلة الفاتح من نوفمبر التقى الشهيدَ القائد مصطفى بن بولعيد ووكّله بقيادة أحد أفواج المجاهدين، ثم صار قائدا للولاية التاريخية الأولى أوراس النمامشة إلى حين استدعائه لتونس للانضمام إلى صفوف قادتها هناك. وبعد الاستقلال صار نائبا بالمجلس التأسيسي، ثم نائبا بالمجلس الوطني التشريعي وعضوا في اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني إلى غاية انقلاب الراحل هواري بومدين يوم 19 جوان 1965م، فاعتزل العمل السياسي وتفرّغ للعمل الخيري والديني، ولم ينقطع عن النضال السياسي السلمي في إطار حزب جبهة التحرير الوطني، وكرس حياته لبناء قلعة الإسلام مسجد أول نوفمبر وكلية العلوم الإسلامية، إلى أن وافته المنيّة يوم 23/02/1998م. (أُخذت هذه النبذة من كتاب علي بن فليس، عن والده الحاج بلقاسم، ص 163.. 169، بتصرّف. ومن كلمة أُلقيت في التظاهرة الإعلامية الأولى لوفاته، باتنة 1999م).

وبعد انقلاب الراحل هواري بومدين خصص للعقيد الحاج لخضر راتبا شهريا كعقيد في الجيش فرفضه، وقال له: أنا لست ضابطا عاملا في الجيش، وإن كان لي حق كمجاهد في صفوف الثورة التحريرية فأنا أقبل به، وما عداه فلا.

وعندما أراد وزير الدفاع السوري العماد مصطفى طلاس تأليف كتاب عن الثورة الجزائرية وأراد أن يسجّل أحداثها من صانعيها، أرسل إلى الرئيس الراحل هواري بومدين فبعث بمجموعة من الصحفيين ليسجلوا له فرفض الحاجّ لخضر مقابلتهم، ولما التقاه عاتبه، فرد عليه الحاج قائلا: (هل قمتَ أنت بالثورة؟ الثورة قام بها أناس، وجاء غيرهم يكذبون اليوم على الناس)، فما كان من الرئيس الراحل إلاّ أن صمت وغيّر الحديث لمعرفته بحقائق الأمور وبشجاعة الحاج لخضر الذي كان يمكنه أن يرفع وتيرة الحوار.

وفي اجتماع العقداء الأربعة بسرج الغولة ما بين حدود الولاية الثانية والثالثة، وقد مثَّل الولايةَ الأولى الحاج لخضر، والولايةَ الثالثة العقيد اعميروش، والولاية الرابعة العقيد محمد بوقرة، والولاية السادسة العقيد سي الحواس، وذلك من أجل اتخاذ قرارات مهمة لتدعيم الثورة التحريرية، وعند انتهاء الاجتماع قام العيد اعميروش وعانق الحاج لخضر أمام الضباط والقادة وقال له: (أنت يا عمي الحاج مرابط “أي وليّ صالح” لن تقتلك فرنسا وستحضر الاستقلال، أما نحن الثلاثة فسننال الشهادة خلال هذه الثورة)، وفعلا استُشهد العقداء الثلاثة، وعاش الحاج لخضر ردحا من الزمن إلى أن خلّد اسمه بمدينة باتنة بتلك المنجزات العلمية التي قام بها.

هذه المعلومات مأخوذة من بحث قدّمته الطالبة والأستاذة المحامية سامية جبارة بمحكمة باتنة أثناء دراساتها في مرحلة الماستر في مادة أعلام الدعوة الإسلامية، ملخّصا عن كتاب، الحاج لخضر قائد الولاية التاريخية الأولى في الجهاد، لصالح بن فليس وتابليت عمر.) ولمن أراد الاستزادة عن حياة وجهاد الحاج لخضر يراجع سير المجاهدين الأوراسيين وغيرهم، والطاهر حليس، قبسات من حياة الحاج لخضر، ومحمد العربي مداسي، مغربلو الرمال، وغيرها.

