-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

زمان الفتن.. والخوفُ من سوء المنقلب

سلطان بركاني
  • 1642
  • 1
زمان الفتن.. والخوفُ من سوء المنقلب

فتن آخر الزّمان بدأت أو هي قادمة، وأخطر ما فيها أن يصل العبد المسلم إلى درجة ينزل فيها دينه إلى آخر اهتماماته، ويتخلى شيئا فشيئا عن أحكامه وشرائعه وشعائره، ولا يتحرّك قلبه إن أحسّ بنقصان دينه، ولا يجد أيّ ألم أو عتاب في داخله إذا تهاون في صلاته، وهجر مصحفه، وعزف عن أعمال البرّ والخير من صدقة وإحسان وبرّ والدين وصلة رحم.. بل ربّما يشعر بأنّه غير معنيّ بما يجري على الدّين من حرب وتضييق، كما لا يتحرّك له لسان ولا يطرف له جفن وهو يرى إخوانه المسلمين ينكّل بهم ويبادون ويهجّرون في بلاد الشّام والعراق وفي الصّومال ومالي واليمن، ويرى أخواته المسلمات يمنعن ارتداء الحجاب في بعض دول الغرب.

يعاين كلّ هذا لكنّ قلبه لا يتحرّك، بل يتعامل مع الأمر بكلّ برودة، وقد تصل به الحال إلى نفور نفسه من سماع ومتابعة الأخبار المتعلّقة بالإسلام والمسلمين في العالم.. لكنّه في المقابل يحزن ويتلمّظ ويتكلّم ويرفع صوته عندما يتعلّق الأمر بلقمة عيشه؛ يبدي حزنا شديدا لارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، ويتألّم لكلّ شوكة تصيب بدنه وهو الذي لا يعبأ بالخوارم وربّما النّواقض التي تلحق دينه، وفي مثل هذا يقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: “تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إنْ أُعطِي رضي، وإن لم يُعطَ لم يرضَ” (رواه البخاري)، ويقول الإمام ابن القيّم رحمه الله: “وأيُّ دينٍ، وأيُّ خيرٍ؛ في مَن يَرى مَحارمَ الله تُنتهَك، وحدودَه تُضاع، ودينَه يُترك، وسُنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُرغب عنها! وهو باردُ القلب، ساكتُ اللسان، شيطانٌ أخرس؟! كما أن المتكلم بالباطل؛ شيطانٌ ناطق، وهل بَلِيَّةُ الدِّين إلا مِن هؤلاء الذين إذا سَلِمَت لهم مآكلُهم ورئاساتهم؟! فلا مبالاة بما جَرى على الدِّين، وخيارُهم المُتحزِّن المُتلمِّظ، ولو نُوزِع في بعضِ ما فيه غَضاضةٌ عليه في جاهِه أو مالِه بذَل وتبذَّل، وجدَّ واجتهَد، واستعملَ مراتبَ الإنكار الثلاثة، بحَسب وِسْعه! وهؤلاء مع سُقوطهم مِن عَين الله، ومَقت الله لهم، قد بُلوا في الدنيا بأعظم بَليَّة تكون، وهم لا يشعرون، وهو موت القلوب! فإن القلبَ كلَّما كانت حياتُه أتمّ كان غضبُه لله ورسوله أقوى، وانتصارُه للدين أكمَل” (أعلام المُوقّعين).

ليس حراما ولا ممنوعا ولا عيبا أن يهتمّ المسلم بلقمة عيشه وبمنصبه وراتبه، بل من الواجب عليه أن يهتمّ بكلّ ذلك ويطالب بحقّه ويعترض إذا أنقص منه، ويخلص النية لله ليؤجر في كلّ ذلك، لكنّ المصيبة أن يكون هذا هو الهمّ الأوّل والأوحد والأخير لعبد مسلم في هذا الدّنيا، ينسى معه كلّ الهموم الأخرى وكلّ ما هو أهمّ منه؛ ينسى دينه: صلاته وصلاة أبنائه وحجاب بناته، كتاب ربّه.. ينسى تحكيم شريعة خالقه، وينسى مع كلّ ذلك الموت والبعث والموعد بين يدي الله للحساب، والمآل إمّا إلى جنّة أو إلى نار.. وربّما يكون له نصيب من قول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون)).

لو توقف الأمر عند نسيان الدّين ونسيان الآخرة ما كان هيّنا أبدا، كيف إذا تمادى بالعبد إلى حدّ يعلو فيه الران على قلبه والغفلة على نفسه وروحه حتّى ينقبض قلبه ويضيق صدره من بعض شرائع الدّين وشعائره وأحكامه، ويصل إلى حدّ لا يعجبه أن يحدّثه أحد بتقصيره في فريضة أو واجب أو ينصحه بترك معصية أو مخالفة.. وهذا الواقع نراه في أنفسنا ومن حولنا وفيما يكتب على مواقع التواصل الاجتماعي؛ ما يثير الخوف من أنّنا قد فتنّا وأنّ الدنيا قد غلبتنا واستولت على قلوبنا وحياتنا وأنّ الشّيطان قد صدق ظنّه ووعيده فينا: ((وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِين)) (سبأ: 20).

