-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

جائحة كورونا.. إلى أين؟

محمد شيدخ
  • 361
  • 0
جائحة كورونا.. إلى أين؟
أرشيف

وصل عدد الإصابات بفيروس كورونا على مستوى العالم إلى أكثر من 48 مليون شخص توفي منهم نحو مليون وربع مليون مريض, وبعد مرور أكثر من 10 أشهر على ظهور هذا الوباء لا يزال يحصد الأرواح ويسجل يوما بعد يوم أعدادا جديدة وكبيرة من الإصابات في غالبية دول المعمورة، إذ تم تسجيل أكبر الأعداد في أوروبا ووصلت الحالات الجديدة إلى ما يفوق 170 ألف يوميا أحيانا أواخر شهر أكتوبر المنصرم. هذا الاتجاه نحو صعود الأرقام لوحظ كذلك في إفريقيا وأمريكا الشمالية، بيد أنه كان متواضعا في كل من اوقيانوسيا والشرق الاوسط مع تناقص في الأعداد في آسيا، وكان أكبر انحدار في الارقام قد سُجل في اسرائيل بمقدار يضاهي (ناقص 39) عما كان قبل أسابيع متبوعة بليبيا والهند وكوستاريكا، وتبقى الولايات المتحدة على رأس القائمة بتسجيل أكبر عدد الإصابات إذ تجاوزت يوميا ستين ألفا.

هذا الصعود الرهيب في أرقام الاصابات على مستوى العالم وكذا الاستشفاءات وحتى الوفيات مقارنة بحالة الهدنة وتحسن الوضع نوعا ما والتي لوحظت أواخر الصيف وبداية الخريف، هذا الارتفاع في الحالات لم يستثنِ الجزائر كذلك والتي تعيش اليوم ارتفاعا محسوسا في عدد الإصابات، ويعود السبب في ذلك إلى التراخي الملاحَظ على المواطنين في التقيد بالإجراءات الوقائية، وكان ذلك مباشرة بعد بداية الرفع التدريجي للحجر إذ أقيمت الأعراس والولائم والتجمعات وامتلأت الشواطئ بالمصطافين وعادت الحياة تقريبا إلى ما كانت عليه قبل الجائحة، وأصبح الغائب الأكبر في شوارعنا وأسواقنا وحتى في جل مؤسساتنا هي الكمامة، ونحن لا نزال نخوض غمار هذه الحرب الفيروسية الطاحنة.

 وبعد أشهر من الجائحة لاحظت أن واقعها عندنا أصبح مجسّدا ومحصورا في ترصد أمسية كل يوم للتزود بالأرقام في صعودها وهبوطها من خلال ما يقدمه ممثل لجنة متابعة الجائحة فيدخل المواطن في دوامة من التحليلات والتأويلات والقراءات الخاطئة ناسيا أن دوره هو التقيد بالتدابير الوقائية حماية لنفسه وغيره وليس التحليل الذي سيطر على العقول وأساء فهم دور اللجنة التي قزم دورها من الانتباه والتقيد ببروتوكولها إلى التزود بأرقامها بالرغم من أن دورها أكبر من ذلك إذ تعتمد استراتيجية محكمة لمجابهة الجائحة، وفي هذه المرحلة بالذات أصبح من وجهة نظري من الضرورة بمكان أن نوسع من دائرة المعنيين بهذه السياسة الوقائية، فإضافة إلى اللجنة والمواطن نحتاج إلى إدخال مشاركين آخرين من خبراء علم اجتماع ونفسانيين لدراسة وحل هذا اللغز العجيب الذي أظهر ثنائية غريبة في التعامل مع الأزمة؛ إذ يرى المواطن أعداد الإصابات والوفيات ولا يتقيد بالإجراءات الحامية له، وتكرّست هنا الهوة العميقة بين المواقف وبين السلوكيات لأن الإنسان في عمومه أدرك الخطر ووجد عائقا في الانضباط والتقيد بالوقاية، فأصبح المشكل اليوم ليس في البروتوكول والتوصيات والنصائح العلمية بقدر ما هو مشكل سلوك إنساني سلبي داخل المجتمع.

