المرجعية الدينية الوطنية.. حقيقة أم ادّعاء؟
بدأت معالم المرجعية الدينية الوطنية في الجزائر مع بداية الفتوحات في زمن الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، فخرج فيها الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم، وانضم إليهم المسلمون من قبائل الحجاز ومن مصر ووصلت إلى المغرب بوابة إفريقيا. وكانت باكورة هذه الفتوحات في سنة 27 هـ والتي عرفت بـ”حملة العبادلة الأربعة”: عبد الله بن عمر، عبد الله بن عباس، عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة جميعا.
كان الفاتحون من الصحابة والتابعين من أهل الحجاز وأهل مصر من أهل العلم، فكانت البذرة الأولى التي غرست في بلادنا بذرة ناصعة لا شائبة فيها. وبعد تلك الفتوحات، تتابعت الرحلات العلمية متواصلة إلى أن بعث الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الفقهاء العشرة إلى أرضنا، فجاؤوا بفقه المدينة الذي رجّحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لأنه مأخوذ من النبع الصافي، فقرؤوا عندنا بقراءة المدينة قراءة الإمام مالك الذي أمّ الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستين سنة بقراءة نافع، وانتشر مذهبُه في أرضنا.
ولما جاء عهد العثمانيين -الذين حكموا هذه البلاد باختيار من أهلها ولم يكن احتلالا كما يراه المؤرخ أبو القاسم سعد الله رحمه الله الذي عاش في الأردن وربما تأثر بتاريخ العثمانيين هناك المختلف عن تاريخهم في الجزائر- ساس العثمانيون بمذهبهم الحنفي الذي لم تبق من آثاره إلا النزر القليل كما في ولاية المدية والعاصمة، وبقي المذهب المالكي هو المتربع على العرش في عامة البلاد.
ثم جاء عهد الاحتلال الفرنسي الغاشم -عليه من الله ما يستحق- الذي حاول فرض مرجعية دينية فرنسية، حيث لا يؤم الناس إلا من تخرّج في معاهد فرنسا، ولا يثبت الهلال إلا بما أثبتته السلطات الفرنسية، ولا تخرج الزكاة إلا فرادى كما يُخرج المسيحيون صدقاتهم فرادى، فانبرى لإبطال هذه المرجعية المزعومة الرجالُ من المشايخ والعلماء الأفاضل الأجلاء حفاظا على المرجعية الدينية الوطنية الحقيقية –ولا تُحفظ المرجعية الدينية الوطنية إلا بمثل هؤلاء- وأفتوا بما خالفهم عليه اللاحقون من أمتنا لاختلاف زمانهم:
فقد أفتى العلامة ابن باديس رحمه الله بحرمة التجنيس حفاظا على وحدة الجزائريين، هذه الفتوى التي ناقشها الشيخ الطاهر بن عاشور ووصل إلى خلافها، لأنه ناقشها خارج محلّ النزاع.
وأفتى العلامة البشير الإبراهيمي بعدم ثبوت الهلال بالحساب الفلكي في ذلك الوقت حتى يبطل سلطة فرنسا الدينية في إثبات الهلال، لكن الفتوى نوقشت في زماننا وكانت النتيجة مخالفة.
كما أفتى –قبلهم- الشيخ محمد بن عبد الكريم المغيلي بإجلاء اليهود من منطقة توات بولاية أدرار حالياً لطغيان نفوذهم وتسلّطهم على المسلمين، ورأى أن ذلك يخالف مبدأ الذل والصغار الذي ينبغي أن يكونوا عليه في مجتمع المسلمين، فلمّا ناقش فتواه آخرون وصلوا إلى غير فتواه، كما نقل ذلك الإمام الونشريسي في معياره، لأنهم ناقشوها أيضا خارج محل النزاع.
وبعد الاستقلال اعتمد المذهب المالكي كمرجعية دينية وطنية دون نزاع ودون تحصين أيضا من طرف القائمين على أمورنا خاصة أهل الشأن الديني، فلم يعملوا على غرس دائم هذه المرجعية في نفوس الشباب خاصة، بل وصل الحال في بعض الأحيان إلى الاستهزاء بها وبرموزها على شاشات التلفزيون من خلال طرح أسئلة عن حكم القمار (اللوطو) والسباحة للنساء، وغيرها مما أدى عن قصد أو عن غير قصد إلى تزهيد الشباب في مرجعيتنا ورموزها آنذاك كالشيخ أحمد حماني رحمه الله عندما نُعت للشباب على أنه عالم سلطة؟
إن المرجعية الحقيقية تربِّي فينا أيضا الحفاظ على الهوية بأبسط أبعادها، مثلما فعل العلامة ابن باديس عندما دخل على معلِّمٍ يدرِّس الأطفال النحو العربي فضرب مثالا بقوله: ضرب عمرو زيداً، فقال رحمه الله: “الضارب عربي والمضروب عربي، أعطهم مثالا آخر: ضرب عمرو فرانسوا”.