يروي أحد الأفاضل واقعة سمع عنها يقول: عند زيارتي لصالون الحلاقة أخبرني الحلاق الفاضل بواقعة كان طرفا في أحداثها فقال: اعتدت أن أغلق الصالون وقت الصلاة لأصلي جماعة، فجاءني يوما زبون قديم لدي أعرفه من 20 سنة -وهو رجل كبير في الستينات من عمره- فاعتذرت إليه طالبا الانتظار إلى ما بعد الصلاة.. أغلقت المحل وذهبت للصلاة. لاحظت أنه لم يصلّ معنا في المسجد القريب، فكلمته بعدها فإذا هو تارك للصلاة لا يصلي أبدا! حدثته عن أهمية الصلاة، فرد بعناد: هناك من يصلون لكنهم يفعلون كذا وكذا.. كنت أتمنى منه -على الأقل- أن يقول: سأصلي إن شاء الله.. حتى هذه لم يقلها! أصابني من الهم والغم لأجل ذلك الكثير. كأنني أرى قول الله تعالى: ((أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)) ماثلا أمامي.. مرت الأيام، فجاءني مرة ثانية، وابتدرني بالشكوى من أعراض جلطة أصابته، ومن انسدادات في بعض صمامات قلبه، وأخبرني أنه مقبل على عملية قلب وزرع شبكات حساسة وخطيرة! انتهزت الفرصة، وذكرته بالصلاة، وبأنه ربما لا يقوم من العملية، فعاد لعناده وكبره، بل وأخذ يقول إن عمليته مضمونة، وإن الشبكة التي تزرع في قلبه أوصى بها من فرنسا، وانتهى الحوار.. مر أسبوعان، ففاجأني شقيق ذلك الزبون معاتبا: أين أنت يا رجل؟ لماذا لم تعزنا؟ قلت: أعزيكم فيمن؟ رد قائلا: شقيقي زبونك القديم، مات بعد العملية! كانت صدمة، مع ألم، مع حزن، مع خوف من سوء الخاتمة.. فاللهمّ سلّم.

لعلّك أخي المؤمن ترى من نفسك أنّك بعيد عن حال صاحب هذه القصّة، فأنت -ولله الحمد- تصلّي، لكن هل تضمن من نفسك الثّبات أمام فتن هذا الزّمان وأمام ضغط الدّنيا التي تحوّلت إلى إله يعبد في زماننا هذا؟ أنت لا تأمن أن تُفتن بسبب معصية تراها صغيرة وتظلّ مصرا عليها وتأبى التّوبة منها، ربّما تكون سببا في انتكاسة لم تحسب لها حسابا أو حتى في خاتمة لم تخطر على بالك.. مولاك الرّحيم لم يطلب منك أن تكون ملكا معصوما، لكنّه لا يحبّ أن يراك مصرا على معصيته معرضا عن التوبة إليه وطلب مغفرته، خاصّة أنّه يدعوك كلّ يوم وكلّ ليلة لتتوب إليه وتقلع لكنّك لا تجيب دعوته.

المعاصي -خاصّة ذنوب الخلوات، من أعظم أسباب النّكوص والانتكاس، ومن أعظم أسباب التعرّض لسوء الخاتمة.. ربّما يصلّي المسلم أربع صلوات في اليوم، ويصرّ على إضاعة صلاة الفجر وتأخيرها إلى ما بعد طلوع الشّمس، وربّما يصلّي الصّلوات الخمس في أوقاتها، لكنّه يرفض التوبة من معصية التواصل مع الفتيات العابثات في الواقع وفي المواقع.. يصلّي لكنّه إذا خلا بهاتفه فتح المواقع الهابطة وتصفّح الصور والمقاطع الخليعة، وربّما يمضي السّاعات وهو يكلّم العابثات على الماسينجر والفايبر والواتساب.. والمفارقة أنّ صاحب هذه الحال ربّما يكون كهلا في الخمسينات أو الستينات من عمره، يصلّي لكنّه لا يغضّ بصره، بل يبحث عن الحرام ويلهث خلفه.. يرقب نوافذ الجيران ويتربّص ببنات وحتى زوجات النّاس.. بل ربّما تجده يتربّص بالفقيرات المسكينات اللاتي تضطرّهنّ الحاجة إلى مدّ أيديهنّ للنّاس!