معرفتي بالحاج لخضر:

تعرّفت على المجاهد الحاج لخضر يوم قدِمت إلى مدينة باتنة بعد توقيفي مع مجموعة من الأساتذة من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بسبب آرائنا وانتماءاتنا الإيديولوجية والسياسية، وقد أخبرني قبلها بأيام أستاذٌ محترم جدا وهو من أحد أقرباء القائد العقيد (سي الحواس ت 1959م) أن جامعة باتنة تقبل توظيف الأساتذة الجامعيين دون أي تحقيق إداري أو أمني، وذلك بسبب وجود وتدخُّل الحاج لخضر ومواقفه الشجاعة وقت العشرية السوداء مع أبناء الجزائر المخلصين. فتشجّعت وقدِمت إلى مدينة باتنة شهر سبتمبر 1994م وقصدت المعهد العالي للعلوم الإسلامية بجوار جامع أول نوفمبر المعمور واستقبلني مدير المعهد الشيخ المرحوم (الطاهر حليس ت 1994م) وأخذ ملفي وأفرحني بالقبول والموافقة، وقال لي: هيا بنا نمرّ على مكتب الحاج لخضر لنسلّم عليه، فقلت له: كنت أتمنى أن أطلب منك هذا الطلب، وإذا بك تفتح عليّ باب الخير، وقلبي يومها على قبولي كأستاذ، من عدمه، وكان مكتبه في بناية خشبية متواضعة بجانب مكتب المدير، فلما دخلت عليه هشّ فينا ضاحكا مستبشرا، فقبّلْتُ رأس الحاج، وفرح بي، بعد أن أخبره الشيخ الطاهر حليس يرحمه الله بأنني موظفٌ جديد وأنا أستحق هذا المكان بفضل كتاباتي التي كنت أُعرَف بها في الصحف الوطنية والعربية، فاستبشر خيرا وأوصانا بالجزائر خيرا وبالمعهد الإسلامي خيرا، فطمأنته بأنني سأكون عند حسن ظنه بي، وودَّعته وأنا مطمئن البال على توظيفي الجديد.

وبدأنا العمل بداية شهر أكتوبر 1994م، وفي يوم الجمعة 21/10/1994م اغتالت يد الإرهاب الأعمى يومها المدير المحترم جدا الشيخ (الطاهر حليس) بعد صلاة الفجر أمام مسجد الإمام علي بوسط باتنة، ورأينا يومها حزن الحاج الشديد عليه، وصرت أقترب من الحاج الأخضر بفضل الأستاذ الدكتور المحترم جدا (عبد الحميد خزار) شفاه الله وأطال في عمره، رفقة الراحل الأستاذ الدكتور (محمد خزار 1942-2007م) الذي صار مديرا جديدا للمعهد ابتداءً من شهر جانفي 1995م، ودعا الحاج الأخضر يومها بعضا من الأساتذة وكنت واحدا منهم وأقام لنا وليمة في بيته المتواضع، وأكرمنا وعرّفنا على المدير الجديد، وطلب منا إعانته والوقوف معه، فكنا والله كذلك، ومن يومها وأنا أشارك في كافة النشاطات التي يطلب الحاج فيها الوقفة والمدد، وكانت المناسبات كثيرة، وأهمها كتابة دستور 1996م، وقد طلب الرئيس زروال يومها من الحاج لخضر أن يجمع الشرائح الاجتماعية للولاية التاريخية الأول أوراس النمامشة ويستشيرهم في آرائهم حول الدستور الجديد، ونصّب لذلك خلية استماع تحت إدارته ورئاسة الدكتور (محمد خزار ت 2007م) يرحمه الله، وكنت أنا مقرر تلك الجلسات، وقد لخّصت مئات الأوراق التي كانت تفد على المنصة من قبل المتكلمين والمتحدثين والمتدخلين من كل الشرائح الاجتماعية يومها، وأعددتُ نسخة نهائية في عشرين صفحة في منزل الأستاذ (عبد الحميد خزار) وعلى جهاز حاسوبه، ولما قدّمتُ نسخة للحاج الأخضر قلت له ببراءة الشباب وبحضور الأستاذ (عبد الحميد خزار) و(محمد خزار ت 2007م) يرحمه الله: والله يا عمي الحاج سأكتب لك مسودة تبيّض وجهك أمام السلطة، فضحك الرجل، ثم طلب مني أن أجلس بجانبه، وقال لي: يا بني يبدو أنك طيِّبٌ وبريء، والله يا ولدي إنني أبيض الوجه مذ خرجت للثورة التحريرية، أما هم فسودُ الوجوه، بيّض الله وجهك يا بني. وأردتُ أن أعتذر إليه فقال لي: لا تعتذر فأنت تكلمت بصفاء قلب وطهارة نفس، ثم قال لي: احتفظ بنسخةٍ عندك حتى لا يأتي في قادم الأيام من يتّهمنا أو يسيء إلينا. والنسخة التي أرسلها إلى الرئيس زروال موجودة عندي بأرشيفي بمكتبتي في تبسة.

