-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حتّى لا نظلم المساجد وروادها

سلطان بركاني
  • 1439
  • 1
حتّى لا نظلم المساجد وروادها

خلال الأيام القليلة الماضية، أثير نقاش حادّ حول أهمية صلاة الجماعة، إثر كلمة مسجّلة، استكثر فيها الشّيخ بغداد فيزازي إقبال المسلمين على بناء المساجد في القرى والأحياء الكبيرة والصّغيرة، ووصف الشّباب الذين يواظب الواحد منهم على الصّلوات الخمس في مسجد واحد، بأنّهم من الفاشلين في الجانب الدنيويّ، وقال إنّ من ينطبق عليه الوصف عادة ما يكون عالة في أمور دنياه على أبيه أو فرد آخر من أفراد أسرته.. هذه الكلمة حُقّ لها أن تستهجن وتستنكر، وقد تراجع عنها الشّيخ فيزازي مشكورا، فكان واجبا أن يغلق النّقاش الذي فتح حول خطأ الشّيخ، لكنّ موضوع صلاة الجماعة وعلاقة المسلم ببيت الله ينبغي أن يظلّ مطروحا والنّقاش فيه مفتوحا.
موضوع علاقة المسلم ببيوت الله، ينبغي أن يحظى بالأهمية اللائقة به، ولا يبقى موضوعا مؤقّتا أو موسميا، خاصّة في زماننا هذا الذي كثرت فيه الشّواغل وتنوّعت الملهيات، وأصبحت الدّراسة والوظائف المختلفة ترتبط بأوقات لا تراعى فيها أوقات الصّلاة ولا تجعل في الحسبان.

صلاة الجماعة ليست مفروضة.. لكنّ هجر بيوت الله منكر!
يكفي بيوتَ الله فضلا ومكانة أنّها أحبّ البقاع إلى الله عزّ وجلّ، وأنّها البيوت التي أذن -سبحانه- برفعها وإعلائها وصون هيبتها ليَذكر فيها اسمَ الله ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾.. ويكفي روادَها فخرا أنّ الله أثبت لهم الرجولة الحقيقية التي تعني الانتصار على أهواء النّفس وإقامتها حيث يجب لها أن تقوم.. كما يكفي صلاةَ الجماعة فضلا أنّها تَضعف صلاة المنفرد بـ27 درجة، وأنّها إجابة لنداء الحقّ “حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح”، وتحقيقٌ لمعنى “الله أكبر”؛ فالله أكبر من الدّنيا التي يفترض ألا تلهي العبد المؤمن عن أعظم وأنفع موعد في الوجود، الموعد مع الواحد المعبود، في مكان هو أحبّ مكان إليه جلّ في علاه، يكرِم فيه ضيوفه ويغدق عليهم من رحمته ومغفرته وفضله.
لكن رغم المكانة التي تحظى بها صلاة الجماعة والفضائل التي رتّبت لها، إلا أنّ الخالق سبحانه لم يفرضها على عباده إلا في يوم الجمعة، ورغم كلّ الأحاديث التي ترغّب في صلاة الجماعة وتحذّر من هجران بيوت الله، إلا أنّ أكثر علماء الأمّة ذهبوا إلى أنّ صلاة الجماعة سنّة مؤكّدة وليست واجبة.. وهذا من رحمة الله بعباده، فلو فرضت الجماعة كما فرضت الجمعة، للحق كثيرا من النّاس مشقّةٌ في حضورها والمحافظة عليها، خاصّة في زماننا هذا.
هذا التّخفيف، تعامل معه كثير من المسلمين بطريقة خاطئة، في نسقِ تعاملهم العامّ مع أعمال الخير البرّ، حيث لا ينظرون إلى فضائل الأعمال ومراتبها ومكانتها عند الله إنّما ينظرون إلى حكمها، فإن كانت واجبة أدوها ما طاوعتهم أنفسهم، وإن كانت سنة أو مستحبّة تركوها راغبين عنها! وبسبب هذه النّظرة أصبحت المساجد تشكو إلى الله هجرها وقلّة روادها في الصّلوات الخمس، حتّى إنّك ربّما تغدو إلى مسجد من المساجد، فتمرّ في طريقك بالمقاهي عامرة وبالأسواق مكتظة وبالشوارع تعجّ بالرّائحين والغادين، فإذا دخلت المسجد فوجئت ببضعة صفوف تعدّ على أصابع اليد الواحدة! مع أنّ الصّلاة بوضوئها لا تأخذ من العاكفين في المساجد الطوافين في الأسواق والشّوارع أكثر من 20 دقيقة.
المجتمعات الإسلامية تشهد استهانة مؤسفة بل منكرة بصلاة الجماعة، بأعذار أكثرها واه، فمن المسلمين من يتعلّل بأنّ الجماعة ليست واجبة، ومنهم من يتعلّل بانشغاله ويتشبّث بمقولة: “العمل عبادة”، ومنهم من يعتذر ببعد المسجد عن بيته، ومنهم من هجر المسجد لأنّ حذاءه سرق، أو لأنّ أحدهم داس على قدمه! وهكذا، ولو أنّ أحدا من هؤلاء الذين هجروا المساجد إلا للجمعات عرض عليه منصب عمل يبعد عن بيته عشرات الكيلومترات براتب قدره 27 ضعفا من راتبه، لما تردّد في القبول، ولسقطت كلّ الأعذار في بئر عميقة!

