جدار الحرية في وسط العاصمة.. إن أردتم دفننا فنحن بذور
يقال إن الفن تمرد محمود، ومقبول اجتماعيا، إذ يعتبر إبداعا جماليا وليس تعبيرا مباشرا باللغة العادية، وعلى هذا الأساس يلجأ الشباب اليوم إلى الرسومات والشعارات الجدارية كوسيلة تعبير حر على مكامن الذات الإنسانية في ظل استحالة الخضوع لواقع مفروض..
“نحتاج إلى هذا الجدار لنعبر أكثر عن حريتنا” هذه العبارة التي كتبت في شارع حمداشي محند إيدير بطريق محمد الخامس بالجزائر الوسطى، وعلى جدار يمتد على طول سلم الحي المؤدي إلى العمارات، كبداية لفسيفساء من الرسومات المختلفة بالألوان الزيتية والترابية والقلم الرصاص وبالحبر، تخللتها عبارات قوية التعبير ورموز تحمل أكثر من دلالة..
هم مجموعة من الشباب بينهم فنانون تشكيليون، وجدوا من هذا الجدار الذي أطلق عليه “جدار الحرية”، مساحة لتفريغ كبت سنوات طويلة من المعاناة والرفض الداخلي لنظام بلغ فساده درجة التعفن، كتبوا قبل أن يرسموا “تواجهون جيلا يعرفكم جيدا وأنتم لا تعرفونه”، و”أزهر يا وطني”!.. و”بسم الحق”..
علقت في بداية الجدار لافتة مكتوب عليها باللون الأحمر “المبدأ التوجيهي لجدار الحرية محتوى المشاركة يرمز لرسائل السلام والأمل وصحوة الوعي ..الرجاء مراعاة واحترام القيم الثقافية الجزائرية..التعابير غير المقبولة هي التي تمس بالأشخاص والتحريض على الكراهية والعنف.. هذا الجدار جداركم فلنحافظ على حريتنا”.
قال أحد الشباب المشارك في رسومات هذا الجدار وهو طالب جامعي يدرس الحقوق، إن الألوان والرسومات المتداخلة، خاصة تلك السريالية المعاني، هي حقيقة الوعي الشبابي لدى فئة واسعة من الجزائريين، وإن الألوان المختلفة ما هي إلا أفكار مختلفة ومواكبة للعصرنة وزمن التكنولوجيا.. “إن الألوان كثيرة وإن الأمل هو ربيعي مزهر وعطر” يقول هذا الشاب.
في حين قالت شابة تقطن غير بعيدة عن الحي الذي يضم جدار الحرية، إن السلمية واضحة في رسومات هؤلاء الفنانين، مضيفة “أنا واثقة في هؤلاء الشباب هم أكثر وعيا من زمن مضى، وإن الجدار يعكس المستوى الثقافي لديهم، ويعبر عن وطنية ووحدة وإنسانية”.
في مدخل العمارة المقابلة للجدار كانت عجوز تحمل قفة، تلتفت إلى الجدار مبتسمة حيث قالت لـ”الشروق”، “إني سعيدة بهذه الرسومات المعبرة التي لخصت الحراك الشعبي من أجل التغيير، والوعي عند الجيل الجديد، ولكن حبذا لو حافظوا على بعض مساحات الجدار فارغة حتى لا تتداخل الرسومات ولا تتعب عيون الكبار مثلنا”.
شموس وأجنحة وطيور.. و”يتنحاو قاع”!
“الجدار هو جدار الحرية وجدار الحراك الشعبي”، هذا ما قاله صاحب محل تجاري غير بعيد عن المكان، إذ أن الرسومات والكتابات هي شعارات ترددت في مسيرات الجمعة المليونية، وصور ومظاهر وأماكن علقت في أذهان المتظاهرين.. والألوان زاهية وحارة ودافئة تحمل معها الأمل والحب والتفاؤل وعطر الحرية والديمقراطية..
مصباح كهربائي مكسر خرجت منه الزهور وتفرعت أغصانها، هو رسم دلالي أرفق بعبارة “أزهر يا وطني”، ويعني أن الشباب تحركوا من أجل التغيير للأحسن، ونهضوا بعد صمت طويل، ورسم معبر آخر لمساحة طبعت عليها أيادي بعض المشاركين في الحراك الشعبي بعد غمس أيديهم في الألوان الزيتية، يحمل الرسم عبارة “يتنحاو قاع” ورجل يحمل فأسا ويقوم بتحطيم جدار من أعمدة حديدية، تدل هذه الأعمدة على رموز وشخصيات النظام القديم.
“إن أردتم دفننا فنحن بذور” كلمة كتبت وسط أغصان شجرة مثمرة، ورسم للبريد المركزي محاط بالأزهار المداخلة فيما بينها، هذا المعلم الذي أصبح رمزا للحراك الشعبي الجزائري، كلها رسومات ملوّنة، عبر بها بتلقائية وعفوية عن تمرد ضد واقع أصبح مرفوضا من الجميع.
العلم الجزائري في أشكال وأحجام مختلفة، حيث مثل بأجنة وبزهور وبطائرات ورقية، وبقلوب، وكتب أحد الشباب الذين شاركوا في رسومات الجدار بالفرنسية، أن الجدار أقوى تعبيرا من صفحة الفايسبوك، ومن لا يستطيع تصفح مواقع التواصل الاجتماعي فليتفرج على جدار الحرية في شارع محمد الخامس.
“حب وأمان، ووطن” وكلمة “الحرية”، و”سلمية” وعلم تمسكه أياد شابة من أطرافه، وامرأة تتحلل ويخرج من جسدها طيور تتحول إلى أسراب، وكتب بجنبها عبارة بالفرنسية “إننا طيور العاصفة”.. هذا ما قاله جدار الحرية بألوانه التي غلب عليها الأحمر والأخضر والأزرق والأصفر.
وفي الأعمدة الإسمنتية البارزة في الجدار، تركت مساحة للشعب ليقول أحب كلمة إلى قلبه، تحت عنوان “صوت الشعب” حيث شكلت مربعات فسيفسائية كتبت عليها كلمات أكثرها تتعلق بالوطن والحرية والسلام والحب.