الممثل الراحل بلاحة بن زيان.. مشوار الأربعين عاما في حياة النوري
حين تجتمع الفكاهة والكوميديا والعبقرية والدراسة، وتمتزج الطيبة بالنية الصالحة، تصقل الشخصية المحبوبة، توليفة تنطبق على الممثل الراحل بلاحة بن زيان، عفوا النوري، أكثر الشخصيات التلفزيونية التي تركت أثرا طيبا، وحين يرتعد فلان عاشور العاشر، انتظر زلزال بلاحة الضاحك الساخر.
ولد الفنان بن زيان بلاحة، في 23 نوفمبر عام 1953 بسيق ولاية معسكر، ولج عالم التمثيل من بوابة المسرح عام 1972 ودرس في معهد التمثيل قدور بن خامسة بوهران، وسرعان ما لفتت موهبته الأنظار وهذا في ظرف وجيز، وصار يألفه الجمهور على التلفزيون الجزائري منذ 1974.
كان للممثل الراحل هالة من الإبداع وحس فكاهي عال، وهذا ما أظهره في عدة أعمال مسرحية، أشهرها مسرحية التفاح لعميد المسرح الجزائري عبد القادر علولة، وكان رفيق درب الممثل الكوميدي الراحل سيراط بومدين وغوثي عزري وفضيلة حشماوي، وأعمال تلفزيونية أغلبها بطابع فكاهي، من بينها أعمال درامية تلفزيونية: “حويدق”، “عايش بالهف” عام 1992 “كفاش وعلاش”، “كلتوم”، “وردة مسمومة”، “جيلالي كلانشة”، “الجمعي فاميلي”، ما بين 2008 و2011، “ناس ملاح سيتي” عام 2006،، “يوميات الزربوط” عام 2008، “بوضو” بأجزائه الأربعة، ما بين 2013 و2016، “دار البهجة” عام 2013.. وفي نفس السنة، قدم عملين هما دار الجيران وفاميليا ستار، ليزيمقري عام 2014، وسع خاطرك عام 2017، الاعتراف عام 2018، رمضان في ماريكان 2019، وأخيرا، الأجزاء الثلاثة لمسلسل عاشور العاشر ما بين 2015 و2021.
ورغم عطائه الواسع للمشهد الفني والثقافي في بلاده، إلا أن الفنان الراحل عانى من التهميش والواسطة في الوسط الفني وفقا لما صرح به في عديد المقابلات، وكان الفكاهي المحبوب يعتبر أن أكبر آفة تعانيها الساحة الفنية بالجزائر هي “رحيل أصحاب الخبرة في الفن، الذين كانوا يقدمون النصائح للفنانين الجدد ويقدمون لهم الدعم النفسي والروحي”.
ويعتبر دور النوري في المسلسل الأكثر شهرة في الجزائر، عاشور العاشر، من أكثر الأدوار شعبية، التي ارتقت ببلاحة بن زيان إلى مصاف الكوميديين من الطراز الأول. وهذا ما جعل المخرج جعفر قاسم يمنحه الحرية المطلقة في تعديل النص واستبدال الجمل والاييفيهات، لما يخدم العمل الفكاهي، ويعيد الاعتبار لفنان أفنى عمره لإسعاد الجمهور.
هذه القدرة في ترويض الكلمة، لم تأت من فراغ، بل من مشوار طويل في كتابة الشعر الملحون، وكان حلم بلاحة قبل رحيله أن يقدم نصا مسرحيا كاملا، بهذا النوع الشعبي من الشعر.
توفي الفنان بلاحة بن زيان يوم الأحد 20 رمضان 1442 الموافق لـ 02 ماي 2021، في المستشفى العسكري بوهران، وووري الثرى في مسقط رأسه بسيق، وفي صدفة لافتة، تزامنت وفاته في الليلة نفسها التي بثت فيها الحلقة 19 من سلسلة “عاشور العاشر”، وتضمنت مشهداً يؤدي فيه الممثل بن زيان شخصية “النوري” ويسقط بسبب تعرّضه للتسمم.
رحل النوري تارك فراغا لا يمكن أن يملأه أحد، فقد كان من طينة الكوميديين الكبار، ورغم الصعاب التي واجهها في الأريعين عاما من العطاء، إلا أنه لم يستسلم، لأن من سلاحه محبة الناس لا يموت في قلوبهم.