لما التقاه الرئيس بومدين عاتبه، فرد عليه الحاج لخضر قائلا: (هل قمتَ أنت بالثورة؟ الثورة قام بها أناس، وجاء غيرهم يكذبون اليوم على الناس)، فما كان من الرئيس الراحل إلاّ أن صمت وغيّر الحديث لمعرفته بحقائق الأمور وبشجاعة الحاج لخضر الذي كان يمكنه أن يرفع وتيرة الحوار.

وتوالت الأيام، ومدينة باتنة يومها عامرة بالرجال العظماء الذين قلّ الزمان أن يجود بهم، من أمثال: المجاهد المثقف الشيخ (محمود الواعي ت 1998م) والشيخ العلامة (عمر دردور ت 2009م). والسادة المحترمون المجاهد المثقف المرحوم (فيلالي مختار ت 2012م) والمجاهد (مصطفى بن النوي 1928-2007م) والمجاهد (عمار ملاح. حي) والدكتور (مصطفى بيطام. حي) رئيس جمعية (الرابطة الجزائرية للفكر والثقافة)، وهناك تعرفت على الكثير من المثقفين والكتّاب والأدباء والشعراء والثوريين أمثال الدكتور (العربي دحو. حي) والدكتور (محمد ناصر بوحجام. حي) والأستاذ (واعلي بكير بن بلحاج ت 1996م) والدكتور (محمد بابا عمي. حي) والدكتور (محمد العيد مطمر. حي) وعلى الشاعر المرحوم (عمر البرناوي 1935-2009م)، والشاعر الفحل (مصطفى بلقاسمي. حي) والشاعر المرحوم (حسين زيدان ت 2007م) والشاعر الناقد الأديب (عبد الله العشي. حي)، والناقد الباحث (الطيب بودربالة حي) والباحث (محمد زرمان) والأستاذ الدكتور (مسعود فلوسي. حي 2021م).. وغيرهم العشرات من الرجال الأعلام.

وهكذا وجدتُ مدينة باتنة يومها حافلة بالعلم والعلماء والرجال والمجاهدين والثوريين وأبنائهم وأحفادهم، مدينة طامحة للنهضة والتقدّم، وبها حركة أدبية وعلمية وثقافية وفكرية وتاريخية ودينية ودعوية ومسجدية، ولا حديث للناس فيها سوى عن موعد افتتاح مسجد أول نوفمبر.

الحاج لخضر وفتح قسم التاريخ:

لقد كان للحاج لخضر الدورُ الكبير في فتح قسم التاريخ بجامعة باتنة، والذي رئسه المؤرخ الأستاذ الدكتور (يوسف مناصرية) يحفظه الله ويرعاه، الذي توسَّط لدى الحاج لخضر لفتح قسم التاريخ، هذا القسم الذي علا نجمُه في تاريخ الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954م، فأنجز فريق بحثه كتابا عن (الأسلاك الشائكة) برعاية وتمويل (المركز الوطني للبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954م)، وأخرج كتاب (مآثر ثورة نوفمبر 1954م) سنة 1998م، وغيره من الكتب والمؤلفات والموسوعات.. وعقد الكثير من الملتقيات.. وهذا كله بفضل وبركات وجهود وتضحيات الحاج لخضر رحمه الله.

