-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

طوفان الأقصى والاستثمار السياسي

التهامي مجوري
  • 440
  • 0
طوفان الأقصى والاستثمار السياسي

ما حققه طوفان الأقصى في القضية الفلسطينية لا يمكن وصفه إلا بالوعي التام بالقضية وعمقها وتفاصيلها، والعبقرية النادرة في زمن الرداءة الساقطة، وقد اشتاقت الأمة لمثل هذا الانجاز العظيم، الذي لم تر الأمة مثله منذ عهود قديمة، ولعل آخرها حركة الاستقلال الوطني، التي مست الكثير من شعوب العالم الإسلامي.

لكنَّ هذا الإنجاز إذا لم يدعم باستثمار سياسي وإعلامي جيد، فسوف تذروه الرياح كغيره من المنجزات، التي حققتها الامة في بعض مراحلها التاريخية، لسببين إثنين:
السبب الأول: أن النشاط العسكري في العادة لا يصلح إلا للضغط، ولا يصلح للحسم، وإذا حسم فإنه لا يقوى على المحافظة على المنجزات في الإطار المدني والعلاقات الدولية.
وهنا يتعين على القوى الإعلامية والسياسية المناصِرة والداعمة للمقاومة، أن تكثف نشاطاتها في اتجاه الإستثمار في المكاسب التي حققها طوفان الأقصى، خاصة في الأوساط والشعوب الغربية التي استيقظت على واقع لم تعرفه، فظهرت بفطرتها في مناصرة القضية، رغم الدعاية المضادة للحقيقة التي تقوم بها الارمادة الصهيونية في العالم، ولكن الخوف على هذا الدعم الذي ظهر بقوة في أمريكا وبريطانيا وفرنسا بأشكال مختلفة: مظاهرات ولافتات احتجاجية وتصريحات شعبية قوية… وينبغي لهذه الشمعة التي أوقدتها المقاومة أن لا تنطفئ جذوتها، بسبب ما عهدنا من تفريط وإهمال في منجزاتنا العملاقة؛ بل لا بد من العمل على تحريض هذه القوى بالقدر اللازم في مواجهة أنظمتها الفاسدة والداعمة للصهاينة، في أمريكا وفرنسا وبريطانيا خاصة، وتنبيه الناس، كما يقول سفير فلسطين في بريطانيا، إلى أن الصهيونية خطرٌ على الغرب وعلى القيم الحضارية التي عملت دول الغرب على تثبيتها في نفوس مواطنيها.
إن الشعوب الغربية عموما غير مسيسة؛ لأنها تعيش في ظل مؤسسات وضمانات اجتماعية تحميها من مظالم السلطة، ولكن رأيها وموقفها معتبر بفضل ما تتمتع به من سلطة على حكامها، سواء بفضل ما تدفع من ضرائب وما تقدم من أصوات للمسؤولين في الانتخابات التشريعية أو الرئاسية. والاستثمار في هذه المساحة المعتبرة في الغرب من أهمِّ ما ينبغي الاعتناء به في خطاب المقاومة والاستثمار في منجزاتها.
لا بدَّ من الاستثمار في هذا الجانب، وعلى القوة التي عبَّأت الجماهير في عواصم الغرب إلى الخروج في مظاهرات ضخمة ورفع لافتات الإدانة للصهيونية وداعميها، ينبغي أن تتحول إلى طوفان يهدد السلطات في تلك البلدان، بمحاسبتها على ما تنفق على الصهاينة في حروبهم ضد الفلسطينيين، والتهديد بالامتناع عن التصويت لهذه الجهة أو تلك ان استمرت في الدعم غير المشروع للقوى الخارجية؛ بل يمكن أن تُقنع هذه الجماهير العريضة بأن الدولة الصهيونية خطر على القيم الحضارية التي تتمتع بها الشعوب الغربية.
وهنا يظهر دور القوى العربية والإسلامية من الجاليات المقيمة هناك، ومن المندمجين في هذه الدول، فهي قوة لا يستهان بها، فقوة الشمال الإفريقي في فرنسا، وقوة الآسيويين في بريطانيا وقوة الأتراك تحديدا ومسلمي أوروبا الشرقية في ألمانيا، كل هذه القوى إذا تحركت بمنهجية فإنها تُحدث الكثير من المفاجآت في العالم الغربي؛ لأن ما أحدثه طوفان الأقصى من تفاعل عالمي، يشي بتعطش كبير لقلب الموازين والقيم التي تحكم العالم منذ الحرب العالمية الثانية، وحاجة ماسة لنظام قيم جديد تتطلع إليه الإنسانية وليس الفلسطينيون وحدهم.

