-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
تطل على 3 ولايات وتحولت إلى قبلة عائلية بعد غلق الشواطئ

“جبال بابور”.. القطعة الأمازونية التي اخترقت السحاب

سمير مخربش
  • 2928
  • 0
“جبال بابور”.. القطعة الأمازونية التي اخترقت السحاب
الشروق

عرج العديد من الجزائريين ناحية الجبال بعد غلق الشواطئ وكافة المناطق الساحلية، لتعود ولو باحتشام ثقافة السياحة الجبلية التي مازالت تترعرع في المهد رغم توفر المادة الخام والمناطق الجبلية العذراء التي مازالت تنتظر عناية من طرف الجهات المعنية.

فإذا كانت ترتيبات الغلق المرافقة للحجر الصحي قد صفدت الشواطئ والمنتزهات والمسابح العمومية، فقد وجد بعض الجزائريين منفذا للسياحة والترويح عن النفس بالتنقل إلى الجبال المنتشرة في مختلف المناطق التي مازالت تحافظ على عذريتها. وكعينة عن هذه السياحة الجبلية، تعد جبال بابور بشمال ولاية سطيف من القبلات المفضلة لما تتميز به المنطقة من مناظر طبيعية خلابة ونادرة. فالسلسة تطل على ثلاث ولايات وهي سطيف وجيجل وبجاية وأعلى قمة بها تقع بولاية سطيف بارتفاع يقدر بـ 2004 متر عن سطح البحر، تُعرف بغاباتها الأمازونية الكثيفة وبها أشجار كثيفة وعملاقة وعريقة كالتنوب النوميدي الذي يعد من الأشجار النادرة في العالم، إلى جانب الأرز الأطلسي وأشجار الفلين والبلوط، وتحتوي على 416 نوع من النبات، ويعيش فيها طائر نادر في العالم يعرف باسم كاسر الجوز القبائلي. كل هذه الخصائص دفعت ببعض الجزائريين إلى تحويل البوصلة باتجاه هذا البابور العملاق أو السفينة التي رست بحملها الطبيعي قبل أن تصل إلى البحر وتحولت اليوم إلى أفضل قبلة للسياح الملهمين بالجبال وثروتها الغابية.

من حصن للمجاهدين إلى قبلة للسياح

لتزور جبال بابور، عليك أن تعد العدة وتحضر الزاد، مثلما فعلنا نحن مع مرافقينا عبد الرزاق وإسماعيل وعمي مختار، وهم من سكان بلدية بابور بولاية سطيف. فكوّنا معهم فرقة وامتطينا مركبتين وقررنا صعود قمة بابور التي لا يمكن بلوغها إلا بشق الأنفس. الصعود حتى وإن كان بالسيارة صعب للغاية، فهو يشبه التسلق نظرا للميلان الحاد للمسلك، فتجد المركبات صعوبة في السير خاصة مع الطريق المتهرئ المملوء بالحفر والمطبات، فكان علينا السير ببطء خاصة مع كثرة المنعرجات وتطاير الحصى والأتربة.
كانت إطلالتنا الأولى على معلم الشهداء الذي نُصب تخليدا لشهداء ثورة التحرير والذين اتخذوا من جبال بابور حصنا لمواجهة الاستعمار، ويشهد عمي مختار بأن هذه المنطقة الجبلية شهدت معارك ضارية بعدما سيطر عليها المجاهدون الذين هيمنوا على مخابئها ومسالكها الوعرة، فكان الجيش الفرنسي يجد صعوبة في اقتحام الجبل ولذلك يلجأ الى القصف بالطائرات الحربية التي أسقطت العديد من الشهداء.

