-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
دراما مشوقة أم سرد مضطرب؟

“بنات المحروسة” تحت المجهر..!

عمار قواسمية
  • 1220
  • 0
“بنات المحروسة” تحت المجهر..!
لقطة شاشة (الشروق تي في)
مشهد من بنات المحروسة، الحلقة الاولى.

يحاول مسلسل “بنات المحروسة” تقديم رؤية جديدة للدراما الاجتماعية عبر حبكة من الحي الشعبي الجزائري، لكنه قد يوحي باستنساخ النموذج التركي، سواء في بنيته السردية أو في تناوله لمواضيع الهوس العاطفي (obsessive love) والانتقام العائلي (family vengeance). ومع امتلاك المسلسل لعناصر جذب سردية (narrative appeal)، إلا أنه يعاني من تفكك الحبكة (plot fragmentation) والتسرع السردي (narrative haste).

ولنبدأ بعنوان المسلسل الذي لا يعكس محتوى القصة؛ فالكلمة “بنات” توحي بأن العمل يتمحور حول حياة فتيات في بيئة محددة، بينما تذكر الأحداث امرأة تسعى للانتقام نتيجة خذلان عاطفي. كما لم يكن للكلمة “المحروسة” حضور واضح في السرد؛ إذ لم تقدم أي ملامح واضحة للمكان، تبرز حيا أو بيئة اجتماعية محددة.

أما عن إيقاع الأحداث فقد بدأ بتشويق مقبول، لكنه سرعان ما بهت بسبب التسرع السردي؛ إذ تقدم بعض الأحداث الجوهرية دون بناء درامي كاف. وعلى سبيل المثال، يقدم كشف “لين” عن حقيقتها بطريقة تفتقر إلى التصعيد الدرامي (dramatic escalation)، مما أفقد الحدث وقعه المنشود. كما يعتمد المسلسل على حبكات صادمة، مثل تبديل المواليد، لكن دون أن تدمج ضمن سياق سردي منطقي (narrative coherence).

ويمثل الصراع الأساسي قصة “نجية” القابلة، التي يتحول حبها غير المتبادل لـ”سي الهاشمي” إلى انتقام يمتد إلى أقرب الناس إليها، مما يعيد إنتاج صورة المرأة الانتقامية في الدراما دون تقديم أبعاد جديدة لها. كما يثير المسلسل إشكالات أخرى، كتقديم التدين في صورة مهزوزة عبر شخصية “سليم”، المتدين في المظهر والمهزوز في الجوهر.

ومن أبرز إشكالات المسلسل التناقض في معالجة بعض القضايا الاجتماعية، مثل “رفض إنجاب البنات” وهو أحد محركات الأحداث. لكن الرجل الذي هدد زوجته بالطلاق بسبب إنجاب البنات، عاد في الحلقة الأخيرة يلقي باللوم على المرأة المنتقمة لأنه حرم من بناته، مما يعكس تناقضا واضحا..! كما أن بعض المشاهد حملت رسائل لا تتماشى مع عادات وتقاليد المجتمع، مثل الأخت المحجبة التي تنصح أختها في العلن بالالتزام والابتعاد عن علاقة غير شرعية، لكنها في المشهد نفسه تخرج صورة رجل في هاتفها وتتأمل ملامحه بحب وشوق! أو الأخت الأخرى التي تزور أخاها في السجن مرتدية الحجاب، لكنها تخلعه مباشرة بعد مغادرة السجن. أما الظاهرة الغريبة فهي أن تصحب الفتاة أخاها وخطيبها إلى الشخص الذي كانت معه في علاقة غير شرعية؛ فقط لتقول له أمام الأخ والخطيب: علاقتنا انتهت..! والأغرب أن ينقل الأخ في مشهد آخر خبر القبض على هذا الشريك غير الشرعي، وأن يطلب من أخته أن تبكي و”ما تخليهاش في قلبها..”. فهل هذه الظواهر من مجتمعنا حقا يا من تزعمون نقل الواقع بحذافيره؟!!

أما عن الأداء التمثيلي فقد شهد المسلسل تباينا؛ إذ برز “سامي” بأداء متقن، بينما افتقد “حسان” إلى التوازن الانفعالي، مما جعل حضوره مبالغا فيه. أما “لين” فجاء أداؤها باهتا، على عكس “سعدية” التي أظهرت عفوية في الأداء. وتميزت شخصية “شانا” بتطور درامي ناجح، حيث انتقلت من دور ثانوي إلى شخصية مؤثرة داخل الحبكة. أما “سكوشي” فقد افتقد إلى التأثير السردي بسبب الإفراط في الانفعالات.

ويعتمد المسلسل على معالجات إخراجية تقليدية تضعف من تأثيره البصري والسردي، وأبرزها:

  • إعادة إنتاج مشاهد متكررة دون ابتكار بصري، مما يجعلها تفقد تأثيرها الدرامي،
  • هيمنة شخصية محورية واحدة وتهميش الشخصيات الثانوية، وهذا يحد من التفاعل السردي،
  • الاعتماد على الإبهار البصري المستوحى من المرئيات الموسيقية، بدلا من تطوير مشاهد ذات عمق درامي.

يمثل “بنات المحروسة” نموذجا للدراما الجزائرية الحديثة التي تواجه أزمة إبداعية (creative stagnation)؛ فالتكرار لا يقتصر على الأداء التمثيلي، بل يمتد إلى البناء السردي والإخراجي، مما يضع المسلسل في دائرة مغلقة من إعادة التدوير الدرامي (dramatic recycling). وإذا استمرت الدراما الجزائرية في هذا الاتجاه دون جرأة على التجديد، فستظل بعيدة عن تحقيق هوية درامية مستقلة تواكب تطلعات المشاهد المعاصر، الذكي والانتقائي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!