لكم كانت حيرة الحاجّ وقلقُه لتباطؤ وتيرة الأشغال في إنجاز المآذن الأربعة، التي ترمز إلى أول نوفمبر 1954م. ومواقفه مع أهل العلم والأساتذة العرب والمسلمين الوافدين أكثر من أن تحصى وتُعدّ، فقد كان يكرمهم ويطعمهم ويزيدهم في الأجر فوق الأجر الذي تخصِّصه لهم الدولة الجزائرية. كما كان حريصا على أن يمتلك كل أستاذ مسكنا خاصا به، فضلا على حرصه على راحة الأساتذة والطلبة لاستكمال دراساتهم العليا.

الحاج لخضر وجامع أول نوفمبر:

ظللتُ رفقة الأستاذ الدكتور (عبد الحميد خزّار) نتردّد عليه في مكتبه كل أسبوع، ويرينا الرسائل التي تفِد عليه من الرئاسة ويطلب منا قراءتها، وقد رافقته صحبة الأستاذ (محمد خزار) رحمه الله لجمع التبرُّعات لجامع أوّل نوفمبر، فكان التجار يُخرجون أكياس النقود البلاستيكية السوداء مملوءة بالأموال ويطلبون من الحاج أن يُسرع في إنجاز المسجد، وهم على استعداد لتقديم المزيد.

ولكم كانت إرادة الحاج لخضر صلبة في بناء الجامع الكبير، وذلك بسبب تواجده اليومي فيه، ولكم كانت حيرة الحاجّ وقلقُه لتباطؤ وتيرة الأشغال في إنجاز المآذن الأربعة، التي ترمز إلى أول نوفمبر 1954م. ومواقفه مع أهل العلم والأساتذة العرب والمسلمين الوافدين أكثر من أن تحصى وتُعدّ، فقد كان يكرمهم ويطعمهم ويزيدهم في الأجر فوق الأجر الذي تخصِّصه لهم الدولة الجزائرية. كما كان حريصا على أن يمتلك كل أستاذ مسكنا خاصا به، فضلا على حرصه على راحة الأساتذة والطلبة لاستكمال دراساتهم العليا.

كان يغضب إذا أُهين أستاذٌ، أو ضُيّق على موظف، أو احتُقر طالب، أو غُبن حقُّ فقير أو ضعيف حتى عمال النظافة في المعهد.. فالويل كل الويل لمن يؤذي ضعيفا أو فقيرا ويسمع الحاج لخضر به.. لهذا أحب الناس الحاج لخضر، ولهذا عاش، فقد عاش مناضلا ومجاهدا وعاملا مُجدًّا لأهله ووطنه.

ومواقفُه المشرِّفة والنبيلة والأخلاقية أكبر من أن تُعدّ وتُحصى مع مختلف الشرائح الشعبية الضعيفة، أما مواقفه الحازمة والشديدة وبخاصة مع المسؤولين المحليين الذين كانوا يحسبون له ألف ألف حساب، ويتجنبون إغضابه أو إزعاجه، لأنه كان يغضب إذا أُهين أستاذٌ، أو ضُيّق على موظف، أو احتُقر طالب، أو غُبن حقُّ فقير أو ضعيف حتى عمال النظافة في المعهد.. فالويل كل الويل لمن يؤذي ضعيفا أو فقيرا ويسمع الحاج لخضر به..

لهذا أحب الناس الحاج لخضر، ولهذا عاش، فقد عاش مناضلا ومجاهدا وعاملا مُجدًّا لأهله ووطنه، رحم الله الحاج لخضر، وأسكنه فسيح جناته، وأبقاه نبراسا للأجيال تأخذ منهجه وتقتفي سبيله، فهو حيٌّ لم يمت سوى بجسده فقط.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • عبدالرحيم خارج الوطن

    الله يرحمه و يرحم المسلمين و المسلمات الاحياء منهم و الاموات و يجازيه و اخوته خير جزاء عنا و عن امة الاسلام

  • نورالايمان

    رحمه الله و اسكنه فسيح جناته

  • أماني

    رحمة الله عليه