جلسات عائلية في الأدغال وفضاءات لهواة الدراجات والمشي بالعصا

نواصل السير نحو الأعلى لندرك المنطقة الأولى التي تفضلها العائلات التي تنتشر بها مساحات خضراء، وهنا يمكن حط الرحال ونصب جلسة عائلية وتناول الغداء تحت الأشجار الكثيفة التي تتميز بكبر جذوعها وتشابك أغصانها، فالشمس هنا تطل من كل مكان لكن أشعتها تنكسر مع كثافة الشجر فتفسح المجال لظلال هي أقرب إلى الظلام.
الجلسات العالية هنا لها نكهة خاصة وقد تصادفنا مع عائلات جاءت من سطيف والجزائر العاصمة التي تنقلت خصيصا للراحة والتمتع بالمناظر الطبيعية الخلابة. المكان وكأنما خُلق للعائلات بينما الشباب الذي يحب الاكتشاف عليه أن يواصل الصعود إلى الأعلى وهناك يفضل التخلي عن المركبة والمشي على الأقدام. وما لفت انتباهنا وجود وفد سياحي جاء من العاصمة فيه شباب ورجال ونساء جاؤوا خصيصا لممارسة رياضة المشي في الأدغال والمسالك الجبلية، فشاهدناهم مصطفين في قافلة منظمة لكل واحد منهم عصاه التي يتوكأ عليها وحقيبته الظهرية. كما وجدنا أيضا فريقا للدراجات الهوائية جاء من سطيف بدراجات مخصصة لكل الميادين، وبحسب أحدهم، فالفريق اعتاد على المجيء لهذا المكان لممارسة هذه الرياضة.

عندما تتجاوز السحاب وكأنك في الأحلام

نواصل السير لندرك المنطقة الثانية التي توجد بها مساحات شاسعة قابلة للاستغلال كفضاءات سياحية وبها وجدنا جمعا من الشباب جاؤوا بهدف التخييم فأشركونا وجبة الذرة المشوية وأكدوا لنا أنهم سيقضون الليلة في هذا المكان وقد قاموا بتحضير اللحم المردوم لتناوله في العشاء، وهي وجبة صحراوية مشكلة من اللحوم التي تطبخ وتوضع في حفرة وتغطى بالجمر وهي من الأكلات المفضلة في هذه الظروف. ويؤكد محدثونا بأنهم يحرصون على إشعال النار في حفرة مع أخذ كل الاحتياطات الأمنية لعدم انتشارها فهمهم الأول هو الحفاظ على المكان وحمايته من الحرائق، ولقد احضروا معهم كل العتاد المطلوب كالخيم والأفرشة والمصابيح ومختلف اللوازم بما فيها جهاز الإطفاء. ونحن بهذه الجهة يذكرنا مرافقنا إسماعيل بأن هذه المنطقة يقصدها الزوار في فصل الشتاء للتمتع بالثلوج التي تمكث بالجبل لعدة أشهر، فلما كان الثلج يتساقط بكثافة في سنوات مضت يمكنك أن تلحق ببياضها في شهر جويلية نظرا لبرودة المكان.
نواصل السير نحو المنطقة الثالثة أين ندرك القمة التي يصل ارتفاعها إلى 2004 متر، وهو المكان الذي إذاأدركته تكتشف أنك تجاوزت السحاب، فيمكنك أن تراه من تحتك وكأنك تركب الطائرة فتبدو لك لوحة طبيعية امتزج فيها السواد والبياض والخضرة، هي أفضل منطقة لأخذ صور تذكارية وبها التقينا بهواة المشي بالعصا الذين بلغوا القمة وكان عليهم أخذ قسط من الراحة قبل الشروع في النزول. وهي مغامرة أخرى لها نكهتها وحيويتها التي يقدرها هواة المرتفعات وعاشقو السياحة الجبيلة.
لقد كانت رحلة ممتعة لكن تنقصها لمسة المسؤولين الذين لم يهتموا بهذا المكان النادر في الجزائر حيث غابت المرافق كالمطاعم والمقاهي ودورات المياه وألعاب الأطفال، بل الجبال كلها لازالت عذراء لا يوجد بها أي مرفق وحتى الطريق لم يُعبَّد ولازال مسلكا صعبا ينفر منه الناس، ولذل يأمل مرافقونا وسكان المنطقة أن تلتفت الجهات المعنية إلى هذه القطعة الأمازونية النادرة التي من المفروض أن تكون قطبا سياحيا عالميا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!