-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

بجاية مكة الصغيرة: كتابٌ يرصد صورة بجاية العالمة

د. حسين بوبيدي
  • 1141
  • 2
بجاية مكة الصغيرة: كتابٌ يرصد صورة بجاية العالمة

أصدرت مجلة الربيئة (وهي مجلة تصدر عن نادي الرقيم العلمي الذي ينضوي تحت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) قبل أيام الكتاب الأول في سلسلة الحواضر؛ وقد خصص لمدينة بجاية، وأهداه المؤلفون لفضيلة الشيخ العلامة المجاهد محمد الطاهر أيت علجت حفظه الله ونفع به.

نقرأ في مقدمة الكتاب للأستاذين بلخير بن جدو وحسين بوبيدي – اللذين قاما بتنسيق العمل وتقديمه- تنويها بما يكتسيه التأريخ للحواضر لعلمية من أهمية بارزة، والدور المركزي الذي أسهمت به بجاية في بناء شخصية الجزائر وهويتها؛ ذلك أن تأسيس المدينة مثّل منعطفا هاما في تاريخ المغرب الأوسط في العصر الإسلامي المزدهر، حيث قامت بدور بارز في ترسيخ الإنتماء السُّني ونُصرة المذهب المالكي، وأتمّت الدور العلمي الذي شكلت مدينة القيروان نواته، وقلعة بني حماد حاضنته.

تم تقسيم هذا الكتاب إلى مجموعة من المحاور، وكانت فاتحته بمقال الأستاذ محمد شافع بوعناني حول الشيخ العلامة محمد الطاهر آيت علجت الذي أهدي إليه العمل، باعتباره أثر من بقية السلف في تمقرة البجائية، وحافِظ تقاليدها العلمية، وقد عنون الكاتب مقاله بـ: إسهامات علماء بجاية في خدمة التعليم العربي: الشيخ محمد الطاهر آيت علجت المقراوي البجائي الجزائري أنموذجا؛ حيث تتبع محطات حياته الثرية بمنجزاتها، مستحضرا شهادات هامة تعترف بفضله وتثني على جهوده وتحدد ملامح شخصيته، مع ذكر مؤلفاته في مختلف فنون العلم الشرعي.

في المحور الأول كانت المقالات كشفا لتشكل الهوية الحضارية لبجاية المسلمة، وجاء مقال الأستاذ حسين بوبيدي بعنوان: الحمّاديون من قلعة حمّاد إلى بجاية النّاصر: المشروع السياسي والإحياء السني المالكي، تناول العلاقة بين المشروع السياسي للحماديين في تأسيس دولتهم، وبين الدور الذي قاموا به في تحقيق انتصار التوجه السني على حساب التشيع الإسماعيلي، وقد مثلت بجاية الحلقة الأخيرة من المقاومة الثقافية السنية التي بدأت بالقيروان ثم انتقلت إلى القلعة، ومن خلال حركة التأليف والتدريس ورحلة طلبة العلم لتلقي العلوم على يد علمائها فقد كانت رمزا للإحياء السني وترسيخ المذهب المالكي.

وفي نفس السياق؛ كتبت الأستاذة مختارية بوعلي مقالها: حاضرة بجاية: الحياة العلمية والمرجعية الدينية، حيث عرفتنا على الحياة العلمية في بجاية، وأهم أعلامها في مختلف الفنون في العهود: الحمادية، الموحدية والحفصية، وعنت عناية خاصة بدور المرأة في هذه الحركة الفكرية، ولتأكيد الدور المحوري الذي قامت به المؤسسات التعليمية بالمدينة فقد أبرزت الرحلة إلى بجاية لتحصيل العلوم من مختلف المناطق.

ضمن رصد التلاقح الثقافي الذي شكل الوجه الحضاري لبجاية؛ كتب الأستاذ محمد بسكر: ملامح التأثير الأندلسي في الحياة الثقافية ببجاية خلال القرن السابع الهجري، يستعرض فيه الأسباب التي دفعت نحو الهجرة إلى بجاية، وما وفرته من حرية فكرية لتمثل قبلة المتصوفة والمشتغلين بالفلسفة ومختلف العلوم العقلية، ولأنها مجمع أعلام المالكية فقد جذبت إليها طلاب العلوم النقلية، وسنكتشف أن الحضور الأندلسي بقدر ما قدم الإضافة الفكرية، فقد أفادته خبرته في أن تتولى عناصر منهم مناصب هامة في السلم الإداري والقضائي بالمدينة.