المساجد فارغة لأنّنا هجرناها وليس لأنّها كثيرة
لو أنّ هؤلاء الذين لا يولّون وجوههم شطر المساجد إلا في الجمعة والعيدين، يحافظون على الصّلوات الخمس في أوقاتها في بيوتهم وأماكن عملهم، لربّما هان الأمر، لكنّهم في الغالب يضيّعونها ويخرجونها عن أوقاتها، لأنّ أهمّ عامل يساعد على الانتظام في الصّلاة هو الحرص على الجماعة، فمتى ما استهان بها المسلم هانت عليه صلاته.
ظاهرة هجر المساجد في الصّلوات الخمس، ظاهرة منكرة، ينبغي أن يسعى أئمّة المساجد والدّعاة لعلاجها، ليرتقوا برجال الأمّة إلى الوصف الذي وصف الله به عباده الصّالحين: ((لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة))، خاصّة في الصّلوات الثّلاث التي يقع وقتها في الغالب خارج دوام العمل.. وليس يليق أبدا ولا يُقبل أن يُستهجن الإقبال على بناء المساجد بحجّة أنّها تزيد على الحاجة وأنّها تبقى فارغة سائر أيام الأسبوع؛ فها هي كلّ المساجد لا تكفي في الجمع والأعياد، فلماذا لا نبحث أسباب العزوف عن صلاة الجماعة لنعالجها بدل استكثار المساجد التي تبنى في الغالب من أموال المحسنين وليس من الميزانية العمومية.

ما المانع من فتح مصليات في المدارس والمؤسّسات والإدارات؟
الحديث عن بناء المساجد وعمرانها، يقودنا إلى الحديث في موضوع آخر متمّم، هو موضوع المصليات التي خلت منها أغلب المؤسّسات والإدارات والمدارس والجامعات، حتّى إنّك ربّما تجد في المؤسّسة مقهى واسعة وعددا زائدا على الحاجة من المراحيض وحديقة تتربّع على مساحة لا بأس بها، ولا تجد مصلّى! وهناك مسؤولون في المؤسّسات والإدارات والمدارس والجامعات يرفضون رفضا قاطعا فتح مصليات ولو على مساحات صغيرة، بحجّة أنّها تشغل الموظّفين عن العمل أو الطّلاب عن دراستهم! بل إنّ بعض المسؤولين بلغت بهم الجرأة إلى حدّ إغلاق المصليات وترك المقاهي مفتوحة! بحُجّة أنّ المصليات تلهي العمّال عن أعمالهم!
هناك من الموظّفين من يتعلّل بصلاة الجماعة وبالصّلاة عموما، ليمارس هوايته في التنصّل والتهرّب من عمله، وهؤلاء ينبغي أن يزجروا عن تحايلهم ويعلّموا أنّ العمل إذا كان مستعجلا وتتعلّق به مصالح العباد، قد يكون عذرا لتأخير الصّلاة عن أوّل وقتها، كيف بصلاة الجماعة، لكنّه لا يكون أبدا عذرا في إخراج الصّلاة عن وقتها.

لماذا تُستثنى أوقات الصّلاة من الحسابات؟!
من عجائب ما تواطأت عليه أغلب الدول العربية والإسلاميّة، أنّ أوقات الصّلاة لا يُلتفت إليها ولا تراعى في تحديد أوقات العمل والدّراسة وفي وضع برامج الامتحانات والمسابقات، في الوقت الذي يراعى فيه موعد تناول وجبة الغداء! مع أنّ الأمر لا يستدعي -في الغالب- أكثر من تعديلات بسيطة لا تؤثّر في الحجم السّاعيّ العامّ.
ينبغي للمسؤولين على تباين درجات مسؤولياتهم أن يتّقوا الله في شعيرة الصّلاة، ويولوها ما تستحقّه من اهتمام، على الأقلّ بما لا يجعل الموظّفين والطّلبة يخرجون الصّلاة عن وقتها.

عودا على بدء.. المتواكلون صنفان!
رواد بيوت الله والمحافظون على صلواتهم عامّة، ينبغي لهم أن يعطُوا أفضل الأمثلة في حفظ العهود والأمانات، وفي الجدّ والجدية في أعمالهم ووظائفهم؛ فالمولى سبحانه قال بعد الآية التي فرض فيها صلاة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، والمسجد لا يحبس أحدا بين جدرانه، كما أنّ صلاتي النّهار لا تأخذ من وقت المسلم اليوميّ أكثر من نصف ساعة بوضوئهما، ولا أكثر من ساعة لو صلّيت في جماعة.
هناك من رواد بيوت الله من يعطي مثالا سيّئا بتواكله واتّكاله وكسله، لكنّ هؤلاء ليسوا أكثرية بين الحريصين على صلاة الجماعة، وواجبنا مع المتواكلين والكسالى هو أن نشكر حرصهم على عمارة بيوت الله، ونبيّن لهم فضل السعي في طلب الرزق ونفع الخلق، حتّى يجمعوا بين الحسنيين، وليس أن ننكر عليهم المحافظة على صلاة الجماعة.
من جهة أخرى ينبغي الانتباه إلى أولئك الذين يهجرون المساجد ويضيّعون الصّلوات بحجّة أنّ “العمل عبادة” وما أكثرهم! فهؤلاء أيضا متواكلون، لكن في عمل الآخرة، وواجبنا معهم هو أن نخوّفهم بالله، ونذكّرهم بأنّ العمل الذي يكون عبادة هو العمل الذي لا يلهي عن حقّ الله.. العمل قد يحمل صاحبه على التخلّف عن صلاة الجماعة بعض الأوقات، وقد يحمله على تأخير الصّلاة عن أوّل وقتها أحيانا، لكنّه لا يصحّ أبدا عذرا في إخراج الصّلاة عن وقتها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • حماده

    صلاة الجماعة واجبة لمن لا عذر له والأدلة على ذلك كثيرة ومنها حديث الأعمى الذي لا قائد له والذي أوجب عليه صلى الله عليه وسلم تلبية النداء