 هنا يظهر دور القوى العربية والإسلامية من الجاليات المقيمة هناك، ومن المندمجين في هذه الدول، فهي قوة لا يستهان بها، فقوة الشمال الإفريقي في فرنسا، وقوة الآسيويين في بريطانيا وقوة الأتراك تحديدا ومسلمي أوروبا الشرقية في ألمانيا، كل هذه القوى إذا تحركت بمنهجية فإنها تُحدث الكثير من المفاجآت في العالم الغربي.

السبب الثاني: أن العدو نشط في مجال تشويه الحقائق وتدنيسها بما ليس فيها، وله من الإمكانات على قلب الحقائق والاستثمار في حركات الشعوب بما يناقض قضاياها، وما الحراك العربي الذي شهدته الأمة واستبشرت به عنا ببعيد، فقد شوهت جميع الجهود التي قامت بها شعوبنا العربية والإسلامية، في مصر وتونس وليبيا وسوريا… جميع هذه الشعوب تحركت في ما يسمى “الربيع العربي” في سياق حراك تحرري طبيعي في إطار نمو عادي لمعارضة شعبية كبيرة، بعيدا عن كل انتهازية من أبناء النظام أو من غيرهم… ولكن بعد هذه السنوات انقلبت كلها على الشعوب؛ بل إن الشعوب نفسها ظلت تتمنى عودة الاستبداد الذي كانت فيه، بسبب قوة آلة التضليل المضادة لحرية الشعوب، التي حولت حركات الشعوب المغبونة إلى مجرد مؤامرة أوروبية أمريكية على الأمة، وعلى جناح المقاومة في الدول العربية، لكي لا تكون هناك نهضة حقيقية في المجتمع العربي والإسلامي!
ولا يخفى عن أحد سلطانُ اليهود والصهيونية بأذرعها المختلفة، على الغرب وعلى مؤسساته النافذة، ومنها أجهزة الاستخبارات والمؤسسات المالية والمؤسسات الإعلامية، حتى أن الغربي اليوم يعلم كل ذلك، ولكنه يخاف من أن يقول شيئا، والشواهد كثيرة فيما وقع للكثير من المفكرين والعلماء والأكاديميين الذين صرحوا مجرد تصريح بعدم أحقية اليهود في فلسطين، أو كشفوا عن أكاذيبهم المختلفة. ومنهم الأستاذ رجاء غارودي رحمه الله الذي كان له موقف واضح من المسألة الصهيونية كشف عنه بكتابه “الأساطير المؤسسة لإسرائيل”، الذي حوكم بسببه، وتعب في أواخر أيامه، ولم يجد من يسنده في مواجهة تلك الأرمادة من الحملات القضائية والإعلامية، التي حرمت أصدقاءه من تنظيم مجلس عزاء والصلاة عليه صلاة الجنازة في مسجد باريس؛ بل كانت لهم الموافقة بالصلاة عليه في مسجد باريس، وتنظيم عزاء في مكان آخر أستأجر مسبقا، ولكنهم فوجئوا بسحب رخصة الصلاة عليه في المسجد، وإلغاء الموافقة من الجهة المؤجِّرة للمقر الذي كان مقررا أن يقام فيه العزاء.
ولعل أشهر المؤسسات وأقواها ما ذكره هذه الأيام أحد الناشطين الفرنسيين الذي كشف عن مؤسسة تابعة للموساد تسمى “سياميم”، تنشط في إطار حرب الدعاية، مهمتها بالأساس الاستثمار الإعلامي فيما يخدم الصهيونية، وعدد المنخرطين في هذه المؤسسة نحو خمسين ألف منتسب، موزعين على العواصم الغربية ومنها على وجه الخصوص فرنسا وبريطانيا وأمريكا، ولا يُشترط في أفراد هذه المؤسسة أن يكونوا إسرائليين؛ بل هم فرنسيون وانجليز وأمريكيين، يؤمنون بالقضية. والخيط الجامع بينهم هو القضية، وتوفير المعلومة في جميع المجالات؛ لأنهم موزَّعون في جميع القطاعات الرسمية والشعبية. والذي يمتلك المعلومة تذلل أمامه الكثير من المصاعب والمعيقات… ويضاف إلى ذلك النفوذ الذي يتمتع به اليهود الذي أشرنا إليه آنفا.