في المحور الثاني من الكتاب، سنكتشف صورة بجاية العالمة، حيث يتطرق الأستاذ محمد جمعة الدربي في مقاله: النشاط اللغوي العربي في بجاية، إلى إسهامات ابن معطي الزواوي صاحب منظومة: الدرة الألفية في علم العربية، فيعرف بها وبمضمونها، ويبرز مكانتها ضمن هذا النوع من التأليف في الحضارة الإسلامية، وينبه إلى الاهتمام الذي نالته من خلال تعدد الشروح التي وضعت لها واستمرار تدارسها.

اختار الأستاذ عبد الجليل قريان المساهمة في هذ الكتاب بمقال حول: العلوم العقلية ببجاية في العصر الوسيط، وقد مهّد للموضوع بتبيان العوامل التي جعلت بجاية تستقطب العلماء من مختلف البقاع، وقدم لذلك عملا إحصائيا يتناول أصول علماء بجاية في القرن 7هـ/13م؛ وبعد أن يقدم قراءة تاريخية لمراحل توطين العلم في بجاية، ينقلنا إلى التعريف بأهم أعلامها في الطب، والصيدلة، والرياضيات، والهندسة، مع الإشارة إلى طرق التدريس وعناوين المؤلفات ومضامينها.

من جهتها ركزت الأستاذة حفيظة بلميهوب على العلوم النقلية، وبالضبط علم الفقه، فكتبت عن: دور الوغليسية في تطوير معهد تمقرة، حيث تناولت مركزية هذه المقدمة الفقهية لصاحبها: أبو زيد عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله الوغليسي (ت: 786هـ)، وقد أشارت إلى أن الوغليسية لم تكن مجرد مختصر فقهي؛ فنبهت لما تضمنته من الإشارات الأصولية، والنفحات الروحية، والمعالم التربوية والأخلاقية، وعقدت مقارنة بين رؤية العيدلي التربوية التعليمية وبين واقع المدرسة اليوم.

أما الأستاذ مسعود بريكة؛ فقد ساهم بمقال عنوانه: فقهاء بجاية في العهد الحفصي: قراءة في صورتهم الخلقية والأدبية، يبحث في ما خلف المنتوج الفقهي والعطاء التدريسي للفقهاء البجائيين، أي في أخلاقهم وآدابهم في أنفسهم ومع طلبتهم ومجتمعهم، وسندرك معه أن المشيخة البجائية لم تكن مجرد مشيخة تنظر للأخلاق الحسنة والخصال المحمودة دون أن تتمثلها، بل مثلت النموذج القدوة وصورة لالتقاء التنظير بالممارسة، كما تبينه خصال الحلم والوقار والزهد والإقبال على العبادة وصلة الرحم والحياء التي رصدتها المصادر.

ودائما مع فقهاء بجاية، كتبت الأستاذة سناء عطابي: مساهمة علماء بجاية في المدونات النوازلية: المعيار للونشريسي أنموذجا، ومن خلال متابعة الكاتبة لماورد في كتاب المعيار سنجد حضور الفتوى البجائية في مختلف الأبواب: الطهارة، الصلاة، الزكاة، الصوم، الصيد، الأنكحة، شؤون الأسرة من حضانة ورضاع وغيرها، العقوبات وأحكام الدماء، الأيمان والشهادات، وقد عدت المؤلفة لفقهاء بجاية 161 فتوى موزعة على 30 بابا من 38 بابا تمثل كتاب المعيار. وإذا كانت المدرستان الفقهيتان القيروانية والأندلسية أسبق للتشكل والريادة، فإننا سندرك مع المؤلفة أن القرن السابع الهجري جعل من بجاية سيدة الحواضر في حركية العلم وإنتاج النخب وانتقال المعارف.

اختار الأستاذ رفيق خليفي شخصية أبي العباس الغبريني لتقديم ورقته المعنونة بــ: أثر المشيخة الأندلسية في شخصية الغبريني العلمية من خلال كتابه عنوان الدراية، حيث استثمر المؤلف نص الغبريني ذاته للوصول إلى منابعه الفكرية وتمثلاته العلمية وتوجهاته، وسنكتشف أن المشيخة الأندلسية مثلت المعين الأساسي الذي نهل منه الغبريني، إذ تلقى عنهم أغلب العلوم التي درسها، ومثلوا المصدر الأساسي له ضمن “عالمه المعرفي”، ولذلك خصهم بأبلغ عبارات الثناء على معارفهم وسلوكهم.

في نقلة نحو عالم المرأة البجائية، شاركت الأستاذة فريدة زوزو بموضوع: نساء بجاية الدور والمهام، وقد قدمت له بالحديث عن العوامل التي ساهمت في جعل مدينة بجاية تمثل مركز التقاء علماء الشرق والغرب، وقد عمّ الاهتمام بالعلم فيها مختلف فئات المجتمع، وبادرت المرأة إلى النهل من هذه الثقافة، وتعطينا صورة عن المرأة البجائية العالمة والمتعلمة، ورغم شح المادة العلمية في الموضوع فقد استخرجت من المصادر أسماء نساء كان لهن اسمهن في الخط والشعر والأدب.

