شويطنٌ ينهى عن المنكر
لم أبحث إن كان هذا التعبير “شُويطن” هو تصغيرٌ لكلمة شيطان، وهل يصحُّ لغويًّا، فإن صحّ فذلك ما كنتُ أهوى وأبغي، وإن لم يُجِزه أربابُ اللسان العربي، فسألجأ إلى مذهب الشيخ جمال الدين الأفغاني، الذي جرى ذكرُ اسم شخصٍ أمامه، فعلّق قائلا: “إنه بقَروت”، فقال له أحدُ جلسائه إنّ هذا التعبير “بقروت” لم يرِد على لسان العرب، فقال: “أضيفوه على حسابي”. (يُنظر عبد القادر المغربي: جمال الدين الأفغاني. ص110).
هذا “الشويطن” تمثّل بشرا سويا، ويوجد في بلدٍ يحكمه شخصٌ أطلِق عليه اسمُ “شيطان العرب”، لا لقذارة أفعاله وخسّتها فقط، ولكن لقبح وجهه الذي يذكر بقول الشاعر الهجاء: “فقُبّح من وجه، وقُبّح حامله”، ويقول شاعر آخر عن شخص ذميم الخلقة: “إبليسُها صوَّره ليس من صُنع الإله”.
كثير من سكان هذا البلد هم من “شياطين هذا الشيطان”، يأتمرون بأمره، وينتهون بنهيه، بمن فيهم بعض “العلماء” الذين أضلهم الله على عِلمهم، وأتبعهم الشيطانان، فأخلدوهم إلى الأرض، فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، ونسوا اللهَ فأنساهم أنفسهم.
هذا “الشُّويطن” اسمه “س بن س” وتُزاحمه في التشيطن شمطاء تُسمّى “هـ.ع”.. وورد اسماهما فيما ورد من أسماء شياطين الإنس الذين استزلّهم كبيرُهم جيفري إبستين في جزيرته الشيطانية التي هي أحدُ أسباب “التلوّث” الأخلاقي الذي يعكّر جوَّ الكرة الأرضية فيتسبّب في إصابة البشر الأسوياء بمرض “ضيق التنفّس” الذي يُسمَّى “المرض الشيطاني”.
قال هذا “الشويطن” متصنّعا الورعَ والتقوى، اللذين علّمهما له “عالمٌ” بلغ أرذل العمر، ونُكِّس في الخلق: “في ديننا الحنيف لا يجوز رميُ المحصَن بالاتهامات في عِرضه إذا لم يكن معه أربعةُ شهود.. فنحن لسنا كالغرب المظلم الذي لا دين له وينشر من دون أحكام شرعية تضبط أفعاله”. لعلّه يقصد “الدين الإبراهيمي” الذي يؤمن به حاكمُه الشيطاني ويبشّر به.
لقد نسي هذا “الشويطن” أو أنساه قرينُه أنّه يعيش في إمارة يحكمها من أجمعَ الصالحون والطالحون من أمّة الإسلام على تشريفه بلقب “شيطان العرب”، ومن رضي أن يخضع لحكم شيطان فهو شيطان، خاصة إذا كان له من الإمكانات ما يسمح له بالعيش في غير هذه “الإمارة الشيطانية”.
ولنفترض أنّ هذا الكائن كمؤمن آل فرعون، وأنّه يكتم إيمانه، وينهى عن المنكر بقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان، فما الداعي لأنْ يكون من شياطين جزيرة إبستين البعيدة عن إمارته آلاف الأميال؟
هذا إذا كان هذا “الشويطن” يطلب شهادة أربعة، فهو لا يحتاج إلى شهادة شاهدٍ واحد، لأنّ أفعاله القبيحة مسجَّلة صوتا وصورة وكتابة، وهذا كلُّه مما يسمّيه رجالُ القانون “الاعترافُ سيِّدُ الأدلّة”.
إنّه لا أقبحَ، ولا أشنع، ولا أبشع، من أن يتدثّر شيطانٌ بلباس تقيٍّ ورع، وهذا من مخادَعة العبد لله -عز وجل- واللهُ -عز وجل- خادعُه، ومُخرجٌ ما يكتم من شرور ومنكرات وفضائح.. وإن فضيحة يوم القيامة أمرُّ وأنكى، وسيكون ممن يقولون: “يا ليتني كنتُ ترابا”.