إدارة الموقع
دراسة في جامعة لندن تُجلي حدود العلاقة والتأثرّ

المذهب الحنبلي وابن تيمية: خلافٌ أم وفاق؟

المذهب الحنبلي وابن تيمية: خلافٌ أم وفاق؟
ح.م

صدر كتاب “المذهب الحنبلي وابن تيمية: خلافٌ أم وفاق ؟”، وهو دراسة أصولية فقهية، من تأليف الدكتور عبد الحكيم المطرودي من جامعة لندن، عن داريْ ابن النديم الجزائريّة، وشريكتها الروافد الثقافية ببيروت، وتولّى ترجمته عن الإنجليزية أسامة عباس و عمرو بسيوني.

يدرس هذا الكتاب العلاقة بين الإمام ابن تيمية والمذهب الحنبلي، للوقوف على أوجه تأثير هذا العالم في هذا المذهب في الفقه والأصول، حيث يركز على جوانب بارزة من التطورات في المذهب من لدن عصر الإمام أحمد إلى زمن ابن تيمية مما يساعد على وضع دور ابن تيمية في سياق التطور العام للمذهب.

وقال المؤلف إن المذهب الحنبلي هو أحد المذاهب الفقهية السنية الرئيسة الأربعة، وكما هو معلوم فإنه ينسب إلى الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل (ت. 241هـ). وقد ولد أحمد في بغداد عام 164هـ، وطلب العلم فيها وغيرها من المراكز العلمية المعروفة في زمنه.

ومع أنه من الواضح أن أحمد لم يبتغِ أن يكون له مذهب فقهي يتميز به عن غيره من فقهاء عصره، إلا أن طلابه جمعوا فقهه، كابنه عبد الله، وابنه صالح، وحنبل، والكوسج. ثم قام أبو بكر الخلال (ت. 311هـ) بدور بارز في هذا المجال حيث تتبع وجمع نصوص أحمد بشكل لم يسبق إليه، متنقلا في سبيل ذلك إلى عدة أقطار. كما أنه ساهم في نشر المذهب من خلال دروسه في بغداد. ويرى الذهبي (ت. 748ه) لهذه الأسباب أنه لم يكن ينسب قبله مذهبُ مستقل للإمام أحمد. وقد مهّدت جهود الخلال المهمة هذه لظهور جيل من تلاميذه كان لهم دور بارز في هذه المرحلة المتقدمة من نشأة المذهب، إذ نجد أن تلميذه الخرقي (ت. 334ه) كان أول من خدم المذهب بتصنيف متن فقهي مختصر مبني على مرويات عن الإمام. وقد ساهم هذا المختصر في حراك علمي استمر قرونًا ولا يزال، إذ نشطت حوله الدراسات والشروح.

كما أن ذلك الجيل كانوا مع إجلالهم لشيخهم إلا أنهم لم يترددوا في مخالفته عندما رأوا معتمدًا لذلك، من ذلك ما قام به غلام الخلال (ت. 363ه) من نقدِ لبعض آراء شيخه أبي بكر الخلال. كما نجد هذه الروح التحليلية النقدية تظهر من خلال اتساع دائرة التصنيف في الفقه من القرن الثالث لتشتمل دراسة مقارنة مع مذاهب فقهية أخرى، فمن ذلك: “الخلاف مع الشافعي” لغلام الخلال، و”الخلاف بين أحمد ومالك” لأبي حفص عمر بن إبراهيم العكبري (ت. 387ه).

وأعقب هذه المرحلة مرحلة مهمة تتعلق بأصول الفقه في هذه المدرسة، إذ نجد العالم الحنبلي البارز ابن حامد (ت. 403ه) يساهم بشكل متميز في هذا الباب. ويظهر أنه من أوائل العلماء الحنابلة الذين صنفوا في هذا الباب، فوضع كتابه “تهذيب الأجوبة”، والذي يشتمل على مناقشة مهمة لاستخدام أحمد لمبادئ فقهية وأصول عامة ومصطلحات. ولقد كان دور ابن حامد في تطور المذهب دورًا حاسمًا، إذ نجده يناقش بطريقة تحليلية ونقدية طرقَ استقاء أقوال الإمام أحمد، وهل للقياس دورٌ في ذلك. وهذا ولا شك له أهمية بالغة لاسيما في تلك المرحلة المتقدمة من تطور المذهب حيث كانت الحاجة ماسة للوقوف على ما يمكن اعتباره معتمدًا لنسبة الآراء والأقوال لأحمد، كما أن إجازة القياس في هذا الباب، وهو ما يذهب إليه ابن حامد، يعطي الفقيه مرونة وشمولًا عند النظر في أحكام المسائل ومحاولة الوقوف على قول أحمد فيها. ونجد ابن حامد كذلك يقرر ويؤصل لما قرره من سبقه من علماء حنابلة من أن الفقيه الحنبلي له الحق في النظر في اجتهاد الإمام، فإن خالفه في الإجتهاد فلا ضير في ذلك، إذ هو موافق له في الطريقة.

