-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
من مذكرات الثورة

بريزا.. سفينة بلغارية هرّبت 2000 طن من السلاح إلى المجاهدين

فاروق كداش
  • 2898
  • 1
بريزا.. سفينة بلغارية هرّبت 2000 طن من السلاح إلى المجاهدين

قالها ذات مرة: “أنا أول من كسر الحصار الفرنسي عن الجزائر”. إنه بطل لا يعرفه الجزائريون، اسمه فاسيل فالتنشوف، ذئب البحر الماكر، قبطان سفينة أسطورية، هي بريزا، التي تحدت الأمواج وعيون الجواسيس، ونقلت في مياه الموت سلاحا وذخيرة إلى المجادهين.. الشروق العربي، ترسو في موانئ فارنا، وتبحر عبر البوسفور، لتروي قصة قبطان وسفينته.

عام 1960، وبعد خمس سنوات من اندلاع ثورة التحرير المجيدة، شح السلاح، ونفدت الذخيرة، وكان على جبهة التحرير إيجاد مصادر للسلاح… غير أن جواسيس فرنسا كانوا بالمرصاد لأكثر من شحنة بحرية ثمينة، حملت عبر سفن خلدت أسماؤها في تاريخ الثورة، منها “أثوس” و”لديس” و”مونتي كاسينو” و”سلوفنيا”. فقد فرض الاستعمار حصارا حقيقيا على كل المياه الإقليمية، من أجل إحباط أي محاولة لتسليم السلاح إلى الثوار.

لتفادي أخطاء الماضي، انتقل كل من وزير القوات المسلّحة، عبد الحفيظ بوصوف، ووزير المالية في الحكومة المؤقتة، إلى صوفيا بداية سنة 1960، لعقد صفقة سلاح مهمة للغاية.

اتفق الطرفان على أنواع الأسلحة المطلوبة، والكميات المحددة، شرط أن يتم ذلك في وقت قصير، وأن يتم نقل الشحنة بالسفن البلغارية. وضمن الوفد الجزائري أن يتم دفع التكاليف بالدولار الأمريكي، مباشرة بعد شحن البضائع.

سفينة من وحي الفايكينغ

وفي أفريل 1960، وصل فاسيل فالنتشوف إلى ميناء “ستافنغر” النرويجي، لتسلم سفينة بريزا، التي لا تتعدى حمولتها 2200 طن.

كانت قمرة السفينة مكسوة بخشب الأكاجو، كانت سفينة إسكندنافية متينة للغاية، جابت مياه البلطيق والأطلسي مدة 38 سنة.. بدأت الرحلة التاريخية من مرسى ستافنغر، عبرت بحر الشمال الهائج، ودخلت البحر المتوسط، ثم انطلقت بعد توقف في الإسكندرية نحو ميناء فارنا البلغاري.

هناك، أخبر العقيد “زوڤرافسكي” قبطان بريزا “فالنتشوف”، بأنه سيقوم بمهمة خطيرة، تقتضي نقل كمية كبيرة من الأسلحة لصالح جبهة التحرير الوطني الجزائرية.. مكان التسليم كان طرابلس بليبيا، وهناك كان من المتوقع أن يكون في استقباله وفد من الجبهة، لتسلم الشحنة الأضخم في تاريخ الثورة.

الموت الراقد تحت المقصورة

كانت الشحنة عبارة عن أربعة مدافع مضادة للطائرات، بمعيار 22 مم، وصناديق محملة بالقذائف المدفعية، وقذائف الألغام بكميات كبيرة، كما كان هناك بندقيات رشاشة وذخيرة وقنابل يدوية وأنواع لأسلحة أخرى، بالإضافة إلى 240 طن من مادة الـ”تي أن تي” المتفجّرة، في أكياس يزن الواحد منها 25 كيلوغراما، وعدد كبير من الأجهزة المستعملة لتفجير القنابل.

كانت المدفعية المضادة للطيران ستشكل مفاجأة من العيار الثقيل بالنسبة إلى المستعمر الفرنسي، الذي لم يظن يوما أن جبهة التحرير كانت تدير، بعيدا عن أعينه، عملية استخباراتية ولوجستية ضخمة.

ولتجنب الشبهات، ذهب الكابتن فاسيل فالتشانوف إلى أبعد من ذلك، ليصطحب زوجته وابنته ماريا، ذات ثماني سنوات، في المقصورة الواقعة فوق المتفجرات.

وحمل فالنتشوف معه ملفا مفبركا، ليوهم مصالح الجمارك بأن “بريزا” تحمل آلات زراعية و240 طن من مادة السماد الكيماوية، موجهة إلى ألبانيا.

الهجرة إلى الجنوب

وانطلقت السفينة في اتجاهها إلى مضيق البوسفور. كان التيار هناك قويا ومياه المضيق عميقة جدا، ما كان يعتبر في الملاحة البحرية مجازفة، خاصة أن السفينة كانت تحمل شحنة بهذه الخطورة. وكقبطان متمرس، خدع فالنتشوف يقظة السلطات التركية، التي كانت تراقب أي سفينة قادمة من البحر الأسود، فاتبع الطريق البحري لألبانيا حتى كاب مالي. وبدلا من السير باتجاه كاب ماتابان، اتجه نحو جنوب جزيرة كريت ثم اتجه صوبا إلى طرابلس… لم تمض دقيقة من هذه الرحلة لم يخف فيها الطاقم من إمكانية مواجهة دوريات فرنسية قد تسقط العملية، وتقتل طاقم بريزا دون رأفة.

بعد خمسة أيام من المشقة والمعاناة، وصلت بريزا إلى ميناء طرابلس، حيث كان ينتظرهم ممثلو جبهة التحرير الوطني، وسلم فالنتشوف كل الوثائق إلى هرمان الألماني، الذي كان صديقا لثورة الجزائرية. واستغرق تفريغ الشحنة في الميناء مدة يومين كاملين.

من هو القبطان فاسيل فالتنشوف؟

ولد القبطان فاسيل فالتنشوف في 17 جوان 1915، بمدينة بلوفديف ببلغاريا، شغف منذ صغره بالمغامرات

البحرية والأسفار، عبر بحار الجنوب والمحيطات القطبية. درس بالمدرسة البحرية البلغارية، والتحق بمنصبه كبقطان في الرحلات الطويلة. انتهت حياته المفعمة بالمغامرات كقبطان سنة 1963، ليلتحق بالإدارة في الملاحة التجارية، حيث تقلد منصب مدير الملاحة البحرية ثم منصب رئيس لجنة الملاحة البحرية، لدى الأمم المتحدة بجنيف سنة 1968.

توفي سنة 2017 عن عمر يناهز 102 سنة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • ناصر

    الأحرار والشرفاء في العالم لعبوا أدوارا كبيرة وخطيرة نصرة للقضايا العادلة لا تقل أهمية عن المجاهدين الذين يحملون السلاح ويستشهدون في سبيلها ، والشرفاء والأحرار لا توقفهم حدود ولا تثنيهم لغات ولا تمنعهم أعراقهم ودياناتهم من التضحية في سبيل الحق مهما كان الثمن وحيثما كان .. رحمه الله الذي وسعت رحمته كل شيء !