لقد ألَّف الأستاذ مالك بن نبي رحمه كتابا في بداية الستينيات ونشره بعنوان “الصراع الفكري في البلاد المستعمَرة”، كشف فيه عن النشاط الاستخباراتي في الغرب الموجَّه لخدمة الأهداف الاستعمارية في مواجهة الشعوب الضعيفة والمستعمَرة وحركات التحرر بها، وقد لخّص كل ذلك النشاط في مثالين: المثال الأول إنهاك قوى المقاومة بجميع توجهاتها، بالمعارك الوهمية والهامشية لصرفها عن المعارك الحقيقية، ومثّل لها باللعبة الإسبانية المعروفة، الثور والخرقة الحمراء… إذ يلهث الثور وراء حامل الخرقة الحمراء للنيل من تلك الخرقة، ليسقط في النهاية منهكا بعد محاولات مضنية. أما المثال الثاني: فمثّل له بمسرحية على خشبة، ولكن الإضاءة موجهة إلى الجمهور، وليس إلى خشبة المسرح، فيتفرج الممثلون على الجمهور، على العكس تماما مما ينبغي أن يكون.
ومع كل ذلك، فإن المقاومة، وأعني بالمقاومة هنا كل المقاومة، وليس المقاومة الفلسطينية فحسب، التي فرضت على الجيش الأمريكي الانسحاب من العراق وأفغانستان، وكسرت شوكة وكبرياء الجيش الصهيوني في طوفان الأقصى، قادرة على إحداث ما ليس في الحسبان الدولي، إذا تم الانتباه إلى ضرورة الاستثمار السياسي في منجزات المقاومة وإنزاله منزلته، بوصفه حلقة مهمة في تقدم المقاومة وتحقيق أهدافها الكبرى.
وهذا ليس واجب الهيئات التنفيذية العاملة في الميدان، وإن كانت جزءا منه وقد قامت بما في مقدورها الآني، فيما ظهر من أعمالها عبر المشاهد المؤثرة للأسرى الذين كانت تسلِّمهم للصليب الأحمر، وإنما هو واجب القوى المناصرة الداعمة للقضية، من العرب والمسلمين واحرار العالم.
لقد قام بعض رجال المقاومة بجهد معتبر في الاستثمار في منجزات المقاومة، مثل البيانات العسكرية التي يقوم بها أبو عبيدة وأبو حمزة، والقيادات السياسية لحماس والجهاد كأسامة حمدان والهندي، وبعض رجالات الحركة الوطنية الفلسطينية من أمثال مصطفى البرغوثي، وبعض الأكاديمين مثل سامي العريان، وبعض القنوات الإعلامية كالجزيرة وبعض القنوات الوطنية المحلية.
ولكن ما تتطبه القضية من استثمار في أنشطتها عموما ومنجزاتها خصوصا، دعاية وتحليلا وتحريضا وفضحا للعدو ومسانديه، يفوق الطاقات المبذولة، مما يحتم على رجال المقاومة وداعميها في العالم تعزيز هذه المبادرات، التي لا تحقق المطلوب إلا بتكوين وتدريب نشطاء في عالمي الإعلام والاتصال، وإنشاء المؤسسات الإعلامية وصفحات التواصل الاجتماعي؛ بل لا بد من إنشاء أنظمة اتصال جديدة خارج المعهود والمعروف الذي تتحكم فيه القوى الداعمة للصهيونية، مثل فايسبوك وتويتر – إكس وغير ذلك من الوسائل الخاضعة للرقابة الصهيونية وداعميها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!