وقد درس على هذا العالم عدد من الحنابلة ممن ساهموا في تطور هذا المذهب، ومن أبرز هؤلاء القاضي أبو يعلى ابن الفراء (ت. 458ه)، والذي خلف شيخه ابن حامد في رئاسة المذهب. ويشهد كتابه “العدة في أصول الفقه” لعلو مقامه في هذا الباب، إذ يشتمل على مناقشة مقارنة للمسائل الأصولية بين المذاهب، ويوضح ما ذهب إليه الإمام، ويذكر غالبا ما تعارض من روايات الإمام. وهذا الكتاب يعد من أوائل ما وصلنا من الكتب الأصولية الشاملة على مذهب أحمد، وقد أصبح هذا الكتاب عمدة لمن جاء بعده. كما أن كتابه “الروايتين والوجهين” يبرز بجلاء علمه الواسع بروايات أحمد الفقيهة وأوجه تأويلها عند أصحابه. ومما يميز مساهمة هذا العالم للمذهب كذلك اشتغاله بالقضاء، ووضعه كتاب الأحكام السلطانية.

ومن علماء الحنابلة من كان مع اشتغاله بالتصنيف في المذهب وتدرسيه فقد كان لهم تواصل مباشر مع نطاق أوسع من الناس، ومن هؤلاء العلماء ابن الجوزي (ت. 597ه)، والذي كان لدوره كواعظ مشهور أثر على قلوب الكثير من عامة الناس وخاصتهم من ساسة وغيرهم.

ومن أهم ما تلا هذه المرحلة كان ظهور عالمين من أبرز علماء الحنابلة، وقد عرفا في المذهب بالشيخين. أما الأول فهو موفق الدين ابن قدامة صاحب المغني (ت. 620ه) والذي ازدهر المذهب في زمنه وزمن طلابه. وقد جاءت مصنفاته الفقهية على نحو متدرج إذ نجد منها (العمدة) ما يبين الحكم ابتداء من غير ذكر الخلاف أو الأدلة، ثم يتدرج بهم في كتابه الآخر (المقنع) إلى بيان الأقوال في المذهب، ثم في الكافي يربط القارئ بمصدر الحكم فيذكر ما اعتمدته عليه الأقوال المختلفة من أدلة رئيسة. أما كتابه المغنى فبلغ النهاية والغاية في تفصيل الأقوال وأدلتها ليس في المذهب الحنبلي فقط وإنما قدم دراسة مقارنة للأقوال في المذاهب.

والعالم الآخر الذي يدخل في مصطلح الشيخين عند هذه المرحلة من تاريخ المذهب هو المجدد ابن تيمية (ت. 652ه)، جد شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية (ت. 728ه). ولقد كان من أشهر علماء الحنابلة، له علم موسوعي، إذ كان بارعا في الفقه والخلاف والأصول والحديث والتفسير. وساهم في نشر المذهب من خلال مشاركته في الإفتاء والتدريس والتصنيف، ومن أشهر ما تركه من تراث علمي للمذهب في الفقه وأصوله كتابه المحرر في الفقه، ومشاركته في تصنيف كتاب المسودة في أصول الفقه.

وفي النصف الثاني من القرن السابع وأوائل الثامن عاش بن تيمية الحفيد، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام (661ه-728ه)، وقد نشأ وطلب العلم في دمشق في زمن كانت هذه المدينة تزخر بعلماء بارزين كثر، وهذا ولا شك ساهم في بناء شخصية علمية قوية لهذا العالم، ولم يطل الوقت حتى صار يفتي وخلف والده في التدريس، ثم توالت اسهامته العلمية في التصنيف والتدريس في علوم عربية وإسلامية متعددة.