وما إن وصلنا لزمن الانفتاح حتى بدأ الغزو المذهبي يقتحم ديارنا ومرجعيتنا، فانساق إليه كثيرٌ من الفئات والجماعات التي خالفت المذهب المالكي في كثير من المسائل الفقهية وبنت عبرها كيانات وولاءات أدت إلى فتن مظلمة، وكان من بين مبرراتها أن كثيرا من الفتاوى المعتمدة رسميا في البلاد تخالف مذهب مالك نفسه، ففرض نفسه السؤال: أين محل النزاع في المرجعية الدينية الوطنية التي يتغنى بها البعض ويدعيها؟ هل محل النزاع في البحث عن القول الراجح في مسك العصا أو عدم مسكها في المنبر؟ أوفي إخراج زكاة الفطر نقدا أو عينا؟ أو في مشروعية أو عدم مشروعية الذكر جماعة؟
فتحوّلت المرجعية الدينية الوطنية–بقدرة قادر- من مذهب الإمام مالك إلى أنها القول الذي يجمع الكلمة ولو كان مرجوحا في مذهب مالك، كخروج اضطراري من تهمة مخالفة المذهب المالكي؟ وأصلوا لهذا الخروج بالقاعدة التي أسسها علماء أمتنا حين اختاروا القول الذي يجمع الكلمة ولو كان مرجوحا في مذهب الإمام مالك وهو ما يسمى اليوم بالنظرة المقاصدية التي تجعلنا نعدل عن القول الراجح إلى القول المرجوح لمقصد راجح، فأجازوا مثلا إخراج زكاة الفطر نقدا واختاروا الحزب الراتب وهما مخالفان لقول الإمام مالك. حتى لا يتهمهم المخالفون بأنهم خرقوا المرجعية وصنعوا ثقوبا في جدرانها؟
وأخشى ما نخشاه على مرجعيتنا أن تصير في يوم من الأيام مميّعة تخضع لأهواء المسؤولين حيث تصبح خليطا من المذاهب يؤخذ من كل مذهب ما يكون على مقاس مسؤول أو هيئة أو جهة ما ويؤصل لذلك بالمصلحة أو تطور الزمان، أو جمود المذهب المالكي، وهذا ما بدأت ملامحه تظهر من خلال بعض النصوص القانونية فنجد أن المشرِّع الجزائري أخذ بمذهب الإمام أحمد بن حنبل في قضية الشروط الجعلية في النكاح لأنه رأى فيه توسعا في حرية المرأة من خلال اشتراطها للشروط التي يجب الوفاء بها ولها حق الفسخ في حالة العكس، كما نجد الخلط بين المذاهب في قضية الوصية الواجبة في باب الميراث.
لذلك لا بد من تحديد مفهوم دقيق لمصطلح المرجعية الدينية والوطنية بحيث لا يُتلاعب به من حين إلى آخر، ومن وزير إلى وزير، فيكون هذا المفهوم مبنيا على محل النزاع الحقيقي في مدى اقتناع المواطن والتزامه بالبعد الديني والوطني اللذين يخدمان الهوية والوحدة الوطنية ويحافظان عليهما.
المرجعية الحقيقية هي ما اختاره العلماء –وليس الإطارات والمسؤولون– وتلقته الأمة بالقبول بما يخدم العهدين معا: العهد الديني الذي أخذناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءنا به الفاتحون من الصحابة والتابعين، والعهد الوطني الذي تعلمناه من شهدائنا الأبرار والمجاهدين المخلصين، وإن لم يخدم مصلحة جهة أومسئول مهما علت رتبته وطال منصبه.
إن المرجعية الحقيقية لا تجعل كل فرد فينا يشرد في فضائه فيكون حالنا كما صوّره نبينا عليه الصلاة والسلام: “إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية”، بل تربي فينا البعد الجماعي في التفكير، وهو البعد الذي التمسه الصحابة في غزوة الخندق عندما أخبروا نبينا عليه الصلاة والسلام بأن اليهود نقضوا العهد فكان يبشرهم بقصور كسرى والروم، وعندما أخبروه بأن الأوس والخزرج أوشكا على الاقتتال غضب صلى الله عليه وسلم واعتبرها فتنة قاتلة سامّة، وهو مظهر ابتسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مرض الموت لما رأى المسلمين يصلون جماعة وراء أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
إن المرجعية الحقيقية تربِّي فينا أيضا الحفاظ على الهوية بأبسط أبعادها، مثلما فعل العلامة ابن باديس عندما دخل على معلم يدرِّس الأطفال النحو العربي فضرب مثالا بقوله: ضرب عمرو زيدا، فقال رحمه الله: “الضارب عربي والمضروب عربي، أعطهم مثالا آخر: ضرب عمرو فرانسوا”. كما أن العهد الوطني علمنا الحفاظ على اللحمة الوطنية التي حافظ عليها شهداؤنا عندما رفضوا التفريط في أي شبر من ربوع هذا الوطن.
إذا كانت هذه هي حقيقة المرجعية الدينية الوطنية، فما هو واجبنا نحوها؟ هذا ما سنتناوله في مقال آخر قادم بإذن الله.