 وفي هذا الصدد يرى بعض الخبراء في علم النفس الاجتماعي أنه يتحتم علينا في مثل هذه المواقف تغيير دور المواطن من موقع المتلقي دائما وأبدا إلى دور فعال وهو دور البطل أي المسؤول، ويتأتى ذلك من خلال بسط سياسة تشاركية قاعدية في الأحياء والتجمعات السكانية بإشراك كل الفاعلين من مجتمع مدني وغيرهم في توقيع هذه الإجراءات حتى يستشعر المواطن دوره كفاعل أساسي ويستشف أهميته في خضم هذه العملية فينسجم إراديا في المشروع ويتشبع لا شعوريا بالتعاليم فيتجلى ذلك في انضباطه التلقائي والعفوي، وعندئذ نكون قد طبعنا مهام اللجة العلمية ببعد إنساني عميق عبر هذه المقاربة التشاركية الحقيقية المكملة لعمل ومهام هذه اللجنة الموسعة والتي تضطلع بمهام أخرى بشفافية كاملة معبرة عن عرفانها بالدور الهام للمساهمة المجتمعية الواسعة وموضحة أسباب هذا الاختيار وهذه المقاربة مشجعة كل المبادرات والإبداعات وداعمة لسبل تآزر كل المساهمين مع ذكر كل النجاحات والتحسينات الادائية المسجلة خلال عملية التحسيس والتطبيق، ومن هنا نستطيع جمع القول بالعمل وحث الفرد على ملازمة الموقف الإيجابي للسلوك السوي في إطار مواجهة الجائحة التي قد يطول أمدها.

 وبعد التحوير الذي حدث على مستوى البروتين “أس” الذي يسمح للفيروس بالالتصاق بالخلايا الانسانية حيث سميت هذه الطفرة بـ”د614ج” والتي أوعز من خلالها العلماء إلى إمكانية أن الفيروس قد أصبح قليل الفتك كثير الانتشار، وقد تم التأكد من تواجد هذه الطفرة بداية شهر أفريل المنصرم وخلال شهر جوان تم ضبط تشكيل آخر للفيروس من خلال طفرة أخرى سميت بـ”20أ- او اي 1″ ذكرتها الدكتورة “ايما هودكروفت” المختصة في تطور الجينات بجامعة “بال” الاسبانية والتي تحدَّثت عن النشاط الرهيب لهذه الطفرة، لكنها لم تربطها مباشرة بقدرتها على الانتشار أكثر من ذي قبل أو قوتها الفيروسية في ما يخص الفتك، لكنها لم تخف خوفها من تأثيرها على الإنسان بطريقة لم يتم التأكد منها بعد نظرا لتزامن ظهورها بقوة مع الصعود الرهيب للإصابات في أوروبا وبعض الدول.

ومن جانب آخر، تعتبر المنظمة العالمية للصحة أن الاستراتيجية الملائمة والتي يجب الاعتماد عليها تنصبُّ حول تطوير طرق المتابعة والتكفل الخاصين بالحالات التي اقتربت من المرضى الحاملين للفيروس ولم تُصَب بالمرض أو لم تظهر عليها علامات سريرية إطلاقا لأنهم يمثلون الناقلين المخفيين للمرض، ويقول خبراء المنظمة العالمية للصحة “يستحيل التغلب على الجائحة مادامت الحالات التي اتصلت واقتربت من المرضى الحقيقيين غير متكفل بهم” من هنا تتأكد لنا أهمية التفعيل الكامل للتحقيقات الوبائية للتعرف على أعداد المرضى في الحجر وأعداد الحاملين للفيروس من دون ظهور المرض والمرضى الذين أجروا التحاليل عند الخواص حتى تتسم إستراتجيتنا بالقوة والفاعلية.

وأمام احتمال طول أمد الجائحة والتي قد تستمر لعدة أشهر أخرى نظرا لاستحالة توفير لقاح آمن وفعّال في وقت قصير وضعف فرضية التلاشي التلقائي للفيروس على اعتبار أن ما صرح به باحثون من جامعة أريزونا أواخر شهر أفريل الماضي كونهم ضبطوا أصنافا من الفيروس فاقدة لـ81 قاعدة نووية في تكوينها الجيني معتبرين استمرار فقدان هذه السلاسل وغيرها قد تكون مؤشرا لتآكل الفيروس واندثاره طبيعيا، لكن الأمد طال والفيروس في استقواء محير، تقول الدكتورة “كاييم” المسؤولة السابقة في وزارة الأمن الداخلي الأمريكي أن الفيروس باق إلى غاية سبتمبر 2021 والذين يسألون: متى تنتهي الأزمة؟ نقول لهم: لا أحد يستطيع الإجابة بدقة عن هذا السؤال لأنه لا تخمين في العلم ومسار الفيروس غير معروف ولم ينته بعد، ولمن يسأل عن تاريخ عودة الناس إلى حياتهم الطبيعية؟ نقول لهم: إن ذلك غير مرتبط على المدى القريب بالمعطيات العلمية بقدر ما هو متعلق أساسا بضوابط سلوكية إنسانية واختيارات سياسية للأمة تجاه الإجراءات الوقائية المعروفة والتي تبقى السلاح الوحيد إلى حد الساعة والكفيل بحماية الأفراد والمجتمعات.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!