في نفس الموضوع، كتبت الأستاذة الزهرة هراوة: من أعلام نساء بجاية الناصرية، مشيرة لصعوبة تقديم صورة كاملة عن وضع المرأة في بجاية؛ لشح المادة العلمية، لكن الكاتبة نقبت لتقدم لنا بعض الأسماء مثل: بلارة بنت تميم بن المعز بن باديس زوجة الناصر بن علناس صاحبة المكانة الكبيرة عند زوجها، ورقية بنت عبد القوي بن محمد البجائية أصيلة بجاية والتي اشتهرت بعلمها في المشرق بعد رحلة والدها إلى مكة واستقراره بها، وعائشة بنت عمارة البجائية الأديبة والشاعرة.

في التأريخ لمراكز العلم ومدارس الفكر؛ اختار الأستاذ محمد أكلي آيت سوكي كتابة مقال حول: مساهمة زوايا حوض الصومام في الحياة الفكرية الإسلامية: زاوية الشيخ سيدي يحيى العدلي نموذجا، حيث انطلق من فاعلية حوض وادي الصومام في تاريخ بلاد المغرب والأندلس، ثم مبرزا دور علماء بني عيذل في ازدهار التعليم الديني، وكان من هذه العائلة الشيخ سيدي يحيى العذلي الذي تعدّ زاويته من زوايا التعليم الأولى بحوض الصومام، وتعود للقرن 9هـ/15م، وكان لها دور كبير في النهضة العلمية التي ميزت أعراش بلاد زواوة، فقصدها الكثير من الطلبة والعلماء وتخرج منها العديد من أعلام المنطقة.

في المحور الثالث والأخير من الكتاب رصد المساهمون بعض القبسات والانطباعات والمؤلفات حول بجاية على مر عصورها الإسلامية، فكتبت الأستاذة خنساء قوادري: بجاية تعلم الغرب، انطلاقا من تحليل قول للمستشرقة الألمانية: زيغريد هونكة، ورصدا للمسيرة العلمية للرياضي الإيطالي ليوناردو فيبوناتشي الذي يعد تلميذ أعلام بجاية الرياضيين، بينما رصد الأستاذ مولود عويمر انطباعا معاصرا حول بجاية، إذ كتب مساهمته بعنوان: بجاية كما وصفها الكاتب المصري المعاصر أنور الجندي، الذي سجل انطباعه عن مدينة بجاية بمناسبة مشاركته ضمن أحد ملتقيات الفكر الإسلامي، معبرا عن انبهاره بالمستوى العالي للملتقى تنظيما وفعالية وفائدة علمية، وتنوع ضيوفه من مختلف أصقاع الأرض، وإعجابه بمناظر الجزائر الطبيعية، ومآثر الدولة الحمادية التي تشهد عليها آثارها وعمارتها، وفي المقال الأخير من الكتاب تأخذنا الأستاذة زبيدة إقروفة إلى أحد المؤلفات الجديدة حول بجاية، فكتبت: التعريف بكتاب: الوافي في تاريخ بجاية الثقافي للصادق وعلي؛ تبدأ فيه بتعريف مختصر بالمؤلف، وتشير إلى أهم مصادره، وتقدم إحاطة عامة على محتويات الكتاب وما تضمنته فصوله.

إن كتاب بجاية مكة الصغيرة بأعلامها وعلومها، يأتي ليقدم الإضافة الهامة لما كتب حول هذه الحاضرة سابقا، ويمثل أحد المراجع التي لا يستغنى عنها الباحثون والمهتمون، ويدفع نحو الاهتمام أكثر بالتأريخ للحواضر الجزائرية الفاعلة في ترسيخ هوية البلد، وإبراز الأدوار المركزية التي قامت بها في الحضارة العربية الإسلامية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • من هناك

    بجاية هي بجاية ولا نريد لها الا أن تكون بجاية . نقطة

  • يوغرطة

    بجاية الناصرية مدينة العلم والعلماء والعباقرة مدرسة وجامعة وقران وسنة وحديث وفنون وفلسفة وثقافة عريقة . بجاية بحق هي مكة الجزائر المقدسة الطاهرة النظيفة الشريفة الكريمة . الف مليار مليار تحية لبجاية الحماديين الاحرار من الاوراس الاشم اوراس الشاوية اوراس الملكة ديهيا اوراس كسيلة اوراس بن بولعيد .