إنّه لأمر حين يصير المرء عبدا لشهوته ونفسه تقوده من دون لجام إلى ذلّته وهوانه في الدّنيا وربّما تؤدّي به إلى خاتمة لم تكن تخطر له على بال.. في زمن الفتن والشّهوات الذي نعيشه، أسهل انتقال هو أن ينتقل العبد من الإسلام والإيمان إلى الكفر بين عشية وضحاها أو بين ضحى يوم وعشيته، بل ربّما يسلب دينه وإيمانه بين لحظة وأخرى، بسبب إصراره على معصية من المعاصي. والطّامّة الكبرى أن يسلب دينه في آخر أيام وساعات: يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله- كما في “الداء والدواء”: “فإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوته، وكمال إدراكه، قد تمكَّن الشيطان منه واستعمله فيما يريده، من معاصي الله، وقد أغفل قلبه عن طاعة الله، وعطل لسانه عن ذكره، وجوارحه عن طاعته، فكيف الظنُّ عند سقوط قُوَاه، واشتغال قلبه ونفسه بما هو فيه من ألَمِ النَّزْع؟ وجمع الشيطان له كلَّ قوته وهمته، وحشد عليه بجميع ما قدر عليه لينال منه، فهي آخر فرصة للشيطان لينال من هذا الإنسان… فأقوى ما يكون عليه الشيطان في ذلك الوقت، وأضعف ما يكون عليه الإنسان في تلك الحال؛ فمن تُرى يسلَم من ذلك؟! فهناك ((يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاء)) (إبراهيم: 27)، فكيف يوفَّق لحسن الخاتمة مَن أغفل قلبه عن ذكر الله، واتبع هواه، وكان أمره فُرطًا، فقلبه بعيد عن مولاه، غافل عنه، متعبد لهواه، أسير شهواته، ولسانه يابس عن ذكره، وجوارحه معطَّلة عن طاعته، مشتغِلة بمعصيته، فبعيدٌ عن هذا أن يوفَّق لحسن الخاتمة”.

كما أخاطبك أخي المؤمن، أخاطب نفسي أولا، وأوصي نفسي كما أوصيك بتقوى الله وخوفه ومجاهدة النفس على لزوم طاعته والبعد عن معصيته.. ليس حراما أن أخطئ أو تخطئ، لكنّ المصيبة أن أظلّ أو تظلّ مصرا على خطئك، وتظلّ مقيما على المعصية لا تفكّر في التوبة منها والتحوّل عنها، أو تظلّ تسوّف وتؤخّر التوبة حتى يعلو الرّان قلبك ويُحال بينك وبين التوبة، ويسلّط عليك الشّيطان وتسلّط عليك نفسك، حتّى تجد نفسك في صفّ لم تكن تتوقّع يوما أن تكون فيه.

إنّ أعظم سبب للثبات على دين الله هو خوفُ الله وخشيته ومحبّته ورجاؤه ودعاؤه، ثمّ الاستقامة على دينه، فمن كانت حياته هكذا فلا خوف عليه بإذن الله من أن يزيغ أو يضلّ أو يختم له بخاتمة سيّئة، يقول سبحانه وتعالى: ((يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَة))، ويقول جلّ شأنه: ((إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون)).. معنى “قالوا ربّنا الله”: أي كانوا على يقين بأنّ أرزاقهم وآجالهم وكلّ أمورهم بيد الله وحده، فلم يخشوا عليها بشرا مثلهم، ومعنى “استقاموا” أي فعلوا ما به الله أمر وانتهوا عمّا عنه نهى وزجر وعادوا وتابوا كلّما نسوا أو ضعفوا.

وصيتي لنفسي ولك أخي المؤمن أن نجاهد أنفسنا على البعد عن المعاصي والذّنوب، وإن حصل وأذنب أحدنا بضعف نفس، فليسارع إلى التوبة ولا يتأخّر، ولْيعقد العزم ولْيستعن بالله على ألا يعود إلى ذلك الذّنب: يقول الله تعالى: ((إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)).. الإصرار على الذّنوب وتأخير التوبة منها يؤدّي إلى قسوة القلب وسواده، والقلب كلّما ازداد قسوة وسوادا كان أقرب إلى التقلّب والخذلان، يقول الحقّ سبحانه: ((كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيم)).. القلب عندما يقسو ويعلوه الرّان، لا تحرّكه مشاهد القبور ولا صور حوادث المرور ولا أحوال المحتضرين، ولا يحرّكه وباء كورونا ولا تؤثّر فيه جلطة تصيبه، ولن يستيقظ صاحبه إلا عند حلول السكرات وكشف الحجاب.. نسأل الله الحنّان المنّان أن يسترنا بستره ويتوب علينا بفضله ويختم لنا بالباقيات الصّالحات، ويجعل أسعد أيامنا يوم نلقاه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • خالد

    كم منا من يعلم و يحس بأن أعظم أمانة على أكتافنا هي أن نعيش في واقعنا هذا الدين قبل الرحيل ناهيك عن مسؤولية تبليغه لغيرنا على الصورة التي يريدها منا خالقنا !؟ تبلد الحس يا أستاذ...جزاك الله خيرا على تذكيرنا.