وإن المتفحص لتراث ابن تيمية يجد أن فكر ابن تيمية الفقهي كان فكرًا غير جامد، بل هو فكر يعتمد على الدراسة والمناقشة العميقة للمسائل، ثم بنى على ذلك ما انتهى إليه رأيه في تلك المسائل، وهذا أدى إلى أن أقواله في المسائل ربما تغيرت بناء على تغير سياقي من اطلاعه على دليل جديد أو لوجه من وجوه التأويل أو غير ذلك. ومن ثم وجد لابن تيمية في بعص المسائل أقوال يظهر منها التعارض والاختلاف، بينما هي في حقيقتها إما تطور تدريجي في فقهه، شأنه شأن كل من اشتغل بالاجتهاد، أو تغير لجانب سياقي اعتبر فيه الحال والمقصد.

ومما يميز تراث ابن تيمية عموما إصراره على الدور الجوهري والأساسي الذي يجعله للنصوص التشريعية. ولكنه مع هذا يؤكد على قيمة العقل، إلا أنه يراه تابعًا للنص لا متبوعًا، ويرى أن العلاقة بين العقل والنقل هي علاقة توافق وتصديق، إذ عنده العقل الصريح لا يمكن أن يعارض النقل الصحيح. ولهذا نجده ينفي وبشدة إمكان مخالفة الأحكام الشرعية الثابتة للقياس الصحيح، خلافًا لمن صرح بإمكان ذلك من بعض فقهاء الحنابلة وغيرهم. وفي هذا السياق أيضًا يرى ابن تيمية أن مقاصد التشريع تعلو على التمذهب والتقاليد المذهبية. ومن ذلك موقفه من الحلف بالطلاق والطلاق بالثلاث، وأخذه بالاعتبار الآثار الجسيمة لمن أخذ بهذه الأقوال ونحوها.

ولهذا فمما يميز فقه ابن تيمية أن فيه اعتبارًا للنواحي السياقية من أحوال المكلفين ومقاصد المشرع، ويتبين هذا جليًّا في رأيه بالمقصود بعدد من المصطلحات التي لها تعلق باعمال المكلفين، من ذلك المراد بمصطلح السفر، وأن معناه يفترض أن يربط بعرف أهل الزمان، إذ إن تشريع الأحكام المرتبطة بهذا المصطلح المراد منها أن تكون متوافقة مع احتياجاتهم، وهي متغيرة على الدوام، فناسب عنده أن يرتبط معنى المصطلح بعادة أهل كل عصر حتى تكون ملبية لاحتياجاتهم. ومن ذلك أيضا ربطه سبب القتال بالعدوان لا باختلاف الدين.

ومما تقدم يتبين أن تراث ابن تيمية الفقهي والأصولي يتميز بدراسة ومناقشة نقدية عميقة لمبادئ أصولية وآراء فقهية في المذهب الحنبلي، وقد أسهمت تلك الدراسات والمراجعات على تشجيع الحنابلة على النظر في تراث المذهب والتعاطي الإيجابي معه، بحيث يصبح دور الفقيه دورًا فعالًا لا يتردد فيه من نقد القول اعتمادًا على ما وقف عليه من الأدلة. وقد تأثر عمل ابن تيمية هنا برأيه حيال إمكان الاجتهاد وأنه لم ينقطع. إن هذا المنهج النقدي من ابن تيمية ساعد الحنابلة على بقائهم منتسبين إلى مذهب إمامهم، ولكن في نفس الوقت الحرص على متابعة الدليل متى ما صح. وبالتالي ساهم في أن يكون المذهب خارج دائرة الجمود إلى مرحلة صار فيها التركيز على الدراسة النقدية.

وقد ترك ابن تيمية بالإضافة إلى تراثه العلمي في الفقه والأصول تلاميذ نجباء ساروا على طريقته في الدراسة النقدية، والتركيز على الأقوال وعرضها على الأدلة، مع احترامهم للمذهب وعلمائه. ومن أبرز هؤلاء من الحنابلة ابن مفلح وابن القيم. ولا شك أن ابن تيمية وتلاميذه قد تركوا أثرًا بينًا في مسيرة المذهب الحنبلي وانتشاره امتدت إلى وقتنا المعاصر. ومن المأمول أن يبرز هذا الكتاب دور ابن تيمية في هذا المجال.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • Dr7

    رحمهم الله جميعا و جعل ما تركوه لنا ذخرا لهم يوم القيامة.